الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                      صفحة جزء
                                                                      758 حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد عن عبد الرحمن بن إسحق الكوفي عن سيار أبي الحكم عن أبي وائل قال قال أبو هريرة أخذ الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة قال أبو داود سمعت أحمد بن حنبل يضعف عبد الرحمن بن إسحق الكوفي

                                                                      التالي السابق


                                                                      ( قال أبو هريرة أخذ الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة ) في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق وقد عرفت حاله فلا يصح الاحتجاج به على الوضع تحت السرة . واعلم أن رواية أبي هريرة وأثر أبي مجلز وأثر سعيد بن جبير ورواية علي المذكورة في الباب ليست إلا في نسخة ابن الأعرابي ، ووجد في بعض نسخ الكتاب هكذا حدثنا أبو توبة [ ص: 348 ] حدثنا الهيثم يعني ابن حميد عن ثور عن سليمان بن موسى عن طاوس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على يده اليسرى ثم يشد بينهما على صدره وهو في الصلاة انتهى . قال المزي في الأطراف في حرف الطاء من كتاب المراسيل ، الحديث أخرجه أبو داود في كتاب المراسيل . وكذا قال البيهقي في المعرفة . فحديث طاوس هذا مرسل ، لأن طاوسا تابعي وفي إسناده سليمان بن موسى ، وهو وإن ضعفه النسائي وغيره فوثقه آخرون : قال في الخلاصة : سليمان بن موسى الأموي أبو أيوب الدمشقي الأشدق الفقيه عن جابر مرسلا ، وعن واثلة وطاوس وعطاء قلت : وذلك فيما قاله الدارقطني وكريب ، وعنه ابن جريج والأوزاعي وهمام بن يحيى وخلق ، آخرهم سعيد بن عبد العزيز وثقه دحيم وابن معين . قال ابن عدي : تفرد بأحاديث وهو عندي ثبت صدوق . وقال النسائي ليس بالقوي .

                                                                      قال أبو حاتم : محله الصدق في حديثه بعض الاضطراب . انتهى . وقول النسائي ليس بالقوي جرح غير مفسر وهو لا يقدح فيمن ثبتت عدالته كما تقرر في مقره . وأما قول أبي حاتم محله الصدق في حديثه بعض الاضطراب فلا يدل إلا على أنه خفيف الضبط فغاية الأمر ونهايته أن حديثه يكون حسنا لذاته وهو مشارك للصحيح في الاحتجاج ، فلا عيب فيه غير أنه مرسل وهو حجة عند أبي حنيفة ومالك وأحمد رحمة الله عليهم مطلقا . وعند الشافعي رحمه الله تعالى إذا اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى مسندا كان أو مرسلا . وقد جاء في الوضع على الصدر حديثان آخران صحيحان أحدهما حديث هلب رواه الإمام أحمد في مسنده قال أخبرنا يحيى بن سعيد عن سفيان حدثنا سماك عن قبيصة بن هلب عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه وعن يساره ورأيته يضع هذه على صدره ووصف يحيى اليمنى على اليسرى فوق المفصل ورواة هذا الحديث كلهم ثقات . أما يحيى بن سعيد فهو أبو سعيد القطان البصري الحافظ الحجة أحد أئمة الجرح والتعديل عن إسماعيل بن أبي خالد وهشام بن عروة وبهز بن حكيم وخلق وعنه شعبة وابن مهدي وأحمد وإسحاق وابن المديني وابن بشار وخلق . قال أحمد : ما رأت عيناي مثله ، وقال ابن معين . يحيى أثبت من ابن مهدي وقال محمد بن بشار : حدثنا يحيى بن سعيد إمام أهل زمانه . كذا في الخلاصة .

                                                                      [ ص: 349 ] وأما سفيان فهو الثوري . قال الحافظ في التقريب : ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة من رءوس الطبقة السابعة وربما كان دلس ، انتهى . قلت : وقد صرح هاهنا بالتحديث ، فانتفت تهمة التدليس . أما سماك فهو ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي أبو المغيرة صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة وكان قد تغير بأخرة فكان ربما يلقن من الرابعة كذا في التقريب . وقال الذهبي قال أحمد : سماك مضطرب وضعفه شيبة . وقال ابن عمار كان يغلط . وقال العجلي ربما وصل الشيء وكان الثوري يضعفه وقال روايته مضطربة وليس من المثبتين . وقال صالح : يضعف . وقال ابن خداش : فيه لين ، ووثقه ابن معين وأبو حاتم . انتهى .

                                                                      قلت كون سماك مضطرب الحديث لا يقدح في حديثه المذكور لأنه رواه عن قبيصة وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة وكذا تغيره في أخرة لا يقدح أيضا لأن الحديث المذكور رواه عنه سفيان وهو ممن سمع قديما من سماك . قال في تهذيب الكمال : قال يعقوب وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة وهو في غير عكرمة صالح وليس من المثبتين ومن سمع قديما من سماك مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه مستقيم . انتهى .

                                                                      وأما قبيصة فهو ابن الهلب بضم الهاء وسكون اللام بعدها موحدة الطائي الكوفي مقبول من الثالثة كذا في التقريب . وقال في ميزان الاعتدال : قبيصة بن هلب عن أبيه قال ابن المديني مجهول لم يرو عنه غير سماك . وقال العجلي ثقة تابعي . قلت : وذكره ابن حبان في الثقات مع تصحيح من حديثه ، انتهى .

                                                                      قلت : لما انفرد سماك بالرواية عن قبيصة صار قبيصة مجهول العين . وحديث مجهول العين مقبول إذا وثقه غير المنفرد عنه . قال الحافظ في شرح النخبة : فإن سمي الراوي وانفرد راو واحد بالرواية عنه فهو مجهول العين كالمبهم إلا أن يوثقه غير من انفرد عنه على الأصح . انتهى . وقد عرفت أن أحمد العجلي وابن حبان من أئمة الجرح والتعديل وثقاه فكيف يكون مجهولا . وثانيهما حديث وائل بن حجر قال : صليت مع [ ص: 350 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره أخرجه ابن خزيمة . قال أبو المحاسن محمد الملقب بالقائم في بعض رسائله الذي أعتقده : إن هذا الحديث على شرط ابن خزيمة وهو المتبادر من صنيع الحافظ في الإتحاف والظاهر من قول ابن سيد الناس بعد ذكر الحديث وائل في شرح جامع الترمذي ، وصححه ابن خزيمة . انتهى . فظهر من قول ابن سيد الناس أن ابن خزيمة صحح حديث وائل ، ويظهر من قول الشوكاني أيضا تصحيح ابن خزيمة حديث وائل بعد إخراجه حيث قال في نيل الأوطار . واحتجت الشافعية لما ذهبت إليه بما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وصححه من حديث وائل بن حجر فمرسل طاوس وحديث هلب وحديث وائل بن حجر تدل على استحباب وضع اليدين على الصدر وهو الحق ، وأما الوضع تحت السرة أو فوق السرة فلم يثبت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث .

                                                                      فإن قلتم أخرج ابن أبي شيبة عن وكيع عن موسى بن عمير عن علقمه بن وائل بن حجر عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يمينه على شماله في الصلاة تحت السرة وسنده جيد ورواته كلهم ثقات فهذا حديث صحيح في الوضع تحت السرة ، قلنا قال العلامة الشيخ حياة السندي في ثبوت زيادة تحت السرة نظر ، بل هي غلط نشأ من السهو ، فإني راجعت نسخة صحيحة من المصنف فرأيت فيها هذا الحديث بهذا المسند وبهذه الألفاظ ، إلا أنه ليس فيها تحت السرة ، وذكر فيها بعد هذا الحديث أثر النخعي ولفظه قريب من لفظ هذا الحديث وفي آخره في الصلاة تحت السرة ، فلعل بصر الكاتب زاغ من محل إلى آخر فأدرج لفظ الموقوف في المرفوع ، ويدل على ما ذكرت أن كل النسخ ليست متفقة على هذه الزيادة وأن غير واحد من أهل الحديث روى هذا الحديث ولم يذكر تحت السرة بل ما رأيت ولا سمعت أحدا من أهل العلم ذكر هذا الحديث بهذه الزيادة . انتهى .

                                                                      قلت : ومما يدل على عدم صحة زيادة تحت السرة في هذا الحديث أنه روى الإمام أحمد في مسنده هذا الحديث بهذا السند ولم يذكر هذه الزيادة حيث قال : حدثنا وكيع حدثنا موسى بن عمير العنبري عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا يمينه على شماله في الصلاة وروى البيهقي أيضا هذا الحديث بهذا السند ولم يذكر هذه الزيادة حيث رواه عن موسى بن عمير وقيس بن سليم عن علقمة عن أبيه قريبا مما تقدم بدون هذه الزيادة . ومما يدل على المطلوب أن الإمام الزيلعي والعيني وابن الهمام وابن أمير الحاج وإبراهيم الحلبي وصاحب البحر وعلي القاري وغيرهم من [ ص: 351 ] العلماء ، الحنفية مع شدة اعتنائهم بدلائل المذهب والجمع من صحيحها وحسنها وسقيمها لم يذكر أحد منهم هذه الزيادة في هذا الحديث ، فلو كان هذا الحديث الصحيح بهذه الزيادة في المصنف لذكروه البتة . ولقد أكثر بعض هؤلاء الرواية والنقل من المصنف وكتبهم مملوءة من أحاديثه وآثاره ، وكذا الحافظ ابن عبد البر والحافظ ابن حجر والإمام النووي وغيرهم من سائر أهل العلم لم يوردوا هذا الحديث بهذه الزيادة ، فهذه أمور تورث الشك في صحة زيادة تحت السرة في هذا الحديث ، والله تعالى أعلم .

                                                                      باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء




                                                                      الخدمات العلمية