الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      [ ص: 430 ] الشرط الثاني اتفاق جميع المجتهدين في البقاع ويتفرع عليه مسائل : المسألة الأولى : إذا اتفق الأكثرون وخالف واحد ، فلا يكون قول غيره إجماعا ولا حجة : هذا هو المشهور ، ومذهب الجمهور ، وحكاه أبو بكر الرازي عن الكرخي من أصحابهم . واحتج القفال بمخالفة ابن عباس في العول ، ودعوته إلى المباهلة ، واعتدوا به خلافا ، وكذا جزم به ابن القطان والصيرفي ، قال : ولا يقال لهذا : شاذ ; لأن الشاذ ما كان في الجملة ، ثم شذ عليهم ، وكيف يكون محجوجا بهم ولا يقع اسم الإجماع إلا به . قال : إلا أن يجمعوا على شيء من جهة الحكاية ، فلزمه قبول خبرهم ، أما من جهة الاجتهاد فلا ; لأن الحق قد يكون معه ، ودليل النظر باق . واحتج جمع من أصحابنا بقصة الصديق في قتال مانعي الزكاة . قال في " البيان " : لأن الصحابة أنكروا على أبي بكر رضي الله عنه ، ولم يكن [ ص: 431 ] قولهم حجة . ا هـ .

                                                      وهذا ليس محل الخلاف ، فإن المجتهد ما دام في مهلة النظر لا يكون قول غيره حجة عليه ، فإن رجع أهل الحل والعقد إلى واحد ، قال الغزالي رحمه الله : لم يكن قوله حجة ; لأن اسم الإجماع يستدعي عددا ، فلا أقل من اثنين أو ثلاثة . والمذهب : انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل ، ونقله الآمدي عن محمد بن جرير الطبري رحمه الله ، وأبي الحسين بن الخياط من معتزلة بغداد أستاذ الكعبي ، وزاد القاضي عبد الوهاب وابن الأخشاد من أصحاب الجبائي ، وهو رواية أحمد بن حنبل ، ثم رده بمخالفة الصديق جميع الصحابة في قتال الردة ثم رجعوا إليه ، وإلى هذا المذهب يميل كلام الشيخ أبي محمد الجويني ، فإنه قال في كتابه المحيط " : والشرط أن يجمع جمهور تلك الصنعة ، ووجوههم ومعظمهم ، ولسنا نشترط قول جميعهم ، وكيف نشترط ذلك وربما يكون في أقطار الأرض من المجتهدين من لم يسمع به ، فإن السلف الصالح كانوا يعلمون ويستسرون بالعلم ، فربما كان الرجل قد أخذ الفقه الكثير ، ولا يعلم ذلك جاره . قال : والدليل على هذا أن الصحابة لما استخلفوا أبا بكر انعقدت خلافته ، بإجماع الحاضرين ، ومعلوم أن من الصحابة من غاب قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض البلدان ، ومن حاضري المدينة من لم يحضر السقيفة ، ولم يعتبر ذلك مع اتفاق الأكثرين . قال الهندي : والقائلون بأنه إجماع مرادهم أنه ظني لا قطعي ، وبه [ ص: 432 ] يشعر إيراد بعضهم ، واحتج ابن جرير على عدم اعتبار قول الأقل بارتكابه الشذوذ المنهي عنه ، وأجيب بأن الشذوذ المنهي عنه هو الشاق لعصا المسلمين ، لا في أحكام الاجتهاد . وقال الأستاذ أبو إسحاق : ثم إن ابن جرير قد شذ عن الجماعة في هذه المسألة ، فينبغي أنه لا يعتبر خلافه ، ويكون مخالفا للإجماع بعين ما ذكر .

                                                      والثالث : حجة وليس بإجماع ، ورجحه ابن الحاجب ، فإنه قال : لو عد المخالف مع كثرة المجمعين لم يكن إجماعا قطعيا . والظاهر أنه حجة لبعد أن يكون الراجح متمسك المخالف . والرابع : أن عدد الأقل إن بلغ عدد التواتر لم يعتبر بالإجماع دونه وإلا اعتد به . حكاه الآمدي . وقال القاضي أبو بكر : إنه الذي يصح عن ابن جرير . قيل : وهو مبني على أن مستند الإجماع العقل لا السمع ، وأن الإجماع يشترط له عدد التواتر ، إذ التواتر يفيد العلم ، فيجوز أن يكون الحق مع الأقل المخالف ، فلا ينعقد الإجماع دونه ; لأنه ليس بقاطع إذن .

                                                      والخامس : اتباع الأكثر أولى ، ويجوز خلافه ، حكاه الهندي . والسادس : يضر الاثنان لا الواحد . والسابع : يضر الثلاثة لا الواحد ، ولا الاثنان ، وخص ابن كج في كتابه خلاف ابن جرير بالواحد ، وحكى الاتفاق على أن خلاف الاثنين والثلاثة يجعل المسألة خلافا ، ويخرج منه طريقة قاطعة بضرر الاثنين والثلاثة . والثامن : إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف كان خلافه معتدا به ، كخلاف ابن عباس في العول ، وإن أنكروه لم يعتد به ، كخلافه في ربا الفضل . قاله أبو بكر الرازي ، وأبو عبد الله الجرجاني من الحنفية . [ ص: 433 ] وقال شمس الأئمة السرخسي : إنه الصحيح . قيل : وهو راجع إلى انعقاد الإجماع بالأكثر ، أعني تسويغهم المخالفة وعدمه . فلو لم يكن اتفاقهم لم يكن تسويغهم المذكور حجة ، وإيجاب اعتبار الأكثر أولى ، ويجوز خلافه . والتاسع : إن كان يدفع خلاف الواحد نص لم يعتد بخلافه ، كخلاف ابن مسعود للصحابة في الفاتحة والمعوذتين ، ولم يجعلها من القرآن ، فلم يعتدوا بخلافه لوجود النص . وإن كان لا يدفع قول مخالفه نص كان خلافه مانعا من انعقاد الإجماع ، سواء كان من أكابر العصر أو من أصاغرهم سنا ، كخلاف ابن عباس لجميع الصحابة في العول ، فصار خلافه خلافا ، وجزم بهذا التفصيل الروياني في البحر " في كتاب القضاء ، وهو قريب مما قبله . العاشر : لا يعتبر الواحد والاثنان في أصول الدين ، والتأثيم ، والتضليل ، بخلاف مسائل الفروع حكاه القرافي عن ابن الأخشاد ، ويجيء مذهب آخر من المسألة الآتية ، التفصيل بين أن يكون المخالف تابعيا والمجمعون صحابة وبين غيرهم ، وآخر مفصل بين أن ينشأ معهم ويخالفهم أو ينشأ بعدهم .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية