الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 8717 ) الفصل الثاني : إذا ملك ما يؤدي ، فالصحيح أنه لا يعتق حتى يؤدي . روي ذلك عن عمر ، وابنه وزيد ، وعائشة رضي الله عنهم ; فإنهم قالوا : المكاتب عبد ما بقي عليه درهم . وهو قول أكثر أهل العلم ، وعن أحمد رضي الله عنه رواية أخرى أنه إذا ملك ما يؤدي ، عتق ; لما روى سعيد ، قال : حدثنا سفيان عن الزهري ، عن نبهان مولى أم سلمة ، عن أم سلمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا كان لإحداكن مكاتب ، وكان عنده ما يؤدي ، فلتحتجب منه } . ورواه أبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي . وقال : حديث حسن صحيح . فأمرهن بالحجاب بمجرد ملكه لما يؤديه ، ولأنه مالك لوفاء مال الكتابة ، أشبه ما لو أداه . فعلى هذه الرواية ، يصير حرا بملك الوفاء فمتى امتنع منه أجبره الحاكم عليه .

                                                                                                                                            وإن هلك ما في يديه قبل الأداء ، صار دينا في ذمته ، وقد صار حرا .

                                                                                                                                            ووجه الرواية الأولى ، ما روى عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { المكاتب عبد ما بقي عليه درهم } . وقوله : { أيما عبد كاتب على مائة أوقية ، فأداها إلا عشر أواق فهو عبد ، وأيما عبد كاتب على مائة [ ص: 346 ] دينار ، فأداها إلا عشرة دنانير ، فهو عبد } . رواه سعيد . وفي رواية : { من كاتب عبده على مائة أوقية ، فأداها إلا عشر أواق . أو قال : إلا عشرة دراهم ، ثم عجز ، فهو رقيق } . رواه الترمذي ، وقال : هذا حديث حسن غريب . ولأنه عتق علق بعوض ، فلم يعتق قبل أدائه ، كما لو قال : إذا أديت إلي ألفا فأنت حر . فعلى هذه الرواية ، إن أدى عتق ، وإن لم يؤد لم يعتق .

                                                                                                                                            فإن امتنع من الأداء ، فقال أبو بكر : يؤديه الإمام منه ، ولا يكون ذلك عجزا ، ولا يملك السيد الفسخ ، وهو قول أبي حنيفة . ويحتمل كلام الخرقي ، أنه إذا لم يؤد ، عجزه السيد إن أحب ، فإنه قال إذا لم يؤد نجما ، حتى حل نجم آخر ، عجزه السيد إن أحب ، وعاد عبدا غير مكاتب . ونحوه قال الشافعي ، فإنه قال : إن شاء عجز نفسه ، وامتنع من الأداء . ووجهه أن العبد لا يجبر على اكتساب ما يؤديه في الكتابة ، فلا يجبر على الأداء ، كسائر العقود الجائزة . ووجه الأول ، أنه يثبت للعقد استحقاق الحرية بملك ما يؤدي ، فلم يملك إبطالها ، كما لو أدى . فإن تلف المال قبل أدائه ، جاز بعجزه واسترقاقه . وجها واحدا .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية