الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                السابع : في رواية الجن للحديث : أورد فيه صاحب آكام المرجان آثارا مما رووه ، فكأنه رأى بذلك قبول روايتهم . والذي أقول : إن الكلام في مقامين : روايتهم عن الإنس ، ورواية الإنس عنهم . فأما الأول : فلا شك في جواز روايتهم عن الإنس ما سمعوه منهم ، أو قرئ عليهم وهم يسمعون ، سواء علم الإنسي بحضورهم أم لا ، وكذا إذا أجاز الشيخ من حضر ، أو سمع ، دخلوا في إجازته ، وإن لم يعلم به ، كما في نظير ذلك من الإنس . وأما رواية الإنس عنهم .

                فالظاهر : منعها ، لعدم حصول الثقة بعدالتهم وقد ورد في الحديث { يوشك أن تخرج شياطين كان أوثقها سليمان بن داود ، فيقولون حدثنا وأخبرنا } وأما الآثار التي أوردها صاحب آكام المرجان ، وهي : ما أخرجه الحافظ أبو نعيم حدثنا الحسن بن إسحاق بن إبراهيم . حدثنا أحمد بن عمرو بن جابر الرملي . حدثنا أحمد بن محمد بن طريف . حدثنا محمد بن كثير عن الأعمش ، حدثني وهب بن جابر عن [ ص: 260 ] أبي بن كعب قال : خرج قوم يريدون مكة ، فأضلوا الطريق ، فلما عاينوا الموت ، أو كادوا أن يموتوا ، لبسوا أكفانهم ، وتضجعوا للموت ، فخرج عليهم جني يتخلل الشجر . وقال أنا بقية النفر الذين استمعوا على محمد صلى الله عليه وسلم سمعته يقول { المؤمن أخو المؤمن ودليله لا يخذله } هذا الماء ، وهذا الطريق .

                وقال ابن أبي الدنيا : حدثني أبي حدثنا عبد العزيز القرشي أخبرنا إسرائيل عن السدي عن مولى عبد الرحمن بن بشر قال { خرج قوم حجاجا في إمرة عثمان فأصابهم عطش ، فانتهوا إلى ماء ملح ، فقال بعضهم : لو تقدمتم فإنا نخاف أن يهلكنا هذا الماء فساروا حتى أمسوا ، فلم يصيبوا ماء ، فأدلجوا إلى شجرة سمر ، فخرج عليهم رجل أسود شديد السواد جسيم ، فقال : يا معشر الركب ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحب للمسلمين ما يحب لنفسه ، ويكره للمسلمين ما يكره لنفسه ، فسيروا حتى تنتهوا إلى أكمة ، فخذوا عن يسارها ، فإن الماء ثم } .

                وقال أيضا : حدثني محمد بن الحسين حدثنا يوسف بن الحكم الرقي حدثنا فياض بن محمد أن عمر بن عبد العزيز بينا هو يسير على بغلة إذا هو بجان ميت على قارعة الطريق فنزل فأمر به ، فعدل عن الطريق ، ثم حفر له ، فدفنه وواراه ، ثم مضى ، فإذا هو بصوت عال ، يسمعونه ، ولا يرون أحدا : ليهنك البشارة من الله يا أمير المؤمنين ، أنا وصاحبي هذا الذي دفنته من الجن الذين قال الله فيهم { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن } فلما أسلمنا { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبي هذا ستموت في أرض غربة يدفنك فيه يومئذ خير أهل الأرض } .

                فالجواب عنها : أن رواتها ممن سمع من النبي صلى الله عليه وسلم فالظاهر أن لهم حكم الصحابة في عدم البحث عن عدالتهم ، وقد ذكر حفاظ الحديث ، ممن صنف في الصحابة ، مؤمني الجن فيهم . قال الحافظ أبو الفضل العراقي : وقد استشكل ابن الأثير ذكر مؤمني الجن في الصحابة دون من رآه من الملائكة ، وهم أولى بالذكر . قال : وليس كما زعم ، لأن الجن من جملة المكلفين الذين شملتهم الرسالة والبعثة فكان ذكر من عرف اسمه ، ممن رآه حسنا ، بخلاف الملائكة . انتهى .

                التالي السابق


                الخدمات العلمية