الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        ذكرها بعض الصوفية وحكى الماوردي ، والروياني ، في باب القضاء في حجية الإلهام خلافا ، وفرعا عليه أن الإجماع هل يجوز انعقاده لا عن دليل ، ( فإن قلنا : يصح جعله دليلا شرعيا جوزنا الانعقاد لا عن دليل ) وإلا فلا .

                        قال الزركشي في البحر : وقد اختار جماعة من المتأخرين اعتماد الإلهام ، منهم الإمام في تفسيره في أدلة القبلة ، وابن الصلاح في فتاويه ، فقال : إلهام خاطر الحق من الحق .

                        قال : ومن علامته أن ينشرح له الصدر ، ولا يعارضه معارض ( من خاطر آخر ) .

                        قال أبو علي التميمي : في كتاب التذكرة في أصول الدين : ذهب بعض الصوفية إلى أن المعارف تقع اضطرارا للعباد على سبيل الإلهام بحكم وعد الله سبحانه وتعالى ، بشرط التقوى ، واحتج بقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا أي ما تفرقون به بين الحق والباطل ، وقوله تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا أي عن كل ما يلتبس على غيره وجه الحكم فيه ، وقوله تعالى : واتقوا الله ويعلمكم الله .

                        فهذه العلوم الدينية تحصل للعباد إذا زكت أنفسهم ، وسلمت قلوبهم لله تعالى ، بترك المنهيات ، وامتثال المأمورات إذ خبره صدق ووعده حق .

                        [ ص: 710 ] واحتج شهاب الدين السهروردي على الإلهام بقوله تعالى : وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه وبقوله : وأوحى ربك إلى النحل فهذا الوحي هو مجرد الإلهام .

                        ثم إن من الإلهام علوما تحدث في النفوس الزكية المطمئنة ، قال - صلى الله عليه وآله وسلم - :

                        إن من أمتي لمحدثين ومتكلمين ، وإن عمر لمنهم وقال تعالى : ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها فأخبر أن النفوس ملهمة .

                        ( قلت ) : وهذا الحديث الذي ذكره هو ثابت في الصحيح بمعناه ، قال ابن وهب في تفسير الحديث : أي ملهمون ، ولهذا قال صاحب نهاية الغريب : جاء في الحديث تفسيره أنهم الملهمون ، والملهم هو الذي يلقى في نفسه الشيء ، فيخبر به حدسا وفراسة ، وهو نوع يخص به الله من يشاء من عباده ، كأنهم حدثوا بشيء فقالوه .

                        [ ص: 711 ] وأما قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - استفت قلبك ، وإن أفتاك الناس فذلك في الواقعة التي تتعارض فيها الأدلة .

                        قال الغزالي : واستفتاء القلب إنما هو حيث أباح المفتي ، أما حيث حرم فيجب الامتناع . ثم لا نقول على كل قلب ، فرب قلب موسوس ، ينفي كل شيء ، ورب [ قلب ] متساهل ، يطير إلى كل شيء ، فلا اعتبار بهذين القلبين ، وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق لدقائق الأحوال ، فهو المحك الذي يمتحن به حقائق الأمور ، وما أعز هذا القلب .

                        قال البيهقي في شعب الإيمان : هذا محمول على أنه يعرف في منامه من عالم الغيب ما عسى أن يحتاج إليه ، أو يحدث على لسان ملك بشيء من ذلك ، كما ورد في بعض طرق الحديث بلفظ : " وكيف يحدث ؟ قال : يتكلم الملك على لسانه " .

                        وقد روي عن إبراهيم بن سعد أنه قال في هذا الحديث يعني : يلقي في روعه .

                        قال القفال : لو تثبت العلوم بالإلهام لم يكن للنظر معنى ، ونسأل القائل بهذا عن دليله ، فإن احتج بغير الإلهام فقد ناقض قوله انتهى .

                        ويجاب عن هذا الكلام : بأن مدعي الإلهام لا يحصر الأدلة في الإلهام ، حتى يكون استدلاله بغير الإلهام مناقضا لقوله ، نعم إن استدل على إثبات الإلهام بالإلهام ، كان في ذلك مصادرة على المطلوب ; لأنه استدل على محل النزاع بمحل النزاع .

                        [ ص: 712 ] ثم على تقدير الاستدلال لثبوت الإلهام بمثل ما تقدم من الأدلة ، من أين لنا أن دعوى هذا الفرد لحصول الإلهام له صحيحة ، وما الدليل على أن قلبه من القلوب التي ليست بموسوسة ولا بمتساهلة .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية