الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 6104 56 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً ، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً ، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ . عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ : " فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ " إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَوْ تَحَقَّقَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمَا قَطَعَ رَجَاءَهُ أَصْلًا ، وَلَوْ تَحَقَّقَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعَذَابِ لَمَا تَرَكَ الْخَوْفَ أَصْلًا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَلَا يَكُونُ مُفْرِطًا فِي الرَّجَاءِ بِحَيْثُ يَصِيرُ مِنَ الْمُرْجِئَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ ، وَلَا فِي الْخَوْفِ بِحَيْثُ يَكُونُ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِتَخْلِيدِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ إِذَا مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فِي النَّارِ ، بَلْ يَكُونُ وَسَطًا بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ قَوْلُهُ : " قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ " فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ لَمْ يَذْكُرِ ابْنَ سَعِيدٍ . قَوْلُهُ : " وَعَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو " بِالْوَاوِ فِيهِمَا ، مَوْلَى الْمُطَّلِبِ وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، وَشَيْخُهُ تَابِعِيٌّ وَسَطٌ ، وَكِلَاهُمَا مَدْنِيَّانِ . وَالْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِهِ ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْأَدَبِ فِي بَابِ جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ ، مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ " جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ " . قَوْلُهُ : " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ " أَيِ : الرَّحْمَةَ الَّتِي جَعَلَهَا فِي عِبَادِهِ ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ ، وَأَمَّا الرَّحْمَةُ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ فَهِيَ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَوْلُهُ : " مِائَةَ رَحْمَةٍ " أَيْ : مِائَةَ نَوْعٍ مِنَ الرَّحْمَةِ ، أَوْ مِائَةَ جُزْءٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْأَدَبِ . قَوْلُهُ : " فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ " وَيُرْوَى " كُلِّهِ " قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ . قَوْلُهُ : " فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ " هَكَذَا ثَبَتَ فِي هَذَا الطَّرِيقِ بِالْفَاءِ إِشَارَةً إِلَى تَرَتُّبِ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا ، وَمِنْ ثَمَّ قَدَّمَ ذِكْرَ الْكَافِرِ لِأَنَّ كَثْرَةَ الرَّحْمَةِ وَسَعَتَهَا تَقْتَضِي أَنْ يُطْمِعَهَا كُلَّ أَحَدٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُؤْمِنَ اسْتِطْرَادًا ، وَالْحِكْمَةُ فِي التَّعْبِيرِ بِالْمُضَارِعِ دُونَ الْمَاضِي الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ عِلْمُ ذَلِكَ ، وَلَا يَقَعُ لِأَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ مُمْتَنِعًا فِيمَا مَضَى ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ لَوْ لِانْتِفَاءِ الْأَوَّلِ لِانْتِفَاءِ الثَّانِي كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَانْتِفَاءُ التَّعَدُّدِ بِانْتِفَاءِ الْفَسَادِ وَلَيْسَ هَاهُنَا كَذَلِكَ إِذْ فِيهِ انْتِفَاءُ الثَّانِي ، وَهُوَ انْتِفَاءُ الرَّجَاءِ لِانْتِفَاءِ الْأَوَّلِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : لَوْ جِئْتَنِي لَأَكْرَمْتُكَ ، فَإِنَّ الْإِكْرَامَ مُنْتَفٍ لِانْتِفَاءِ الْمَجِيءِ . قَوْلُهُ : بِكُلِّ الَّذِي قِيلَ فِيهِ إِشْكَالٌ ، لِأَنَّ لَفْظَةَ كُلٍّ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الْمَوْصُولِ كَانَتْ إِذْ ذَاكَ لِعُمُومِ الْأَجْزَاءِ لَا لِعُمُومِ الْأَفْرَادِ وَالْغَرَضُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ تَعْمِيمُ الْأَفْرَادِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ " أَنَّ الرَّحْمَةَ قُسِّمَتْ مِائَةَ جُزْءٍ " فَالتَّعْمِيمُ حِينَئِذٍ لِعُمُومِ الْأَجْزَاءِ فِي الْأَصْلِ ، وَنُزِّلَتِ الْأَجْزَاءُ مَنْزِلَةَ الْأَفْرَادِ مُبَالَغَةً . قَوْلُهُ : " لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ " مِنَ الْيَأْسِ ، وَهُوَ الْقُنُوطُ ، يُقَالُ : يَئِسَ ، بِالْكَسْرِ ، يَيْأَسُ ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ مُسْتَقْبَلِهِ وَهُوَ شَاذٌّ ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ : مِنْهُمْ مَنْ يُبْدِلُ الْهَمْزَةَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَوِ الْيَاءَ الثَّانِيَةَ أَلِفًا ، فَتَقُولُ : يَيْأَسُ وَيَائِسٌ ، فَإِنْ قُلْتَ : مَا مَعْنَى " لَمْ يَيْئِسْ مِنَ الْجَنَّةِ " قُلْتُ : قِيلَ الْمُرَادُ أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ عَلِمَ سِعَةَ الرَّحْمَةِ لَغَطَّى عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ عَظِيمِ الْعَذَابِ ، فَيَحْصُلُ لَهُ الرَّجَاءُ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ أَنَّ مُتَعَلِّقَ عِلْمِهِ بِسِعَةِ الرَّحْمَةِ مَعَ عَدَمِ الْتِفَاتِهِ إِلَى مُقَابِلِهَا يُطْمِعُهُ فِي الرَّحْمَةِ .

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية