الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  417 ( ورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال : القبر القبر ! ولم يأمره بالإعادة ) .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  هذا التعليق رواه وكيع بن الجراح في مصنفه فيما حكاه ابن حزم عن سفيان بن سعيد عن حميد عن أنس قال : رآني عمر رضي الله تعالى عنه أصلي إلى قبر ، فنهاني فقال : القبر أمامك . قال : وعن معمر عن ثابت عن أنس قال : رآني عمر أصلي عند قبر فقال لي : القبر ، لا تصل إليه . قال ثابت : فكان أنس يأخذ بيدي إذا أراد أن يصلي فيتنحى عن القبور . ورواه أبو نعيم شيخ البخاري عن حريث بن السائب قال : سمعت الحسن يقول : بينا أنس رضي الله تعالى عنه يصلي إلى قبر فناداه عمر : القبر القبر ، وظن أنه يعني القمر ، فلما رأى أنه يعني القبر تقدم وصلى وجاز القبر .

                                                                                                                                                                                  قوله ( القبر القبر ) منصوب على التحذير ، يجب حذف عامله وهو اتق أو اجتنب ، وفي بعض الرواية بهمزة الاستفهام ؛ أي : أتصلي عند القبر ؟

                                                                                                                                                                                  قوله ( ولم يأمره بالإعادة ) ؛ [ ص: 173 ] أي : لم يأمر عمر أنسا بإعادة صلاته تلك ، فدل على أنه يجوز ولكن يكره .

                                                                                                                                                                                  واعلم أن العلماء اختلفوا في جواز الصلاة على المقبرة ؛ فذهب أحمد إلى تحريم الصلاة في المقبرة ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها ولا بين أن يفرش عليها شيء يقيه من النجاسة أم لا ولا بين أن تكون بين القبور أو في مكان منفرد عنها كالبيت والعلو ، وقال أبو ثور : لا يصلى في حمام ولا مقبرة على ظاهر الحديث ؛ يعني قوله صلى الله عليه وسلم : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام . وذهب الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي إلى كراهة الصلاة في المقبرة ، وفرق الشافعي بين المقبرة المنبوشة وغيرها فقال : إذا كانت مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة ، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته صلاته . وقال الرافعي : أما المقبرة فالصلاة فيها مكروهة بكل حال ، ولم ير مالك بالصلاة في المقبرة بأسا ، وحكى أبو مصعب عن مالك كراهة الصلاة في المقبرة كقول الجمهور ، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الصلاة في المقبرة سواء كانت مقابر المسلمين أو الكفار ، وحكى ابن حزم عن خمسة من الصحابة النهي عن ذلك وهم عمر وعلي وأبو هريرة وأنس وابن عباس رضي الله تعالى عنهم ، وقال : ما نعلم لهم مخالفا من الصحابة . وحكاه عن جماعة من التابعين إبراهيم النخعي ونافع بن جبير بن مطعم وطاوس وعمرو بن دينار وخيثمة وغيرهم . قلت : قوله : " لا نعلم لهم مخالفا من الصحابة " معارض بما حكاه الخطابي في معالم السنن عن عبد الله بن عمر أنه رخص في الصلاة في المقبرة ، وحكي أيضا عن الحسن البصري أنه صلى في المقبرة ، وفي شرح الترمذي حكى أصحابنا اختلافا في الحكمة في النهي عن الصلاة في المقبرة فقيل : المعنى فيه ما تحت مصلاه من النجاسة . وقد قال الرافعي : لو فرش في المجزرة والمزبلة شيئا وصلى عليه صحت صلاته وبقيت الكراهية لكونه مصليا على نجاسة وإن كان بينهما حائل . وقال القاضي حسين : إنه لا كراهة مع الفرش على النجاسة مطلقا . وحكى ابن الرفعة في الكفاية أن الذي دل عليه كلام القاضي أن الكراهة لحرمة الموتى ، وعلى كل تقدير من هذين المعنيين فينبغي أن تقيد الكراهة بما إذا حاذى الميت ، أما إذا وقف بين القبور بحيث لا يكون تحته ميت ولا نجاسة فلا كراهة ، إلا أن ابن الرفعة بعد أن حكى المعنيين السابقين قال : لا فرق في الكراهة بين أن يصلي على القبر أو بجانبه أو إليه . قال : ومنه يؤخذ أنه تكره الصلاة بجانب النجاسة وخلفها .



                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية