الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        [ ص: 101 ] المسألة الثانية : العبد الموصى له ، إما أن يكون لأجنبي ، وإما أن يكون للموصي ، وإما للورثة .

                                                                                                                                                                        القسم الأول : لأجنبي ، فتصح الوصية . ثم لا يخلو ، إما أن يستمر رقه ، وإما أن لا يستمر .

                                                                                                                                                                        الحالة الأولى : أن يستمر رقه ، فالوصية للسيد حتى لو قتل الموصي العبد الموصى له لم تبطل الوصية ، ولو قتله سيد العبد ، كانت وصيته للقاتل . وفي افتقار قبول العبد إلى إذن السيد وجهان سبقا في باب " معاملة العبيد " . أصحهما : المنع ، ولا . يصح من السيد مباشرة القبول بنفسه على الأصح ؛ لأن الخطاب لم يكن معه ، والوجهان فيما حكي مخصوصان بقولنا : إن قبول العبد يفتقر إلى إذن السيد . ويجوز أن يعمما ; لأن الملك للسيد بكل حال ، فلا يبعد تصحيح القبول منه وإن لم يسم في الوصية ، ألا ترى أن وارث الموصى له يقبل وإن لم يسم في الوصية . وأما قبول السيد ما وهب لعبده ، فقال قائلون : هو على هذين الوجهين . وقال الإمام : هو باطل قطعا ; لأن القبول في الهبة كالقبول في سائر العقود بخلاف قبول الوصية . وإذا صححنا قبول العبد بغير إذن سيده ، فلو منعه من القبول فقبل ، قال الإمام : الظاهر عندي الصحة ، وحصول الملك للسيد ، كما لو نهاه عن الخلع فخالع . وإذا قلنا : لا يصح بلا إذن ، فلو رد السيد ، فهو أبلغ من عدم الإذن . فلو بدا له أن يأذن في القبول ففيه احتمال عند الإمام ، قال : وإذا صححنا القبول من السيد ، فيجب أن يبطل رد العبد لو رده .

                                                                                                                                                                        الحالة الثانية : أن لا يستمر ، بل يعتق . فينظر إن عتق قبل موت الموصي ، فالاستحقاق للعبد ؛ لأنه وقت الملك حر ، وإن عتق بعد موته . فإن قبل ثم عتق ، فالاستحقاق للسيد ، وإن عتق ثم قبل ، فإن قلنا : الوصية تملك بالموت ، أو موقوفة ، [ ص: 102 ] فالملك للسيد . وإن قلنا : تملك بالقبول ، فللعبد . ولو أوصى لعبد هو لزيد ، فباعه لعمرو ، فينظر في وقت البيع ، ويجاب بمثل هذا التفصيل .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        أوصى لمن نصفه حر ، ونصفه لأجنبي ، فإن لم تكن بينه وبين سيده مهايأة ، وقبل بإذن السيد ، فالموصى به بينهما بالسوية ، كما لو احتش أو احتطب . وإن قبل بغير إذنه ، وقلنا : يفتقر قبول العبد إلى إذن سيده ، فالقبول باطل في نصف السيد . وفي نصفه وجهان ; لأن ما يملكه ينقسم على نصفيه ، فيلزم دخول نصفه في ملك السيد بغير إذنه . وإن كان بينهما مهايأة ، بني على أن الأكساب النادرة هل تدخل في المهايأة ؟ وفيه خلاف سبق في " زكاة الفطر " ، وفي " كتاب اللقطة " . فإن قلنا : لا تدخل ، فهو كما لو لم تكن مهايأة . وإن قلنا : تدخل ، فلا حاجة إلى إذن السيد في القبول ; لأن المهايأة إذن له في جميع الأكساب الداخلة فيها . وهل الاعتبار بيوم موت الموصي ، أم بيوم القبول ، أم بيوم الوصية ؟ فيه أوجه . أصحها : الأول . ولو وهب لمن نصفه حر ، فعلى القولين في دخول الكسب النادر في المهايأة . فإن أدخلنا ووقع العقد في يوم أحدهما ، والقبض في يوم الآخر بني على أن الهبة المقبوضة يستند الملك فيها إلى العقد ، أم يثبت عقب القبض ؟ فإن قلنا بالأول ، فالاعتبار بيوم العقد ، وإلا فيوم القبض على الأصح ، وعلى الثاني بيوم العقد .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : أوصيت لنصفه الحر ، أو لنصفه الرقيق خاصة . فعن القفال : بطلان الوصية . قال : ولا يجوز أن يوصي لبعض شخص ، كما لا يرث [ بعضه ] ، وقال غيره : [ ص: 103 ] يصح وينزل بتقييد الموصي منزلة المهايأة ، فيكون الموصى به للسيد إن وصى لنصفه الرقيق ، وله إن أوصى لنفسه الحر .

