الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الحكم الثالث من أحكام الوديعة : ردها عند بقائها ، فإذا كانت الوديعة باقية ، لزم المودع ردها إذا طلبها المالك ، وليس المراد أنه يجب عليه مباشرة الرد وتحمل [ ص: 344 ] مؤنته ، بل ذلك على المالك ، وإنما على المودع رفع اليد والتخلية بين المالك وماله ، فإن أخر من غير عذر ، دخلت الوديعة في ضمانه . وإن كان هناك عذر يعسر قطعه ، بأن طالبه في جنح الليل والوديعة في خزانة لا يتأتى فتح بابها في الوقت ، أو كان مشغولا بصلاة أو قضاء الحاجة ، أو في حمام أو على طعام فأخر حتى يفرغ ، أو كان ملازما لغريم يخاف هربه ، أو كان المطر واقعا والوديعة في البيت فأخر حتى ينقطع ويرجع إلى البيت ، وما أشبه ذلك ، فله التأخير قطعا . فلو تلفت الوديعة في تلك الحال ، فقطع المتولي بأنه لا ضمان ؛ لعدم تقصيره ، وهذا مقتضى كلام البغوي أيضا . ولفظ الغزالي في الوسيط يشعر بتفصيل ، وهو أنه إن كان التأخير لتعذر الوصول إلى الوديعة ، فلا ضمان . وإن كان لعسر يلحقه ، أو غرض يفوته ، ضمن .

                                                                                                                                                                        قلت : الراجح أنه لا يضمن مطلقا ، وصرح به كثيرون . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال المودع : لا أرد حتى تشهد أنك قبضتها ، فهل له ذلك ؟ فله ثلاثة أوجه سبق ذكرها في كتاب الوكالة ووجه رابع ، أنه إن كان المالك أشهد بالوديعة عند دفعها ، فله ذلك ، وإلا ، فلا .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        يشترط كون المردود عليه أهلا للقبض . فلو حجر عليه بسفه ، أو كان نائما فوضعها في يده ، لم يجز .

                                                                                                                                                                        [ ص: 345 ] فرع

                                                                                                                                                                        أودعه جماعة مالا ، وذكر أنه مشترك بينهم ، ثم جاء بعضهم يطلبه ، لم يكن للمودع القسمة ولا تسليم الجميع ، بل يرفع الأمر إلى الحاكم ليقسمه ويدفع إليه نصيبه .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال له : ردها على فلان وكيلي ، فطلب الوكيل فلم يرد ، فهو كما لو طلب المالك فلم يرد ، لكن له التأخير ليشهد المدفوع إليه على القبض ؛ لأنه لو أنكر ، صدق بيمينه . وإن لم يطلب الوكيل ، فإن لم يتمكن من الرد ، لم تصر مضمونة ، وإلا ، فوجهان ؛ لأنه لما أمره بالدفع إلى وكيله ، عزله ، فيصير ما في يده كالأمانة الشرعية ، مثل الثوب تطيره الريح إلى داره . وفيها وجهان : أحدهما : تمتد إلى المطالبة . وأصحهما : تنتهي بالتمكن من الرد . قال ابن كج : ويجري الوجهان فيمن وجد ضالة وهو يعرف مالكها . وذكر إمام الحرمين في الأساليب ، أنه لو قال : رد الوديعة على من قدرت عليه من وكلائي هؤلاء ولا تؤخر ، فقدر على الرد على بعضهم ، وأخر ليرد على غيره ، فهو ضامن عاص بالتأخير ، وأنه لو لم يقل : ولا تؤخر ، يضمن بالتأخير ، وفي العصيان وجهان . وإنه لو قال : ردها على من شئت منهم ، فلم يرد على واحد ليرد على آخر ، لا يعصي ، وفي الضمان وجهان .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        هل يجب على المودع الإشهاد عند الدفع إلى الوكيل ؟ وجهان جاريان فيما لو دفع إليه مالا ابتداء وأمره بإيداعه ، أصحهما عند البغوي : يجب ، كما لو أمره بقضاء [ ص: 346 ] دينه يلزمه الإشهاد ، وأصحهما عند الغزالي : لا ؛ لأن قول المودع مقبول في الرد والتلف ، فلا يغني الإشهاد ؛ لأن الودائع حقها الإخفاء ، بخلاف قضاء الدين . فإذا قلنا : يجب ، فالحكم كما ذكرناه في كتاب الوكالة : أنه إن دفع في غيبة الموكل من غير إشهاد ، ضمن . وإن دفع بحضرته ، لم يضمن على الأصح .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        طالبه المالك بردها ، فادعى التلف بسبب خفي كالسرقة ، صدق بيمينه . وإن ادعاه بسبب ظاهر كالحريق والغارة والسيل ، فإن لم يعرف ما ادعاه بتلك البقعة ، لم يقبل قوله في الهلاك به . وإن عرف بالمشاهدة أو الاستفاضة ، نظر ، إن عرف عمومه ، صدق بلا يمين . وإن لم يعرف عمومه ، واحتمل أنه لم يصب الوديعة ، صدق باليمين . وإن لم يذكر سبب التلف ، صدق بيمينه ، ولا يكلف بيان سببه .

                                                                                                                                                                        وإذا نكل المودع عن اليمين ، حلف المالك على نفي العلم بالتلف واستحق ، وعد المتولي موت الحيوان والغصب من الأسباب الظاهرة . وفي ( ( التهذيب ) ) إلحاق الغصب والسرقة ، وهو الأقرب .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية