الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الطرف السابع : في أنواع [ من ] التعليق ونحوه : فمن ذلك التعليق بالحلف ، قال ابن سريج وتابعه جمهور الأصحاب : الحلف ما تعلق به منع من الفعل ، أو حث عليه ، أو تحقيق خير وجلب تصديق ، فإذاقال : إذا حلفت ، أو إن حلفت بطلاقك ، فأنت طالق ، ثم قال : إذا طلعت الشمس ، أو إذا جاء رأس الشهر ، فأنت طالق ، لم يقع الطلاق المعلق بالحلف بالطلاق ، لأنه ليس في هذا التعليق منع ، ولا حث ، ولا غرض تحقيق ، وكذا لو قال : إذا حضت ، أو إذا طهرت ، أو إذا شئت فأنت طالق ، فكذلك حكمه ، وحكى الفوراني وجها أن هذا كله يسمى حلفا ، وهذا شاذ ، والصواب الأول . ولو قال بعد التعليق بالحلف : إن ضربتك ، أو إن كلمت فلانا ، أو إن خرجت من الدار ، أو إن لم تخرجي ، أو إن لم أفعل كذا ، أو إن لم يكن هذا كما قلت فأنت طالق ، وقع في الحال الطلاق المعلق بالحلف ، لأن هذا حلف ، ثم إذا وجد الضرب أو غيره مما علق عليه ، وقعت طلقة أخرى إن بقيت في العدة ، ولو قال : إن قدم فلان فأنت طالق ، وقصد منعه وهو ممن يمتنع تخلفه ، فهو كقوله : إن دخلت الدار . وكذا لو قال الزوج : طلعت الشمس ، فكذبته ، فقال : إن لم تطلع [ ص: 168 ] فأنت طالق ، فهو حلف ، لأن غرضه التحقيق ، وحملها على التصديق ، وإن قصد بقوله : إن قدم فلان ، التوقيت ، أو كان فلان ممن لا يمتنع تخلفه كالسلطان ، أو قال : إذا قدم الحجيج فأنت طالق ، فليس هذا حلفا ، وما جعلنا التعليق به حلفا ، فلا فرق بين أن يعلقه بصيغة ( إن ) أو صيغة ( إذا ) ، اعتبارا بأنه موضع منع وحث وتصديق وقيل : إن كان بصيغة إذا فهو توقيت وليس بحلف ، والصحيح الأول ، وما لم يجعل التعليق به حلفا كطلوع الشمس وقدوم الحجيج ، فلا فرق فيه بين صيغة " إن " و " إذا " .

                                                                                                                                                                        وقيل : إن علقه بصيغة ( إن ) كان حلفا لأنه صرفه عن التوقيت بالعدول عن كلمة التوقيت ، وهي إذا ، فإنها ظرف زمان ، والصحيح الأول .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : إن أقسمت بطلاقك ، أو عقدت يميني بطلاقك ، فهو كقوله : إن حلفت بطلاقك . ولو قال : إن لم أحلف بطلاقك ، أو إذا لم أحلف بطلاقك ، فأنت طالق ، فحكمه كما سبق في طرف الإثبات ، والمذهب أن لفظة " إن " لا تقتضي الفور والبدار إلى الحلف ، ولفظة " إذا " تقتضيه . فإذا قال : إذا لم أحلف بطلاقك فأنت طالق ، ثم أعاد ذلك مرة ثانية وثالثة ، نظر إن فصل بين المرات بقدر ما يمكن فيه الحلف بطلاقها وسكت فيه ولم يحلف عقيب المرة الثالثة وقع الطلقات الثلاث ، وإن وصل الكلمات ، لم يقع بالأولى ولا بالثانية شيء ، ويقع بالثالثة طلقة ، إذا لم يحلف بطلاقها .

                                                                                                                                                                        ولو قال : كلما لم أحلف بطلاقك فأنت طالق ، ومضى زمان يمكنه أن يحلف فيه فلم يحلف ، طلقت طلقة . فإذا مضى مثل ذلك ولم يحلف وقعت ثانية ، وكذلك الثالثة . ولو قال : إن حلفت بطلاقك فأنت طالق ، ثم أعاد هذا القول مرة ثانية وثالثة ورابعة ، فإن كانت [ ص: 169 ] المرأة مدخولا بها ، وقع بالمرة الثانية طلقة ، وتنحل اليمين الأولى ، ثم يقع بالثالثة طلقة بحكم اليمين الثانية وتنحل ، ويقع بالرابعة طلقة ثالثة بحكم اليمين الثالثة وتنحل الثالثة ، وتكون الرابعة يمينا منعقدة ، حتى يقع بها الطلاق إذا حلف بطلاقها في نكاح آخر ، إن قلنا : يعود الحنث بعد الطلقات الثلاث وإن لم يكن مدخولا بها ، وقع طلقة بالمرة الثانية ، وبانت بها ، تنحل اليمين الأولى ، وتبقى الثانية منعقدة ، وفي ظهور أثرها في النكاح المجدد ، الخلاف في عود الحنث ، والثالثة والرابعة واقعتان في حال البينونة ، فلا تنعقدان ، ولا ينحل بهما شيء .

                                                                                                                                                                        ولو قال لغير المدخول بها : إذا كلمتك فأنت طالق ، وأعاد ذلك مرارا ، وقع بالمرة الثانية طلقة ، وهي يمين منعقدة ، وتنحل بالثالثة ، لأن التعليق هنا بالكلام ، والكلام قد يكون في البينونة ، وهناك التعليق بالحلف بالطلاق ، وذلك لا يكون في حال البينونة ، وقال سهل الصعلوكي : لا تنعقد اليمين الثانية في مسألة الكلام ، لأنها تبين بقوله : إن كلمتك ، فيقع قوله : فأنت طالق في حال البينونة ، وتلغو الثالثة والرابعة ، والصحيح الأول ، لأن قوله : إن كلمتك فأنت طالق ، كلام واحد .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال لامرأتيه : إذا حلفت بطلاقكما ، فأنتما طالقان ، وأعاد هذا القول مرارا ، فإن كان دخل بهما ، طلقتا ثلاثا ثلاثا ، وإن لم يدخل بواحدة منهما ، طلقتا طلقة ، وبانتا ، وفي عود الحنث باليمين الثانية الخلاف ، وإن دخل بإحداهما ، طلقتا جميعا بالمرة الثانية ، وبانت غير المدخول بها ، وبالمرة الثالثة لا تطلق واحدة منهما ، لأن شرط الطلاق الحلف بهما ، ولا يصح الحلف بالبائن . فإن نكح التي بانت ، وحلف بطلاقها وحدها ، طلقت المدخول بها إن راجعها ، أو كانت بعد في العدة ، لأنه حصل الشرط وهو الحلف بطلاقها . وفي طلاق هذه المجددة الخلاف في عود الحنث .

                                                                                                                                                                        [ ص: 170 ] فرع

                                                                                                                                                                        قال لامرأتيه : إن حلفت بطلاقكما ، فعمرة منكما طالق ، وأعاد هذا مرارا ، لم تطلق عمرة ، لأن طلاقها معلق بالحلف بطلاقهما معا ، وهذا حلف بطلاقها وحدها ، وكذا لو قال بعد التعليق الأول : إذا دخلتما الدار فعمرة طالق ، وإنما تطلق عمرة إذا حلف بطلاقهما جميعا ، إما في يمين أو يمينين .

                                                                                                                                                                        ولو قال : إن حلفت بطلاقكما ، فإحداكما طالق ، وأعاد ذلك مرارا ، لم تطلق واحدة منهما . فلو قال بعد ذلك : إن حلفت بطلاقها فأنتما طالقان ، طلقت إحداهما بالتعليق الأول ، وعليه البيان ، ولو قال : إن حلفت بطلاق إحداكما فأنتما طالقان ، وأعاد مرة ثانية ، طلقتا جميعا .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : أيما امرأة لم أحلف بطلاقها منكما ، فصاحبتها طالق . قال صاحب " التلخيص " : إذا سكت ساعة يمكنه أن يحلف فيها بطلاقهما ، طلقتا .

                                                                                                                                                                        قال الشيخ أبو علي : عرضت قوله على القفال وشارحي " التلخيص " فصوبوه ، والقياس أن هذه الصيغة لا تقتضي الفور ، ولا يقع الطلاق على واحدة منهما بالسكوت ، إلى أن يتحقق اليأس عن الحلف بموته أو موتها ، إذ ليس في عبارته تعرض للوقت ، بخلاف قوله : متى لم أحلف . وتابعه الإمام وغيره على قوله ، واستبعدوا كلام صاحب " التلخيص " .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        قال : إن أكلت رمانة فأنت طالق ، وإن أكلت نصف رمانة ، فأنت طالق ، فأكلت رمانة ، طلقت طلقتين . ولو كان التعليق بصيغة ( كلما ) طلقت ثلاثا ، لأنها أكلت رمانة ونصف رمانة مرتين .

                                                                                                                                                                        [ ص: 171 ] فصل

                                                                                                                                                                        تحته أربع نسوة ، فقال : من بشرتني منكن بكذا ، فهي طالق ، فبشرته واحدة بعد أخرى ، طلقت الأولى فقط ، لأن البشارة الخبر الأول . ولو شاهد هو الحال قبل أن تخبره ، فاتت البشارة ، ولو بشره أجنبي ثم ذكرته له إحداهن ، لم تطلق . وحكى الفوراني وجها ، أن البشارة لا تختص بالخبر الأول ، بل هي كقوله : من أخبرتني بكذا ، وسنذكره إن شاء الله تعالى ، والصحيح الأول ، ولو بشرته امرأتان معا ، فالمنقول أنهما تطلقان ، وفيه نظر ، فإنه لو قال : من أكلت منكما هذا الرغيف ، فهي طالق فأكلتاه ، لم تطلقا .

                                                                                                                                                                        قلت : الصواب ، أنهما تطلقان ، وليس كمسألة الرغيف ، لأنه لم تأكله واحدة منهما ، وأما البشارة ، فلفظ من ألفاظ العموم ، لا ينحصر في واحدة ، فإذا بشرتاه معا ، صدق اسم البشارة من كل واحدة ، فطلقتا . - والله أعلم .

                                                                                                                                                                        ويشترط في البشارة الصدق ، فلو قالت واحدة : كان كذا ، وهي كاذبة ، [ ثم ] ذكرته الثانية وهي صادقة ، طلقت الثانية دون الأولى ، وتحصل البشارة بالمكاتبة ، كما تحصل باللفظ ، ولو أرسلت رسولا ، لم تطلق ، لأن المبشر هو الرسول ، ذكره البغوي .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : من أخبرتني منكما بكذا ، فهي طالق ، فلفظ الخبر يقع على الكذب والصدق ، ولا يختص بالخبر الأول ، فإذا أخبرتاه صادقتين أو كاذبتين معا ، أو على الترتيب ، طلقتا جميعا ، وسواء قال : من أخبرتني منكما بقدوم زيد ، أو من أخبرتني أن زيدا قدم ، أو بأن زيدا قدم ، وحكي وجه ، فيما إذا قال : [ ص: 172 ] من أخبرني بقدوم زيد ، أنه لا يقع إذا أخبرته كاذبة ، لأن الباء للإلصاق ، فصار في معنى شرط القدوم في الإخبار ، وبهذا قال الفوراني ، والصحيح الأول .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية