الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

حاشية الدسوقي على الشرح الكبير

الدسوقي - محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي

صفحة جزء
( ومن أعسر ) منهم [ ص: 515 ] ( فعليه ) في ذمته ( إن لم يعلموا ) بالطارئ فإن علموا به واقتسموا التركة كانوا متعدين فيؤخذ المليء عن المعدم والحاضر عن الغائب والحي عن الميت هذا تقريره على ظاهره والمعتمد نقض القسمة مطلقا ولو كان المقسوم عينا أو مثليا علموا أم لا فحق قوله والمقسوم كدار إلخ أن يتأخر عن المسائل الأربعة الآتية ، وهي طرو غريم أو وارث أو موصى له على مثله أو موصى له بجزء على وارث بأن يقول عقب قوله على وارث ما نصه نقضت القسمة إن كان المقسوم كدار فإن كان عينا أو مثليا اتبع كل بحصته فلعل ناسخ المبيضة خرجه في غير محله قاله الطخيخي وغيره ( وإن دفع جميع الورثة ) للغريم ماله من الدين ( مضت ) القسمة ولا تنقض لاستيفائه حقه فإن امتنعوا أو بعضهم نقضت ; لأن الدين مقدم على الإرث كما علم مما تقدم ( كبيعهم ) التركة ( بلا غبن ) بل بثمن المثل فإنه يمضي ولا ينقض ولا مقال للغريم الطارئ فإن باعوا بغبن ضمن البائع ما حابى فيه ولا يرجع الغريم به على المشتري الراجح فلا مفهوم لقوله بلا غبن إذ بيعهم ماض مطلقا ، إذا فات المبيع أو لم يفت ودفعوا للغريم ما حابوا به وإلا فلهم نقضه ( واستوفى ) الطارئ ( مما وجد ) من التركة بيد بعضهم لم يهلك ولم يبعه ( ثم ) إذا استوفى مما وجده قائما بيد بعضهم ( تراجعوا ) أي يرجع المأخوذ منه على غيره ( ومن أعسر ) ممن لم يؤد ( فعليه ) غرم حصته في ذمته لمن أدى للطارئ ولا يؤخذ مليء عن معدم ولا حي عن ميت [ ص: 516 ] ( إن لم يعلموا ) بالطارئ وإلا أخذ المليء عن المعدم والحاضر عن الغائب لتعديهم ( وإن طرأ غريم ) على مثله ( أو ) طرأ ( وارث ) على مثله ( أو ) طرأ ( موصى له على مثله أو ) طرأ ( موصى له بجزء ) أي نصيب ( على وارث اتبع كلا ) من المطرو عليه ( بحصته ) ولا تنتقض القسمة ولا يأخذ مليا عن معدم علم المطرو عليه بالطارئ أم لا ، وهذا إذا كان المقسوم مثليا أو عينا ، فإن كان مقوما كدار نقضت القسمة لما يدخل عليه من الضرر بتبعيض حقه وقد تقدم التنبيه على ذلك ( وأخرت ) قسمة التركة ( لا دين ) فلا يؤخر قضاؤه ( لحمل ) أي لوضعه

التالي السابق


( قوله فعليه ) أي فيرجع الطارئ عليه بما يخصه في ذمته ولا يأخذ مليا عن معدم ( قوله والمعتمد إلخ ) أي ، وهو ظاهر ابن الحاجب وابن شاس وصرح به ابن رشد في سماع يحيى ونصه واختلف إذا طرأ على التركة دين أو وصية بعدد بعد اقتسام الورثة التركة من دنانير أو دراهم أو عروض أو طعام أو حيوان أو عقار على خمسة أقوال ثم قال والثاني أن القسمة تنقض فيكون ما هلك أو نقص أو نما من جميعهم إلا أن يتفق جميعهم من عدم نقضها ويخرجوا الدين والوصية من أموالهم ويفدوها فذلك لهم ، وهو المشهور من مذهب ابن القاسم المنصوص له في المدونة ا هـ .

ومعنى كون ما هلك أو نقص من جميعهم أنه إذا هلك ما بيد أحدهم كلا أو بعضا بسماوي ثم نقضت القسمة لطرو الدين فضمان ما تلف من جميعهم لا ممن كان بيده ; لأن القسم بينهم كان باطلا للدين فإن فضل من باقي التركة شيء بعد الدين كان لمن تلف قسمه الدخول مع الورثة فيما فضل ، وأما ما هلك بيد أحدهم بفعله فلهم تضمينه ا هـ .

وفي ح أن ما ذكره المصنف من التفصيل صرح به في اللباب وذكره ابن عرفة ونقله اللخمي وابن رشد أيضا انظر بن تجد نص ابن عرفة واللباب فيه ( قوله ، وإن دفع إلخ ) هذا كالاستثناء من الفسخ في قوله كطرو غريم على وارث إلخ ( قوله جميع الورثة ) أي أو أجنبي فيما يظهر ا هـ .

عبق وقوله للغريم أي أو للموصى له بالعدد ( قوله مضت القسمة ) أي فيما إذا كان المقسوم عقارا على ظاهر المصنف ومطلقا على المعتمد ( قوله ولا تنقض ) ظاهره سواء قسموا غير عالمين بالغريم أو عالمين به ، وهو كذلك خلافا لما في كتاب محمد عن مالك من عدم صحة القسمة إذا قسموا عالمين بالغريم .

ولو دفعوا ما له من الدين بعد القسم ( قوله فإن امتنعوا أو بعضهم نقضت ) الحاصل أنه إذا دفع جميعهم أو بعضهم برضا الباقين أو مع إبايتهم ولم يقصد الدافع الرجوع بشيء على من أبى فإن القسمة تمضي في هذه الصور الثلاث ، وإن لم يدفع أحد منهم للطارئ أو دفع بعضهم مع إباية باقيهم وأراد الدافع الرجوع بما دفعه عليهم فإنها تنقض في هاتين الصورتين ( قوله كبيعهم إلخ ) يعني إذا باع الورثة التركة بلا محاباة بل بثمن المثل فإن بيعهم يكون ماضيا فإذا طرأ الغريم بعد بيعهم فليس له نقضه وسواء كان البيع بعد القسم أو قبله وكذا يمضي ما اشتراه الورثة من التركة وحوسبوا به في ميراثهم وظاهره مضي البيع .

ولو كانت السلعة قائمة بيد المشتري ولو كانت الورثة معدمين بالثمن ، وهو كذلك إذ لا مطالبة على المشتري ومحل مضي البيع حيث لم يعلم الورثة بالدين حين البيع أما لو علموا به فباعوا فللغرماء نقض البيع وانتزاع المبيع ممن هو بيده كما قاله في كتاب الدين من المدونة انظر بن ( قوله مطلقا ) أي ولو بمحاباة وقوله إذا فات إلخ قيد في مضيه إذا كان بمحاباة وقوله وإلا فلهم أي للغرماء نقضه قياسا على الوكيل يبيع بمحاباة فإنه ماض إذا فات ويغرم المحاباة وللموكل رده إن كان المبيع قائما ولم يدفع للموكل ما حابى به وما اقتضاه كلامه من أن البيع إذا كان بمحاباة للغرماء رده مع القيام ويمضي مع الفوات فيه نظر كما قال بن بل البيع ماض مطلقا ولو مع القيام ; لأن المحاباة التي وقع البيع بها كالهبة من الوارث وهبته لا ترد واختلف هل يضمن الواهب في هذه المسألة فقال ابن حبيب : يضمن فيدفع للغريم ولا يرجع على الموهوب له ، وهو المشتري وذهب أشهب وسحنون إلى أنه لا يضمن فيرجع الغريم على الموهوب له بالمحاباة وعلى كل حال لا ينقض البيع انظر بن وما تقدم من قياس الوارث البائع بمحاباة على الوكيل بالمحاباة فهو قياس مع الفارق فإن الورثة باعوا ما هو في ملكهم في اعتقادهم بخلاف الوكيل .

( قوله واستوفى إلخ ) .

حاصله أنه إذا طرأ غريم [ ص: 516 ] أو موصى له بعدد على الورثة فوجد بعضهم استهلك ما أخذه بالقسمة وبعضهم لم يستهلك أو بعضهم باع حصته وبعضهم لم يبع فإنه يستوفي حقه ممن وجد بيده شيئا من التركة قائما ; لأنه لا إرث إلا بعد وفاء الدين وإذا استوفى الغريم من ذلك الموجود فإن الورثة يتراجعون بعد ذلك كما قال المصنف ( قوله إن لم يعلموا ) أي قبل القسمة بالطارئ وإلا أخذ إلخ ، كذا قرره الطخيخي وهو مشكل ; لأنه إذا كان من أخذ منه الطارئ عالما فكيف يقال إنه يأخذ المليء العالم عن المعدم مع مساواته له في العلم ، والذي ينبغي أن يقال إن التراجع هنا كالحمالة فإن لم يعلموا بذلك الطارئ قبل القسمة وأخذ الطارئ حقه مما وجده قائما بيد أحدهم فإن المأخوذ منه يرجع على كل واحد بحصته ولا يأخذ أحدا عن أحد ، وإن كانوا عالمين بذلك الطارئ قبل القسمة وأخذ حقه مما وجده بيد أحدهم فإن المأخوذ منه يأخذ من المليء العالم حصته ويشاركه فيها على المعسر ولأجل هذا الإشكال قرر بعضهم ، وهو جد عج أن قول المصنف إن لم يعلموا ليس شرطا فيما قبله وإنما هو راجع لصدر الكلام أعني قوله كبيعهم بلا غبن أي كما يمضي بيعهم بلا غبن إن لم يعلموا فإن علموا كان للغريم نقضه كما مر عن المدونة وقوله إن لم يعلموا أي بأن عليه دينا وأنه يقدم على الإرث فعلمهم بالدين مع جهلهم تقدمه على الإرث كعدم علمهم ونحوه لابن عاشر وارتضاه المسناوي لكن في تأخير إن لم يعلموا تشويش فلعله من مخرج المبيضة ( قوله بتبعيض حقه ) أي أخذ بعض حقه من قسم شخص والبعض الآخر من قسم شخص آخر ( قوله لا دين ) بالرفع عطفا على الضمير المستتر في أخرت من غير فاصل وفي قوله لا دين على ابن أيمن القائل بتأخير قضاء الدين للوضع ووجهه بعضهم بأن ثبوت الدين يتوقف على الإعذار لجميع الورثة ويقوم مقام الصغير وصية وإنما يقام عليه بعد وضعه ، ورده ح بأن إقامة الوصي عليه لا تتوقف على الوضع بل تصح على الحمل ( قوله فلا يؤخر قضاؤه ) أي بل يقضى عاجلا لحلوله بالموت




الخدمات العلمية