الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      [ الشرط ] السابع [ علم المخاطب بكونه مأمورا ] أن يعلم المخاطب كونه مأمورا قبل زمن الامتثال حتى يتصور منه قصد الامتثال ، وإن لم يعلم وجود شرطه ، وتمكنه في الوقت . [ ص: 85 ]

                                                      قال إلكيا الطبري : أجمع أصحابنا على اشتراطه ، وقال أبو هاشم : لا نعلمه متمسكا بأن الإمكان شرط لتحقق الأمر ، والجهل بالشرط محقق ، وذلك يقتضي الجهل بالشروط ، نعم . أجمع من قبلنا على إطلاق ورود الأمر بناء على تقدير بقاء أكثرهم ، وظهور ذلك عندهم .

                                                      قال : وما ذكره أبو هاشم لا دافع له إلا أصل لأصحاب الأشعري في النسخ . ومذهبه فيه : أن الحكم ثبت قطعا ، ثم رفع بعد ثبوته بالنسخ .

                                                      فقال : ثانيا عليه إذا توجه أمر على المخاطب فقط تنجز الأمر ، ثم إذا زال إمكانه فلا ريب في الأمر ، وإنما الأمر في الشرط القضاء لا في شرط أصل الأمر .

                                                      وهذا في غاية البعد ، فإن الأمر ليس هو اللفظ ولكن الأمر ، الطلب وذلك يستدعي شرطه الإمكان إلا أن ينكر كون الإمكان شرطا ، ولا يتحقق الخلاف إلا به ، وأبو هاشم لا ينكر وجوب الإقدام عليه ، ونية الوجود والتردد لا يدفع ذلك ، وما ذكرناه لا ينكر ، فالخلاف يرجع إلى اللفظ . ا هـ .

                                                      وأما القاضي ففرض الخلاف في الصحة فقال : أجمعت الأمة على أن الأمر إذا اتصل بالمكلف ولا مانع يمنعه من الامتثال فيعلم أنه مأمور بالأمر الوارد عليه ، ولكن يعتقد كونه مأمورا في الثاني والثالث من الأوقات المستقبلة بشرط أن يبقى على صفة التكليف ، فنستيقن الحال توجه الأمر عليه ، وأما في الاستقبال فإن بقي دام على الوجوب ، وإن مات انقطع عنه .

                                                      وقالت القدرية : لا يصح علمه بتوجه الأمر عليه إلا بعد الإقدام على الامتثال ، أو بعد مضي زمن يسعه مع تركه ، فقالوا : لا يصح أن يعلم كونه مأمورا قطعا . وأما نحن فإنا نقول : يقطع بذلك ويؤول توقعه في استدامة الوجوب إلى توقع الاحترام والبقاء . [ ص: 86 ]

                                                      وقال ابن برهان في الأوسط " : الواحد منا يعلم كونه مأمورا على الحقيقة هذا مذهب كافة الأصوليين والفقهاء ، ونقل عن أبي هاشم أنه قد لا يعلم ذلك وهو ينبني على تكليف العاجز هل يجوز أم لا ؟ فعندنا أنه جائز ، وعندهم لا يجوز ، وأبو هاشم بناه على هذا الأصل ، فإن سلم له ، فالحق ما قاله وإن أبطل بطل مذهبه .

                                                      واستدل القاضي بأن الواحد منا يجب عليه الشروع في العبادة المأمور بها والتقرب بها بالإجماع ، وهو يدل على علمه بكونه مأمورا بها ، وإلا لما وجب عليه .

                                                      وشبهة أبي هاشم : أن الاستطاعة مع الأمر ، وهي غير معلومة لنا فلا يكون المأمور عالما ا هـ .

                                                      وأما أبو نصر بن القشيري ، فقال : الأصح عندنا أنه لا يشترط في المكتسب .

                                                      علم المكتسب به خلافا لبعض الأصحاب ، وإنما الشرط كون المقدور مما يصح العلم به .

                                                      قال : واختلفوا متى يصح علم المكلف بأنه مأمور بالفعل ؟ فقال أصحابنا : إذا اتصل الخطاب به ، ولا مانع من الامتثال علم أنه مأمور بالأمر الوارد عليه ، فيقطع به لكن يفتقر كونه مأمورا إلى الثاني والثالث من الأوقات بشرط وفاء شرائط التكليف .

                                                      وقالت المعتزلة : لا يعلم ذلك في أول وقت توجه الخطأ عليه ما لم يمض زمن الإمكان حتى لو اشتغل بالامتثال في الحال لم يعرف الوجوب أيضا ما لم يمض زمن يتصور فيه الامتثال ، وعمدتهم أنه غير عالم ببقاء الإمكان له إلى انقراض زمان يمتنع الفعل المأمور به والإمكان شرط التكليف ، [ ص: 87 ] والجاهل بوقوع الشرط جاهل بوقوع المشروط لا محالة ، وتمسك القاضي بإجماع المسلمين على توجه الأمر إلى المكلف ، والنهي عن المحرمات وقولهم : يفضي إلى أنه ليس يعلم أحد على بسيط الأرض أنه ينهى عن القتل والزنا ، وكما لا يعلم من نفسه لا يعلم غيره منه .

                                                      ومال الإمام إلى قول المعتزلة ، وقال : تشغيب القاضي بالإجماع تهويل بلا تحصيل ، فإن إطلاقات الشرع لا تعرض على مأخذ الحقائق بل تحمل على حكم العرف والتفاهم الظاهر كالإجماع على أن الخمر محرم ، وإنما المحرم تعاطيها .

                                                      تنبيهات [ التنبيه ] الأول

                                                      المراد بالعلم المختلف فيه : القطعي أي : أنه هل يقطع بكونه مكلفا قبل زمن الامتثال ؟ كما صرح به القاضي وإمام الحرمين وابن القشيري وابن برهان ، ونبه على أن أبا هاشم لا يخالف في الظن ، فإن الشروع في الفعل لا يشترط فيه القطع بل تكفي غلبة الظن مهما بادر واستمر في حياته إلى الفراغ . [ التنبيه ] الثاني

                                                      أن الخلاف فيما إذا كان الآمر عالما بأنه لا يبقى إلى وقت التمكن من الامتثال ، فإن كان يعلم بقاءه فلا خلاف أن المأمور يعلم ذلك أيضا [ ص: 88 ]

                                                      [ التنبيه ] الثالث .

                                                      أن الخلاف بالنسبة إلى الآحاد لا في حق الجنس ، فقد وافق أبو هاشم على أنهم مأمورون ، لأن الشرط وهو الاستطاعة معلوم هنا قطعا ، لعلمنا بأن الله تعالى لا يعم الكل بالهلاك كذا نقله ابن برهان .

                                                      وفرض الإمام الخلاف فيما إذا خص بالخطاب واحدا وكان مندرجا مع آخر تحت عموم الخطاب ، وهو في حالة اتصال الخطاب به مستجمع شرائط التكليف . ولم يقف الصفي الهندي على ما ذكرنا ، فقال بعد ذكر الخلاف : هذا إذا كان الأمر خاصا ، فإن كان عاما ولم يعلم انقراض الجميع بل بعضهم فأظن أنه لا خلاف فيه ، إذ أكثر أوامر الله كذلك ، فإن بعض المكلفين يموت قبل التمكن ، وكلام بعضهم يشعر بخلاف فيه أيضا . انتهى .

                                                      مسألة [ هل يشترط في التكليف علم المكلف ]

                                                      قيل : لا يشترط في التكليف علم المكلف بل يشترط تمكنه من العلم . وحكى بعضهم في حكم الخطاب هل يثبت في حق المكلف قبل أن يبلغه ثلاثة أقوال : ثالثها : يثبت المبتدأ دون الناسخ ، قال : والمرجع أنه لا يثبت إلا بعد البلاغ ، لقوله تعالى : { لأنذركم به ومن بلغ } ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، الصحابة باستدراك ما فعلوه على خلاف الأمر حيث جهلوه كما لم يأمر المشمت العاطس في الصلاة والمصلي إلى قبلة بيت المقدس وغيره .

                                                      [ ص: 89 ] الرابع من التنبيهات

                                                      سبق عن إلكيا أن الخلاف لفظي ، فإن أبا هاشم لا يمنع الإقدام لكن أبا هاشم بناه على مأخذ له كلامي ، وهو أن الأمر تلازمه الإرادة ، فإن كان يعلم انتقاء الشرط لم يتصور أن يكون مريدا للفعل المعلق طلبه على شرط ، ونحن نخالفهم في الأصل ، فلهذا خالفناه في الفرع .

                                                      وحاصل الخلاف : يرجع إلى أن التمكن من الامتثال هل هو شرط في توجه الخطاب أو شرط في إيقاع الفعل المكلف به وحصوله ؟ فهم يقولون : إن المكلف إذا دخل عليه رمضان أو وقت الصلاة فإنه يجب عليه الشروع في العبادة لا على أنه يقطع بأنه يكون متمكنا منه ، فإن القطع بذلك يقتضي القطع ببقائه بكونه وهو متعذر لإمكان الموت بل بناء على الظن الغالب ، فإن الأصل بقاء الحياة واستمرار القدرة ، فلو مات قبل إتمام العبادة تبين أنها لم تكن واجبة عليه ، وأما على رأينا فإنه يدل على عدم الأمر بل يدل على عدم لزوم الإتمام .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية