الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                            صفحة جزء
                                                                                            9796 وعن قيلة بنت مخرمة ; أنها كانت تحت حبيب بن أزهر أخي بني خباب ، فولدت له النساء ، ثم توفي ، فانتزع بناتها منها أيوب بن أزهر عمهن ، فخرجت تبتغي الصحابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ في أول الإسلام ] فبكت جويرية منهن حديباء ، قد كانت أخذتها الفرصة ، وهي أصغرهن ، عليها سبيج لها من صوف ، فاحتملتها معها ، [ ص: 10 ] فبينما هما يرتكان الجمل انتفجت الأرنب ، فقالت الحديباء القضية : لا والله ، لا تزال كعبك أعلى من كعب أيوب في هذا الحديث أبدا .

                                                                                            ثم سنح الثعلب فسمته أسماء غير الثعلب - نسيه عبد الله بن حسان - ثم قالت ما قالت في الأرنب ، فبينما هما يرتكان إذ برك الجمل ، وأخذته رعدة ، فقالت الحديباء القضية : أدركت والله أخذه أيوب .

                                                                                            فقلت : واضطرب إليها ، ويحك ما أصنع ؟ قالت : قلبي ثيابك ظهورها بطونها ، وتدحرجي ظهرك لبطنك ، وقلبي أحلاس جملك ، ثم خلعت سبيجها فقلبته ، وتدحرجت ظهرها لبطنها ، فلما فعلت ما أمرتني به ، انتفض الجمل ثم قام فتفاج ، وقال : فقالت الحديباء : أعيدي عليك أداتك . ففعلت ما أمرتني به فأعدتها .

                                                                                            ثم خرجنا نرتك ، فإذا أيوب يسعى على أثرنا بالسيف صلتا ، فوألنا إلى حواء ضخم ، قد أراه حتى ألقى الجمل إلى البيت الأوسط جمل ذلول ، فاقتحمت داخله بالجارية ، وأدركني بالسيف ، فأصابت ظبيته طائفة من قرون رأسي ، وقال : ألقي إلي بنت أخي يا دفار . فرميت بها إليه ، فجعلها على منكبه فذهب بها ، وكنت أعلم به من أهل البيت ، ومضيت إلى أخت لي ناكح في بني شيبان أبتغي الصحابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أول الإسلام .

                                                                                            فبينا أنا عندها ذات ليلة من الليالي تحسب عيني نائمة ، جاء زوجها من الشام فقال : وأبيك ، لقد وجدت لقيلة صاحبا ، صاحب صدق ، قالت : من هو ؟ قال : حريث بن حسان الشيباني ، وافد بكر بن وائل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذا صباح .

                                                                                            قالت أختي : الويل لي لا تسمع [ بهذا ] أختي ، فتخرج مع أخي بكر بن وائل بين سمع الأرض وبصرها ليس معها من قومها رجل ، فقال : لا تذكريه لها ، فإني غير ذاكره لها . فسمعت ما قالا ، فغدوت فشددت علي جملي فوجدته غير بعيد ، فسألته الصحبة . فقال : نعم ، وكرامة ، وركابه مناخه ، فخرجت معه صاحب صدق حتى قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي بالناس صلاة الغداة .

                                                                                            وقد أقيمت حين شق الفجر والنجوم شابكة في السماء ، والرجال لا تكاد تعرف من ظلمة الليل ، فصففت مع الرجال امرأة حديثة عهد بجاهلية فقال لي الرجل الذي يليني في الصف : امرأة أنت أم رجل ؟ فقلت : لا بل امرأة . فقال : إنك قد كدت تفتنيني ، فصلي في صف النساء وراءك ، وإذا صف من نساء قد حدث عند الحجرات لم أكن رأيته حين دخلت ، فكنت فيه حتى إذا طلعت الشمس دنوت .

                                                                                            فإذا رأيت رجلا [ ص: 11 ] ذا رواء وذا بشر طمح إليه بصري ، لأرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوق الناس ، حتى جاء رجل بعدما ارتفعت الشمس ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " وعليك السلام ورحمة الله " وعليه أسمال حليتين قد كانتا بزعفران ، وقد نفضتا ، وبيده عسيب نخل مقشو غير خوصتين من أعلاه ، قاعدا القرفصاء ، فلما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتخشع في الجلسة ، أرعدت من الفرق ، فقال له جليسه : يا رسول الله أرعدت المسكينة .

                                                                                            فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينظر إلي وأنا عند ظهره : " يا مسكينة ، عليك السكينة " فلما قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذهب الله عني ما كان دخل في قلبي من الرعب ، فتقدم صاحبي أول رجل حريث بن حسان فبايعه على الإسلام ، وعلى قومه ، ثم قال : يا رسول الله ، اكتب بيننا وبين بني تميم بالدهناء لا يجاوزها إلينا منهم إلا مسافر أو مجاور ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اكتب له بالدهناء يا غلام " .

                                                                                            فلما رأيته شخص لي ، وهي وطني وداري ، فقلت : يا رسول الله ، لم يسلك السوية من الأمر إذ سلك ، إنما هذه الدهناء عند مقيل الجمل ، ومرعى الغنم ، ونساء بني تميم وأبناؤها وراء ذلك ، فقال : " أمسك يا غلام ، صدقت المسكينة ، المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر ، ويتعاونان على الفتان " .

                                                                                            فلما رأى حريث أن قد حيل دون كتابه ، ضرب إحدى يديه على الأخرى ثم قال : كنت أنا وأنت كما قال : حتفها تحمل ضأن بأظلافها ، فقالت : والله ، ما علمت إن كنت لدليلا في الظلماء ، مدولا لدى الرحل ، عفيفا عن الرفيقة ، حتى قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن لا تلمني على أن أسأل حظي إذ سألت حظك ، قال : وما حظك في الدهناء لا أبا لك ؟ قلت : مقيل جملي تسأله لجمل امرأتك . قال : لا جرم ، أشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني لك أخ وصاحب ما حييت ، إذا ثنيت على هذا عنده ، قلت : إذ بدأتها فلن أضيعها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أيلام ابن هذه أن يفصل الخطة ، وينصر من وراء الحجرة ؟ " .

                                                                                            فبكيت ثم قلت : قد والله ، ولدته يا رسول الله حراما ، فقاتل معك يوم الربذة ، ثم ذهب بميرتي من خيبر ، فأصابته حماها فمات ، فترك علي النساء .

                                                                                            فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فوالذي نفسي بيده لو لم تكوني مسكينة لجررناك على وجهك - أو لجررت على وجهك - شك عبد الله بن حسان أي الحرفين حدثته المرأتان - أتغلب إحداكن أن تصاحب صويحبه في الدنيا معروفا ؟ فإذا حال بينه وبينه من هو أولى به منه [ ص: 12 ] استرجع ، ثم قال : رب آسني لما أمضيت ، فأعني على ما أبقيت ، فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعبر له صويحبه ، فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم " . ثم كتب لها في قطعة أديم أحمر : " لقيلة والنسوة من بنات قيلة لا يظلمن حقا ، ولا يكرهن على منكح ، وكل مؤمن ومسلم لهن نصير ، أحسن ولا تسئن "
                                                                                            .

                                                                                            قال محمد بن هشام : فسره لنا ابن عائشة ، فقال : الفرصة : ذات الحدب ، والفرصة : القطعة من المسك ، والفرصة : الدولة ، انتهز فرصتك ، أي : دولتك .

                                                                                            السبيج : سمل كساء . الرتكان : ضرب من السير . الانتفاج : السعي . شنح : أي ولاك ميامنه ، وبعض العرب يجعل مياسره ، وهم يتطيرون بأحدهما ويتفاءلون بالآخر . تفاج : تفتح . فوألنا : أي لجأنا إلى حواء . يا دفار : يا منتنة ، من ذلك قول العرب في الدنيا : أم دفر لنتنها . ثم سدت عنه : استخبرت عنه . المقشو : المقشور . الفتان : الشياطين وأحدها فاتن .

                                                                                            " حتفها تحمل ضأن بأظلافها " : مثل من أمثال العرب في شاة بحثت بأظلافها في الأرض ، فأظهرت مدية ، فذبحت بها ، فصار مثلا .

                                                                                            القضية : انقضاء الأمور . شخص : أي ارتفع بصري . فكسرا : من إكسار ما سمعت . آسني : أي اجعل لي أسوة بما تعظني به ، قال متمم بن نويرة :

                                                                                            فقلت لها طول الأسى إذ سألتني ولوعة حزن تترك الوجه أسفعا

                                                                                            . أسفع : أي أسود . رواه الطبراني ، ورجاله ثقات .

                                                                                            التالي السابق


                                                                                            الخدمات العلمية