                                                                                                                                                                        قلت : الأصح : الثاني . - والله أعلم - .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        تردد الإمام فيما إذا صرحا بإدراج الأكساب النادرة في المهايأة ، أنها تدخل قطعا ، أم تكون على الخلاف ؟ وفيما لو عمت الهبات والوصايا في قطر ، أنها هل تدخل قطعا ، أم تكون على الخلاف ؟

                                                                                                                                                                        قلت : الراجح طرد الخلاف مطلقا ، لكثرة التفاوت . - والله أعلم - .

                                                                                                                                                                        القسم الثاني : أن يكون العبد الموصى له للموصي ، فينظر إن أوصى لعبده القن برقبته ، فسيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى - في القسم الثاني من الباب الثاني . وإن أوصى له بجزء من رقبته نفذت الوصية فيه ، وعتق ذلك الجزء . وكذلك لو قال : أوصيت له بثلث مالي ولا مال له سواه . ولو قال : أوصيت له بثلث ما أملك من رقبته وغيرها من أموالي ، نفذت الوصية في ثلثه ، وبقي باقيه رقيقا للورثة ، فيكون الثلث من سائر أمواله وصية لمن بعضه حر وبعضه رقيق لوارثه . وسنذكره - إن شاء الله تعالى - . ولو قال : أوصيت له بثلث ما أملك ، أو بثلث أموالي ، ولم ينص على رقبته ، فأوجه . أصحها وبه قال ابن الحداد : أن رقبته تدخل في الوصية ; لأنها من أمواله . والثاني : لا لإشعاره بغيره . فعلى هذا لا يعتق منه شيء ، والوصية له وصية للعبد بغير رقبته ، وعلى الأول هو كما لو قال : أوصيت له بثلث رقبته ، وثلث باقي أموالي . والثالثة : [ ص: 104 ] تجمع الوصية في رقبته ، فإن خرج كله من الثلث ، عتق ، وإن كان الثلث أكثر من قيمته ، صرف الفضل إليه ، وإن لم يخرج كله من الثلث ، عتق منه بقدر ما يخرج . ولو أوصى له بعين مال ، أو قال : أعطوه من مالي كذا ، فإن مات وهو ملكه ، فالوصية للورثة . وإن باعه الموصي ، فهو للمشتري . وإن أعتقه ، فهي للعتيق . ولو أوصى له بثلث جميع أمواله ، وشرط تقديم رقبته ، عتق جميعه ، ودفع إليه ما يتم به الثلث .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        تجوز الوصية لأم ولده ; لأنها تعتق بموته من رأس المال وللمكاتب ؛ لأنه مستقل بالملك . ثم إن عجز ورق ، صارت الوصية للورثة . وكذا المدبر . ثم عتقه والوصية له معتبران من الثلث . فإن وفى بهما عتق ، ونفذت الوصية . وإن لم يف الثلث بالمدبر عتق منه بقدر الثلث ، وصارت الوصية لمن بعضه حر وبعضه رقيق للوارث . وإن وفى بأحد الأمرين من المدبر والوصية ، بأن كان المدبر يساوي مائة ، والوصية بمائة ، وله غيرهما مائة ، فوجهان : أحدهما وبه قطع الشيخ أبو علي : تقدم رقبته ، فيعتق كله ، ولا شيء له بالوصية . وأصحهما عند البغوي : يعتق نصفه ، والوصية وصية لمن بعضه حر وبعضه رقيق للوارث .

                                                                                                                                                                        قلت : الأول : أصح . - والله أعلم - .

                                                                                                                                                                        القسم الثالث : أن يكون العبد لوارث الموصي بأن باعه قبل موت الموصي ، فالوصية للمشتري ، وإن أعتقه ، فهي للعتيق ، فإن استمر في ملكه ، فهي وصية لوارث ، وسيأتي حكمها - إن شاء الله تعالى - . وكذا لو أوصى لعبد أجنبي ، ثم اشتراه [ ص: 105 ] وارثه ، ثم مات الموصي . ولو أوصى لمن نصفه حر ، ونصفه لوارثه ، فإن لم تكن بينه وبين السيد مهايأة ، أو كانت ، وقلنا : لا تدخل الوصية فيها ، فهو كالوصية لوارث . قال الإمام : وكان يحتمل أن يبعض الوصية ، كما لو أوصى بأكثر من الثلث . وإن جرت مهايأة ، وقلنا : يدخل فيها ، فقد سبق أن الاعتبار بيوم موت الموصي على الأصح . فإن مات في يوم العبد ، فالوصية صحيحة له ، وإلا ، فوصية لوارث . وسواء كانت مهايأة يوم الوصية ، أم أحدثاها قبل موت الموصي ، قاله الشيخ أبو علي .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        أوصى لمكاتب وارثه . فإن عتق قبل موت الموصي ، نفذت الوصية له ، وكذا لو أعتق بعده بأداء النجوم . فإن عجز ، ورق ، صارت وصية لوارث .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية