الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

حاشية الدسوقي على الشرح الكبير

الدسوقي - محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي

صفحة جزء
( وإن صالح أحد ولدين ) مثلا ( وارثين ) شخصا خليطا لأبيهما ادعى عليه هذا الوارث المصالح لمال لأبيهما وثبت ببينة أو إقرار بل ( وإن ) كان الصلح ( عن إنكار ) من المدعى عليه ( فلصاحبه ) الذي لم يصالح ( الدخول ) معه فيما صالح به عن نصيبه وله ترك الدخول معه ويطالب بجميع نصيبه أو بعضه أو يصالح كما صالح أخوه أو بأقل أو أكثر أو بتركه له فإن أبى المدعى عليه أن يدفع له شيئا ولا بينة فليس له عليه إلا اليمين ( كحق ) ثابت ( لهما ) أي مشترك بين رجلين مثلا فالضمير عائد على ما تقدم باعتبار العدد لا باعتبار الوصف بالولدية والإرثية كتب ذلك الحق ( في كتاب أو ) أي وثيقة ( أو مطلق ) بأن لم يكتب في كتاب أقرضاه أو باعا به سلعة أو دفعا فيه رأس سلم أو نحو ذلك فإن من قبض شيئا منه فللآخر الدخول معه فيه ( إلا الطعام ) والإدام من بيع ( ففيه تردد ) ظاهر كلامه أنه إذا صالح أحد الشريكين فللآخر الدخول معه إلا في الطعام ففي دخوله معه تردد وليس بمراد وإنما مراده أن ينبه على أنه في المدونة استثنى الطعام والإدام لما تكلم على هذه المسألة بقوله غير الطعام والإدام فتردد المتأخرون في وجه استثنائه فقال ابن أبي زمنين إنه مستثنى من آخر المسألة وهو جواز إذن أحد الشريكين لصاحبه في اقتضاء نصيبه مقاسمة والمقاسمة في الطعام كبيعه قبل استيفائه فيلزم عليه بيع طعام المعاوضة قبل قبضه وهذا مبني على أن القسمة بيع والمعتمد أنها تمييز حق كما يأتي للمصنف في باب القسمة وقال عبد الحق وأبو عمران [ ص: 322 ] إنه مستثنى من أول المسألة وهو جواز مصالحة أحد الشريكين عن حصته ; لأن المصالحة عن طعام البيع بيع له قبل قبضه إلا أن هذا مستفاد من قول المصنف : الصلح على غير المدعي بيع ومن قوله وجاز عن دين بما يباع به فلو ترك قوله إلا الطعام إلخ لكان أحسن فتحصل أن التردد في فهم مرجع الاستثناء هل هو أول الكلام وهو أن صلح أحد الشريكين عن نصيبه جائز إلا الطعام والإدام من بيع فلا يجوز أو هو آخر الكلام وهو جواز إذن أحد الشريكين لصاحبه في الخروج لاقتضاء نصيبه إلا الطعام والإدام من بيع فلا يجوز الإذن له في ذلك بل لا بد من خروجه معه أو توكيله ; لأن إذنه له في ذلك مقاسمة والمقاسمة بيع وبيع الطعام قبل قبضه ممنوع واستثنى من قوله فلصاحبه الدخول قوله ( إلا أن يشخص ) بفتح التحتية والخاء المعجمة أي يخرج بشخصه أي ذاته يقال شخص يشخص من باب علم أو ضرب إذا خرج شاخصا أي مسافرا والمعنى أن له الدخول مع صاحبه إلا أن يكون المدين ببلد غير بلد أرباب الدين فيسافر له بذاته لاقتضاء نصيبه ( ويعذر إليه ) أي إلى شريكه الذي لم يشخص أي يقطع عذره وحجته عند حاكم أو بينة ( في الخروج ) معه لاقتضاء نصيبه ( أو الوكالة ) له أو لغيره في اقتضاء نصيبه ( فيمتنع ) من ذلك فلا دخول لصاحبه معه فيما اقتضاه ; لأن امتناعه من ذلك دليل على رضاه باتباع ذمة الغريم الغائب ( وإن لم يكن ) عند المدين ( غير المقتضى ) منه وغير بالرفع ويكن تامة أي يوجد والمبالغة في مقدر تقديره فلا يدخل معه صاحبه فيما قبضه الشاخص فلو كان الغريم حاضرا أو خرج بلا إعذار دخل معه كما مر ( أو ) إلا أن ( يكون ) الحق المشترك بينهما ( بكتابين ) كتب كل منهما نصيبه في وثيقة على حدته فما اقتضاه أحدهما لا دخول للآخر معه ; لأنهما صارا كدينين مستقلين ( وفيما ليس ) مشتركا ( لهما ) أي بينهما بل كل منهما له شيء خاص به واتحدت السلعتان جنسا وصفة كثوبين أو عبدين أو صاعين وباعهما بثمن واحد في صفقة وإن اختلف قدر كل ( وكتب ) الثمن ( في كتاب ) واحد [ ص: 323 ] ( قولان ) في دخول أحدهما مع الآخر فيما قبضه بناء على أن الكتبة الواحدة تجمع ما كان متفرقا وعدم الدخول بناء على عدم الجمع فإن باع كل بانفراده أو اختلف جنس المبيع أو صفته كقمح وشعير أو باع كل سلعته منفردة لم يدخل أحدهما فيما قبضه الآخر اتفاقا مطلقا ( ولا رجوع ) لأحد الشريكين على الآخر فيما قبضه من الغريم ( إن اختار ما على الغريم ) مسلما لصاحبه فيما اقتضاه ( وإن هلك ) الغريم أو ما بيده من المال ; لأن اختياره ما على الغريم كالمقاسمة ولا رجوع له بعدها ( وإن صالح ) أحد الشريكين في مائة على غريم بكتابة أو لا ( على عشرة من خمسينه ) أي بدلها وقبضا ( فللآخر ) الذي لم يصالح ( إسلامها ) أي العشرة المصالح بها للمصالح ويتبع غريمه بخمسينه ( أو أخذ خمسة من شريكه ) المصالح ( ويرجع ) على الغريم ( بخمسة وأربعين ) تمام خمسينه ( ويأخذ الآخر ) أي المصالح من الغريم ( خمسة ) أي يرجع بها عليه ; لأنها بمثابة المستحقة وهذا في الصلح على إقرار وأما على إنكار فيأخذ شريكه من المصالح خمسة من العشرة ولا رجوع له ولا لشريكه على الغريم بشيء ; لأن الصلح على الإنكار ليس فيه شيء معين يرجع به

التالي السابق


( قوله وإن صالح أحد ولدين إلخ ) حاصله أن أحد الوارثين سواء كانا ولدين أو أخوين أو عمين أو غير ذلك إذا ادعى بمال على شخص مخالط لمورثه من تجارة أو وديعة فأقر بذلك أو أنكره وصالحه عليه فإن للوارث الآخر أن يدخل مع صاحبه فيما صالح به عن نصيبه سواء كان ذهبا أو فضة أو عرضا وله أن لا يدخل معه ويطالب بحصته كلها في حالة الإقرار وله تركها كلها وله المصالحة بأقل منها وأما في حالة الإنكار فإما أن يكون له بينة أو لا فإن كان له بينة أقامها وأخذ حقه أو تركه أو صالح بما يراه صوابا وإن لم يكن له بينة فليس على غريمه إلا اليمين .

( قوله : فلصاحبه الدخول معه ) ثم إن كان الصلح عن إقرار رجع غير المصالح على الغريم بما بقي له من حقه ورجع المصالح على الغريم بما أخذه منه صاحبه كما يأتي للمصنف وقال ابن يونس ما بقي على الغريم بعد صلح أحدهما يكون بينهما كما في المواق ووجهه كما قال المسناوي أن الصلح لازم للأول ولما شارك رب الدين الآخر في ما اقتضاه شاركه هو في حصته وإن كان الصلح عن إنكار ودخل غير المصالح مع المصالح فيما صالح به فلا رجوع للمصالح ولا لشريكه على الغريم به لأن الصلح لقطع النزاع ورجوع المصالح عليه بما أخذ منه فتح لباب النزاع خلافا لعبق حيث قال يرجع المصالح على الغريم بما أخذه منه صاحبه ولا رجوع لصاحبه على الغريم ولا على المصالح بما رجع به على الغريم .

( قوله : أي مشترك بينهما ) أشار الشارح إلى أن اللام في قول المصنف لهما بمعنى بين فموضوع الكلام هنا في الحق المشترك وأما إذا كان لكل منهما حق وكان الحقان على شخص واحد كزيد ولا اشتراك بينهما وكتب الحقان في كتاب واحد فسيأتي المصنف يتكلم عليه ويذكر فيه قولين .

( قوله : إلا الطعام ففيه تردد ) حاصله أن المدونة قالت وإن صالح أحد شريكين فللآخر الدخول معه إلا أن يشخص بعد الإعذار إلا الطعام فصدر الكلام قوله فللآخر الدخول معه وعجزه قوله إلا أن يشخص بعد الإعذار فاختلف شراحها في قولها إلا الطعام هل هو مستثنى مما يفهم من آخر الكلام أو مما يفهم من أوله على ما ذكر الشارح .

( قوله : على هذه المسألة ) أي مسألة ما إذا كان لشريكين حق على ثالث في كتاب أو مطلق واقتضى أحدهما شيئا فللآخر الدخول معه .

( قوله : من آخر المسألة ) أي مما يفهم من آخرها وهو قوله إلا أن يشخص بعد الإعذار أي فليس للحاضر أن يدخل مع الشاخص ويفهم من هذا أنه يجوز لأحد الشريكين أن يسافر ليقبض ما يخصه منه بإذن شريكه إلا الطعام فلا يجوز له أن يسافر لقبض ما يخصه منه بإذن شريكه لأن ذلك قسمة للطعام والقسمة بيع وحينئذ فيلزم بيع الطعام قبل قبضه .

( قوله : كما يأتي للمصنف ) أي وعلى هذا فيجوز لأحد الشريكين أن يسافر بإذن شريكه لأخذ ما يخصه من الطعام [ ص: 322 ]

( قوله : إنه مستثنى من أول المسألة ) أي مما يفهم من أولها وذلك لأن قوله وإن صالح أحد الشريكين فللآخر الدخول معه يفهم منه أنه يجوز لأحد الشريكين أن يصالح عن حصته بغير إذن شريكه في كل شيء فاستثنى من ذلك الطعام فلا يجوز لأحدهما أن يصالح فيه عن حصته بدون إذن شريكه لأنه إذا صالح عن حصته يلزم عليه بيع الطعام قبل قبضه لأن الصلح بغير المدعى به بيع كما مر فقد علمت أن التردد إنما هو في وجه الاستثناء للطعام لا في الدخول فيه وعدم الدخول فيه إذ الدخول فيه ثابت باتفاق فالخلاف لفظي في وجه الاستثناء وأن الحكم وهو عدم جواز السفر لقبض ما يخص أحدهما من الطعام بإذن الآخر متفق عليه بناء على أن القسمة بيع كما أن عدم جواز صلح أحدهما في الطعام باتفاق أي من المتأولين ا هـ تقرير عدوي .

( قوله : إلا أن يشخص إلخ ) الحق كما قال عج إن المدار على الإعذار ولو لم يكن سفر بأن كان المدين حاضرا ببلدهما ا هـ عدوي ، ونحوه قول أبي الحسن فصل في المدونة بالغائب وسكت عن الحاضر وهو مثله في الإعذار ا هـ بن .

( قوله : فيسافر له بذاته ) أي فيسافر له أحدهم بذاته .

( قوله ويعذر إليه في الخروج ) أي بأن يطلبه عند الحاكم أو بحضور بينة ليخرج معه ليقبض حصته أو يوكله أو يوكل من يسافر معه بقبض حصته فيمتنع من ذلك فإذا أعذر إليه وامتنع وسافر للغريم وقبض منه شيئا فلا دخول له مع الشاخص فيما اقتضاه لأن امتناعه من الشخوص معه ومن التوكيل دليل على عدم رضاه بالدخول معه فيما اقتضاه واتباع ذمة الغريم .

( قوله : وإن لم يكن إلخ ) أي فإن أشخص أحدهما بعد الإعذار لصاحبه فلا دخول لصاحبه معه فيما اقتضاه ولو لم يوجد بيد الغريم غير ما اقتضاه الشاخص .

( قوله : فلو كان الغريم حاضرا إلخ ) هذا مبني على ما قاله تت من أن عدم الدخول مقيد بقيدين الإشخاص والإعذار لصاحبه فيمتنع وحاصله أن الغريم إذا كان غائبا فخرج إليه أحد الشريكين بعد الإعذار لصاحبه وامتناعه فلا يدخل معه صاحبه فيما اقتضاه وأما إن كان الغريم حاضرا سواء حصل إعذار أولا أو كان غائبا وأشخص إليه من غير إعذار فإنه يدخل معه في هذه الصور الثلاث وأما على ما قاله عج من أن المدار على الإعذار فإن كان الغريم حاضرا وأولى غائبا وأعذر أحد الشريكين لصاحبه وامتنع فلا يدخل معه فيما اقتضاه وإن خرج من غير إعذار كان الغريم حاضرا أو غائبا فإنه يدخل معه في هاتين الصورتين فالخلاف في صورة وهي ما إذا كان الغريم حاضرا وأعذر في الخروج فلا يدخل معه على كلام عج وهو المعتمد ويدخل معه على ما قاله تت وتبعه الشارح .

( قوله : أو يكون إلخ ) عطف على يشخص كما أشار له الشارح .

( قوله كدينين ) أي لأن الكتابين يفرقان ما كان أصله مجتمعا لأنه كالمقاسمة .

( قوله : وفيما ليس مشتركا ) أي وفي الدين الذي ليس أصله مشتركا بينهما .

( قوله : وباعهما معا بثمن واحد ) أي بعد تقويمهما للسلعتين ومعرفة قيمتهما واتفاقهما على بيعهما صفقة وأنهما يوزعان الثمن على القيمتين .

( قوله : وإن اختلف قدر كل ) يحتمل أن المراد وإن اختلف قدر ما لكل من المتبايعين وذلك كما لو كان لأحدهما ثوب [ ص: 323 ] وللآخر ثوبان فباعهما صفقة بثمن واحد ويحتمل أن المراد وإن اختلف قدر ما لكل من السلعتين من الثمن لاختلافهما في القيمة .

( قوله : قولان ) المعتمد منهما دخول أحدهما مع الآخر فيما قبضه .

( قوله : أو اختلف إلخ ) هذا ضعيف والمعتمد أن المدار في موضوع الخلاف على بيعهما بثمن واحد في عقد واحد سواء اتفقا في الجنس والصفة أو اختلفا فيهما أو في القدر والحال أن الثمن كتب في كتاب واحد ا هـ عدوي .

( قوله : أو الثمن ) أي أو اختلفا في الثمن بأن بيع العبدان في صفقة واحدة لكن سمى المشتري لهذا خمسين وللآخر أربعين ( قوله أو باع كل سلعته منفردة ) الأولى حذفه لإغناء قوله فلو باع كلا بانفراده عنه .

( قوله : مطلقا ) أي كتب ما لكل في كتاب على حدة أو كتب ما لهما في كتاب واحد .

( قوله لأحد الشريكين ) أي الذي له الدخول على شريكه فيما اقتضاه من الغريم فلم يدخل معه واختار اتباع الغريم بجميع حقه .

( قوله : في مائة ) أصلها كان شركة بينهما وقوله بكتاب أي سواء كانت مكتوبة بكتاب أو لا .

( قوله : على إقرار ) أي حقيقة أو حكما كما إذا أنكرها المدعى عليه وقامت عليه بها بينة .

( قوله ولا رجوع له ) أي خلافا لما في عبق من رجوعه على الغريم بالخمسة المدفوعة لشريكه وذلك لأن الصلح لقطع النزاع ورجوعه على الغريم بما أخذ منه فتح لباب النزاع ا هـ عدوي وما ذكره الشارح من عدم رجوع شريكه في الغريم نحوه في عبق وخش وفيه نظر إذ الفرض أن شريكه لم يصالح فالظاهر أن له أن يطالب الغريم حتى يحلف أو يؤدي أو يصالح ا هـ بن




الخدمات العلمية