الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          [ ص: 234 ] ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) التحريف : إمالة الشيء عن موضعه إلى أي جانب من جوانب ذلك الموضع ، مأخوذ من الحرف ، وهو الطرف والجانب ، و الكلم جمع كلمة ، وتطلق على اللفظ المفرد ، وهو ما اقتصر عليه النحاة ، وعلى الجملة المركبة ذات المعنى التام المفيد ; كقولك : كلمة التوحيد ، وتحريف الكلم عن مواضعه يصدق بتحريف الألفاظ بالتقديم والتأخير والحذف والزيادة والنقصان ، وبتحريف المعاني بحمل الألفاظ على غير ما وضعت له ، وقد اختار كثير من علمائنا الأعلام هذا المعنى في تفسير الآية ، وعللوه بأن التصرف في ألفاظ كتاب متواتر متعسر أو متعذر ، وسبب هذا الاختيار والتعليل عدم وقوف أولئك العلماء على تاريخ أهل الكتاب ، وعدم اطلاعهم على كتبهم ، وقياس تواترها على القرآن . والتحقيق الذي عليه العلماء الذين عرفوا تاريخ القوم واطلعوا على كتبهم التي يسمونها التوراة وغيرها ( وكذا كتب النصارى ) هو أن التحريف اللفظي والمعنوي كلاهما واقع في تلك الكتب ، ما له من دافع ، وأنها كتب غير متواترة ، فالتوراة التي كتبها موسى عليه السلام ، وأخذ العهد والميثاق على بني إسرائيل بحفظها - كما هو مسطور في الفصل الحادي والثلاثين من سفر تثنية الاشتراع - قد فقدت قطعا ، باتفاق مؤرخي اليهود والنصارى ، ولم يكن عندهم نسخة سواها ، ولم يكن أحد يحفظها عن ظهر قلب ، كما حفظ المسلمون القرآن كله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم . وهذه الأسفار الخمسة التي ينسبونها إلى موسى فيها خبر كتابته التوراة ، وأخذه العهد عليهم بحفظها ، وهذا ليس منها قطعا ، وفيها خبر موته وكونه لم يقم بعده أحد مثله إلى ذلك الوقت ; أي الذي كتب فيه ما ذكر من سفر التثنية ، وهذا نص قاطع في كون الكاتب كان بعد موسى بزمن يظهر أنه طويل ، وكون ما ذكر ليس من التوراة في شيء ، ومن المشهور عندهم أنها فقدت عند سبي البابليين لهم . وفي هذه الأسفار ما لا يحصى من الكلم البابلي الدال على أنها كتبت بعد السبي . فأين التواتر الذي يشترط فيه نقل الجم الغفير الذين يؤمن تواطؤهم على التبديل والتغيير في كل طبقة من الطبقات ، بحيث لا ينقطع الإسناد في طبقة ما ؟ والمرجع عند محققي المؤرخين من الإفرنج أن هذه التوراة الموجودة كتبت بعد موسى ببضعة قرون ، والمشهور أن أول من كتب الأسفار المقدسة بعد السبي عزرا الكاهن في زمن الملك أرتحششتا الذي أذن له بذلك ; إذ أذن لبني إسرائيل بالعودة إلى بلادهم ، وقد أوضحنا هذه المسألة في تفسير سورة آل عمران وسورة النساء ، وسنزيدها بيانا .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية