الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              4693 [ 2497 ] وعن عائشة : أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ائذنوا له فلبئس ابن العشيرة - أو بئس رجل العشيرة –" فلما دخل عليه ألان له القول. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله ! قلت له الذي قلت، ثم ألنت له القول؟ قال: "يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه - أو تركه - الناس اتقاء فحشه" .

                                                                                              رواه أحمد ( 6 \ 38 )، والبخاري (6054)، ومسلم (2591)، والترمذي (1996).

                                                                                              [ ص: 572 ]

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              [ ص: 572 ] و (قوله صلى الله عليه وسلم : " بئس ابن العشيرة ، أو : رجل العشيرة ") هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذم لهذا الرجل في حال غيبته لما علم النبي صلى الله عليه وسلم من حاله ، وأنه ممن لا غيبة فيه ، وهو عيينة بن حصن بن حذيفة بن مالك الفزاري ، أسلم بعد الفتح ، وقيل : قبله ، وهو من المؤلفة قلوبهم ، وكان من الأعراب الجفاة . روى أبو عمر بن عبد البر عن إبراهيم النخعي : أن عيينة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بغير إذن ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " وأين الإذن ؟ فقال : ما استأذنت على أحد من مضر ، وكانت عائشة - رضي الله عنها - مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : من هذه الحميراء ؟ فقال : " أم المؤمنين " . فقال : ألا أنزل لك عن أجمل منها ؟ فقالت عائشة - رضي الله عنها - : من هذا يا رسول الله ؟ قال : " هذا أحمق مطاع ، وهو على ما ترين سيد قومه " .

                                                                                              وقال الزهري : كان لعيينة ابن أخ من جلساء عمر - رضي الله عنه - يقال له الجد بن قيس ، فقال عيينة لابن أخيه : ألا تدخلني على هذا ؟ فقال : أخاف أن تتكلم بما لا ينبغي ، فقال : لا أفعل ، فأدخله على عمر - رضي الله عنه - فقال : يا ابن الخطاب ، والله ما تقسم بالعدل ، ولا تعطي الجزل ، فغضب عمر - رضي الله عنه - غضبا شديدا حتى هم أن يوقع به ، فقال ابن أخيه : يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى يقول في كتابه : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [الأعراف: 199] وإن هذا من الجاهلين . قال : فخلى عنه عمر ، وكان عمر - رضي الله عنه - وقافا عند كتاب الله تعالى .

                                                                                              قال القاضي عياض : وقد كان من عيينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعد موته ما يدل على ضعف إيمانه ، بل فيه علم من إعلام النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه بئس ابن العشيرة ، وقد ظهر ذلك منه ، إذ هو ممن ارتد وجيء به أسيرا إلى أبي بكر - رضي الله عنه - والله أعلم بما ختم له .

                                                                                              [ ص: 573 ] قلت : ويظهر من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه : " إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس اتقاء فحشه " أن عيينة ختم له بخاتمة سوء ، لأنه ممن اتقى النبي صلى الله عليه وسلم ، فحشه وشره ، والناس . فهو إذا شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة ، ولا يكون كذلك حتى يختم الله تعالى له بالكفر ، والله تعالى أعلم .

                                                                                              ففي حديثه من الفقه : جواز غيبة المعلن بفسقه ونفاقه ، والأمير الجائر والكافر ، وصاحب البدعة ، وجواز مداراتهم اتقاء شرهم ، لكن ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى . والفرق بين المداراة والمداهنة ، أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين ، وهي مباحة ومستحسنة في بعض الأحوال ، والمداهنة المذمومة المحرمة : هي بذل الدين لصالح الدنيا ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته ، والرفق في مكالمته ، وطلاقة وجهه ، ولم يمدحه بقول ، ولا روعي في ذلك في حديث . فعلى هذا فلا يناقض قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الرجل فعله معه ، لأن قوله ذلك إخبار بحق ، ومداراته له حسن عشرة مع الخلق ، فلا مدفع لأهل الزيغ والضلال ، إذ لا يبقى على ما أوضحناه إشكال .

                                                                                              و (قوله : " من ودعه ، أو تركه الناس اتقاء فحشه ") هذا شك من بعض الرواة في أي اللفظين قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن كان الصحيح ودعه ، فقد تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بالأصل المرفوض ، كما قد تكلم به الشاعر الذي هو أنس بن زنيم في قوله :


                                                                                              سل أميري ما الذي غيره عن وصالي اليوم حتى ودعه

                                                                                              [ ص: 574 ] وقد حكي عن بعض السلف أنه قرأ : ما ودعك ربك وما قلى [الضحى: 3] بتخفيف الدال ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تكلم بمصدر ذلك المرفوض حيث قال : " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات ، أو ليختمن الله على قلوبهم " ، وهذا كله يرد على من قال من النحويين : إن العرب قد أماتت ماضي هذا الفعل ومصدره ، ولا يتكلم به استغناء عن ذلك بتركه ، فإن أراد به هذا القائل أنه لا يوجد في كلامهم ، فقد كذبه النقل الصحيح ، وإن أراد أن ذلك يقع ولكنه قليل ، وشاذ في الاستعمال ، فهو الصحيح .




                                                                                              الخدمات العلمية