الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            الصفة الثالثة : قوله : ( وحصورا ) وفيه مسألتان :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : في تفسير الحصور ، والحصر في اللغة الحبس ، يقال حصره يحصره حصرا وحصر الرجل : أي اعتقل بطنه ، والحصور الذي يكتم السر ويحبسه ، والحصور الضيق البخيل ، وأما المفسرون : [ ص: 33 ] فلهم قولان : أحدهما : أنه كان عاجزا عن إتيان النساء ، ثم منهم من قال : كان ذلك لصغر الآلة ، ومنهم من قال : كان ذلك لتعذر الإنزال ، ومنهم من قال : كان ذلك لعدم القدرة ، فعلى هذا الحصور : فعول بمعنى مفعول ، كأنه قال محصور عنهن ، أي محبوس ، ومثله ركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب ، وهذا القول عندنا فاسد ؛ لأن هذا من صفات النقصان ، وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز ، ولأن على هذا التقدير لا يستحق به ثوابا ولا تعظيما .

                                                                                                                                                                                                                                            والقول الثاني : وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد ، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها كالأكول الذي يكثر منه الأكل وكذا الشروب ، والظلوم ، والغشوم ، والمنع إنما يحصل أن لو كان المقتضي قائما ، فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين ، وإلا لما كان حاصرا لنفسه فضلا عن أن يكون حصورا ، لأن الحاجة إلى تكثير الحصر والدفع إنما تحصل عند قوة الرغبة والداعية والقدرة ، وعلى هذا الحصور : بمعنى الحاصر فعول بمعنى فاعل .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ترك النكاح أفضل ؛ وذلك لأنه تعالى مدحه بترك النكاح ، وذلك يدل على أن ترك النكاح أفضل في تلك الشريعة ، وإذا ثبت أن الترك في تلك الشريعة أفضل ، وجب أن يكون الأمر كذلك في هذه الشريعة بالنص والمعقول ، أما النص فقوله تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) [ الأنعام : 90 ] وأما المعقول فهو أن الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان ، والنسخ على خلاف الأصل .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية