الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                الْكِتَابُ الرَّابِعُ فِي أَحْكَامٍ يَكْثُرُ دَوْرُهَا وَيَقْبَحُ بِالْفَقِيهِ جَهْلُهَا " الْقَوْلُ فِي النَّاسِي ، وَالْجَاهِلِ ، وَالْمُكْرَهِ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } . هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ { تَجَاوَزَ } بَدَلَ { وَضَعَ } . وَأَخْرَجَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْفَضْلُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ حَدِيثِهِ ، بِلَفْظِ { رَفَعَ } وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ الْهُذَلِيِّ عَنْ شَهْرٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } وَأَخْرَجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ . وَأَخْرَجَهُ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، بِلَفْظِ { وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي } إلَى آخِره . وَإِسْنَادُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي التَّارِيخِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ، بِلَفْظِ : { رَفَعَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْخَطَأَ ، وَالنِّسْيَانَ ، وَالْأَمْرَ يُكْرَهُونَ عَلَيْهِ } . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَنْ ثَلَاثٍ : الْخَطَأِ ، وَالنِّسْيَانِ ، وَالِاسْتِكْرَاهِ } . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ ، فَقَالَ : أَجَلْ ، أَمَا تَقْرَأُ بِذَلِكَ قُرْآنًا ، { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } وَأَبُو بَكْر ضَعِيفٌ ، وَكَذَا شَهْرٌ . وَأُمّ الدَّرْدَاءِ إنْ كَانَتْ الصُّغْرَى ، فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ وَإِنْ كَانَتْ الْكُبْرَى فَهُوَ مُنْقَطِعٌ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ عَفَا لَكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ : عَنْ الْخَطَأِ ، وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهْتُمْ عَلَيْهِ } . وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ حِبَّانَ الْعُطَارِدِيُّ . عَنْ الْحَسَنِ قَالَ سَمِعَتْهُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَجَاوَزَ اللَّهُ لِابْنِ آدَمَ عَمَّا أَخْطَأَ ، وَعَمَّا نَسِيَ ، وَعَمَّا أُكْرِهَ ، وَعَمَّا غُلِبَ عَلَيْهِ } . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا تُوَسْوِسُ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ ، أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } ، فَهَذِهِ شَوَاهِدُ قَوِيَّةٌ تَقْضِي لِلْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ : اعْلَمْ أَنَّ قَاعِدَةُ الْفِقْهِ : أَنَّ النِّسْيَانَ وَالْجَهْلَ ، مُسْقِطٌ لِلْإِثْمِ مُطْلَقًا وَأَمَّا الْحُكْمُ : فَإِنْ وَقَعَا فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ لَمْ يَسْقُطْ . بَلْ يَجِبُ تَدَارُكُهُ . وَلَا يَحْصُلُ الثَّوَابُ لِمُتَرَتِّبٍ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الِائْتِمَارِ ، أَوْ فِعْلٍ مَنْهِيٍّ ، لَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِتْلَافِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ ، أَوْ فِيهِ إتْلَافٌ لَمْ يَسْقُطْ الضَّمَانُ . فَإِنْ كَانَ يُوجِبُ عُقُوبَةً كَانَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِهَا . وَخَرَجَ عَنْ ذَلِكَ صُوَرٌ نَادِرَةٌ ، فَهَذِهِ أَقْسَامٌ . فَمِنْ فُرُوعِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً ، أَوْ صَوْمًا أَوْ حَجًّا ، أَوْ زَكَاةً ، أَوْ كَفَّارَةً ، أَوْ نَذْرًا : وَجَبَ تَدَارُكُهُ بِالْقَضَاءِ بِلَا خِلَافٍ . وَكَذَا لَوْ وَقَفَ بِغَيْرِ عَرَفَة يَجِبُ الْقَضَاءُ اتِّفَاقًا . وَمِنْهَا : مَنْ نَسِيَ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ أَوْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ ، فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ ذَكَرَهُ . أَوْ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ لَا يُعْفَى عَنْهَا نَاسِيًا ، أَوْ جَاهِلًا بِهَا . أَوْ نَسِيَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْمَاءِ ، وَالْقِبْلَةِ ، وَالثَّوْبِ وَقْتَ الصَّلَاةِ ، وَالصَّوْمِ ، وَالْوُقُوفِ ، بِأَنْ بَانَ وُقُوعُهَا قَبْلَهُ ، أَوْ صَلَّوْا لِسَوَادٍ ظَنُّوهُ عَدُوًّا ، فَبَانَ خِلَافُهُ ، أَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى مَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا ، أَوْ اسْتَنَابَ فِي الْحَجِّ لِكَوْنِهِ مَعْضُوبًا . فَبَرَأَ . وَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا خِلَافٌ : قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : بَعْضُهُ كَبَعْضٍ ، وَبَعْضُهُ مُرَتَّبٌ عَلَى بَعْضٍ ، أَوْ أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ . وَالصَّحِيحُ فِي الْجَمِيعِ : عَدَمُ الْإِجْزَاءِ ، وَوُجُوبُ الْإِعَادَةِ . وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ : أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ ، هَلْ هِيَ مِنْ قَبِيلِ الْمَأْمُورَاتِ الَّتِي هِيَ شُرُوطٌ ، كَالطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ ، فَلَا يَكُونُ النِّسْيَانُ وَالْجَهْلُ عُذْرًا فِي تَرْكِهَا ; لِفَوَاتِ الْمَصْلَحَةِ مِنْهَا ، أَوْ أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمَنَاهِي : كَالْأَكْلِ ، وَالْكَلَامِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا ؟ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَلِذَلِكَ تَجِبُ الْإِعَادَةُ بِلَا خِلَافٍ ، فِيمَا لَوْ نَسِيَ نِيَّةَ الصَّوْمِ ; لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمَأْمُورَاتِ . وَفِيمَا لَوْ صَادَفَ صَوْمُ الْأَسِيرِ ، وَنَحْوُهُ : اللَّيْلَ ، دُونَ النَّهَارِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ وَقْتًا لِلصَّوْمِ كَيَوْمِ الْعِيدِ ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ . وَلَوْ صَادَفَ الصَّلَاةَ أَوْ الصَّوْمَ ، بَعْدَ الْوَقْتِ ، أَجْزَأَ بِلَا خِلَافٍ ، لَكِنْ هَلْ يَكُونُ أَدَاءً لِلضَّرُورَةِ ، أَوْ قَضَاءً ; لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ وَقْتِهِ ؟ قَوْلَانِ ، أَوْ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : الثَّانِي . وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ : مَا لَوْ كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا وَرَمَضَانُ تَامًّا . وَأَمَّا الْوُقُوفُ : إذَا صَادَفَ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ ، فَإِنْ صَادَفَ الْحَادِيَ عَشَرَ . لَمْ يَجُزْ ، بِلَا خِلَاف ، كَمَا لَوْ صَادَفَ السَّابِعَ ، وَإِنْ صَادَفَ الْعَاشِرَ . أَجْزَأَ ، وَلَا قَضَاءَ ; لِأَنَّهُمْ لَوْ كُلِّفُوا بِهِ لَمْ يَأْمَنُوا الْغَلَطَ فِي الْعَامِ الْآتِي أَيْضًا . وَيُسْتَثْنَى : مَا إذَا قَلَّ الْحَجِيجُ ، عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمهُمْ الْقَضَاءُ ، فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ . وَفُرِّقَ بَيْن الْغَلَطِ فِي الثَّامِنِ وَالْعَاشِرِ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ تَأْخِيرَ الْعِبَادَةِ عَنْ الْوَقْتِ ، أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِسَابِ مِنْ تَقْدِيمِهَا عَلَيْهِ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْغَلَطَ بِالتَّقْدِيمِ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ ، فَإِنَّمَا يَقَعُ لِغَلَطٍ فِي الْحِسَابِ ، أَوْ لِخَلَلٍ فِي الشُّهُودِ ، الَّذِينَ شَهِدُوا بِتَقْدِيمِ الْهِلَالِ . وَالْغَلَطُ بِالتَّأْخِيرِ قَدْ يَكُونُ بِالْغَيْمِ الْمَانِعِ مِنْ الرُّؤْيَةِ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ ، ثُمَّ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ : أَنْ يَكُونَ الْهِلَالُ غُمَّ ، فَأَكْمِلُوا ذَا الْقَعْدَةِ ثَلَاثِينَ ، ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِرُؤْيَتِهِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ . أَمَّا لَوْ وَقَعَ الْغَلَطُ ، بِسَبَبِ الْحِسَابِ ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ ، بِلَا شَكٍّ ، لِتَفْرِيطِهِمْ ، وَسَوَاءٌ تَبَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَاشِرِ ، أَوْ فِيهِ ، فِي أَثْنَاءِ الْوُقُوفِ ، أَوْ قَبْلَ الزَّوَالِ ، فَوَقَفُوا عَالِمِينَ . كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ ، وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ . وَلَوْ أَخْطَأَ الِاجْتِهَادُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ . فَأَحْرَمَ النَّفِيرُ الْعَامُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ . فَفِي انْعِقَادِهِ حَجًّا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ، كَالْخَطَأِ فِي الْوُقُوفِ الْعَاشِرِ . وَالثَّانِي : لَا ، وَالْفَرْقُ : أَنَّا لَوْ أَبْطَلْنَا الْوُقُوفَ فِي الْعَاشِرِ ، أَبْطَلْنَاهُ مِنْ أَصْلِهِ ، وَفِيهِ إضْرَارٌ . وَأَمَّا هُنَا : فَيَنْعَقِدُ عُمْرَةً ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ، بِلَا تَرْجِيحٍ . وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْقِسْمِ ، فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ مَا لَوْ فَاضَلَ فِي الرِّبَوِيَّاتِ جَاهِلًا ، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ اتِّفَاقًا ، فَهُوَ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ ; لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ شَرْطٌ ، بَلْ الْعِلْمُ بِهَا أَيْضًا . وَكَذَا لَوْ عَقَدَ الْبَيْعَ ، أَوْ غَيْرَهُ عَلَى عَيْنٍ يَظُنُّهَا مِلْكَهُ فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ ، أَوْ النِّكَاحَ عَلَى مَحْرَمٍ ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ جَاهِلًا ، لَا يَصِحُّ . وَمِنْ فُرُوعِ الْقِسْم الثَّانِي : مَنْ شَرِبَ خَمْرًا جَاهِلًا ، فَلَا حَدَّ ، وَلَا تَعْزِيرَ . وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ : أَنْتِ أَزْنَى مِنْ فُلَانٍ ، وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي لَفْظِهِ بِزِنَا فُلَانٍ ، لَكِنَّهُ كَانَ ثَبَتَ زِنَاهُ بِإِقْرَارٍ ، أَوْ بَيِّنَةٍ . وَالْقَائِلُ جَاهِلٌ ، فَلَيْسَ بِقَاذِفٍ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلِمَ بِهِ ، فَيَكُونُ قَاذِفًا لَهُمَا . وَمِنْهَا : الْإِتْيَانُ بِمُفْسِدَاتِ الْعِبَادَةِ نَاسِيًا ، أَوْ جَاهِلًا ، كَالْأَكْلِ فِي الصَّلَاةِ ، وَالصَّوْمِ وَفِعْلِ مَا يُنَافِي الصَّلَاةَ : مِنْ كَلَامٍ ، وَغَيْرِهِ . وَالْجِمَاعُ فِي الصَّوْمِ . وَالِاعْتِكَافُ ، وَالْإِحْرَامُ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْمُعْتَكَفِ ، وَالْعَوْدُ مِنْ قِيَامِ الثَّالِثَةِ إلَى التَّشَهُّدِ وَمِنْ السُّجُودِ إلَى الْقُنُوتِ ، وَالِاقْتِدَاءُ بِمُحْدِثٍ ، وَذِي نَجَاسَةٍ ، وَسَبْقُ الْإِمَامِ بِرُكْنَيْنِ ، وَمُرَاعَاةُ الْمَزْحُومِ تَرْتِيبَ نَفْسِهِ إذَا رَكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ ، وَارْتِكَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ ، الَّتِي لَيْسَتْ بِإِتْلَافٍ ، كَاللُّبْسِ . وَالِاسْتِمْتَاعِ ، وَالدُّهْنِ ، وَالطِّيبِ . سَوَاءٌ جَهِلَ التَّحْرِيمَ ، أَوْ كَوْنَهُ طِيبًا . وَالْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ : عَدَمُ الْإِفْسَادِ ، وَعَدَمُ الْكَفَّارَةِ ، وَالْفِدْيَةِ . وَفِي أَكْثَرِهَا خِلَافٌ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ : الْفِعْلُ الْكَثِيرُ فِي الصَّلَاةِ ، كَالْأَكْلِ ، فَإِنَّهُ يُبْطِلُهَا فِي الْأَصَحِّ لِنُدُورِهِ . وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ الصَّوْمَ بِالصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ . وَالْأَصَحُّ : أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالْكَثِيرِ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْدُر فِيهِ ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ فِيهِ هَيْئَةً مُذَكِّرَةً . وَمِنْهَا : لَوْ سَلَّمَ عَنْ رَكْعَتَيْنِ نَاسِيًا ، وَتَكَلَّمَ عَامِدًا " لِظَنِّهِ إكْمَالَ الصَّلَاةِ " لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ . وَنَظِيرُهُ : مَا لَوْ تَحَلَّلَ مِنْ الْإِحْرَامِ وَجَامَعَ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَلَّلْ ، لِكَوْنِ رَمْيِهِ وَقَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَالْمَذْهَبُ : أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ . وَمِنْ نَظَائِرِهِ أَيْضًا : لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا ، فَظَنَّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ ، فَجَامَعَ ، فَفِي وَجْهٍ : لَا يُفْطِرُ قِيَاسًا عَلَيْهِ . وَالْأَصَحُّ : الْفِطْرُ ; كَمَا لَوْ جَامَعَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الصُّبْحَ لَمْ يَطْلُعْ ، فَبَانَ خِلَافُهُ ، وَلَكِنْ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّهُ وَطِئَ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ . وَنَظِيرُهُ أَيْضًا : لَوْ ظَنَّ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ بِمَا وَقَعَ مِنْهُ فَأَشْهَدَ عَلَيْهِ بِطَلَاقِهَا . وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا مَا لَوْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ مَعِيبًا جَاهِلًا بِهِ . فَإِنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْمُوَكِّلِ ، إنْ سَاوَى مَا اشْتَرَاهُ بِهِ ، وَكَذَا إنْ لَمْ يُسَاوِ فِي الْأَصَحِّ ، فَإِنَّهُ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ . تَنْبِيهٌ : مِنْ الْمُشْكِلِ : تَصْوِيرُ الْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ بِحَقِيقَةِ الصَّوْمِ . فَإِنَّ مَنْ جَهِلَ الْفِطْرَ جَهِلَ الْإِمْسَاكَ عَنْهُ ، الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الصَّوْمِ ، فَلَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ . قَالَ السُّبْكِيُّ : فَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يُفْرَضَ فِي مُفْطِرٍ خَاصٍّ مِنْ الْأَشْيَاءِ النَّادِرَةِ ، كَالتُّرَابِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَخْفَى ، وَيَكُونُ الصَّوْمُ الْإِمْسَاكَ عَنْ الْمُعْتَادِ ، وَمَا عَدَاهُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ ، " وَإِمَّا أَنْ يُفْرَضَ " كَمَا صَوَّرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيمَنْ احْتَجَمَ أَوْ أَكَلَ نَاسِيًا ; فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ ، فَأَكَلَ بَعْدَ ذَلِكَ ، جَاهِلًا بِوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ ، فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ عَلَى وَجْهٍ . لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِيهِ : الْفِطْرُ . انْتَهَى . وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : كُلُّ مَسْأَلَةٍ تَدِقُّ ، وَيَغْمُضُ مَعْرِفَتُهَا ، هَلْ يُعْذَرُ فِيهَا الْعَامِّيُّ ؟ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية