الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الضرب الأول : فيه مسائل .

                                                                                                                                                                        إحداها : قال : أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا ، فالاستثناء باطل لاستغراقه .

                                                                                                                                                                        الثانية : إذا عطف بعض العدد على بعض في المستثنى أو المستثنى منه أو فيهما ، فهل يجمع بينهما ، أم لا ؟ وجهان ، أصحهما : لا يجمع ، وبه قال ابن الحداد ، ولهذا لو قال لغير المدخول بها : أنت طالق وطالق ، لا يقع إلا واحدة ، ولا ينزل منزلة : أنت طالق طلقتين ، فإذا قال : أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين وواحدة ، أو إلا اثنتين وإلا واحدة ، فعلى الجمع يكون الاستثناء مستغرقا فيقع الثلاث ، وعلى الفصل ، يختص البطلان بالواحدة التي وقع بها الاستغراق ، فتقع طلقة .

                                                                                                                                                                        ولو قال : إلا واحدة واثنتين ، فعلى الجمع يقع ثلاث ، وعلى الفصل يختص البطلان بالثنتين ، فيقع طلقتان .

                                                                                                                                                                        ولو قال : أنت طالق طلقتين وواحدة إلا واحدة ، فعلى الجمع تكون الواحدة [ ص: 93 ] مستثناة ، فيقع طلقتان ، وعلى الفصل ، لا يجمع فتكون الواحدة مستثناة من واحدة ، فيقع الثلاث . وقيل : تقع الثلاث هنا قطعا .

                                                                                                                                                                        ولو قال : أنت طالق واحدة واثنتين إلا واحدة ، صح الاستثناء على الوجهين . ولو قال : ثلاثا إلا واحدة وواحدة وواحدة ، فعلى الجمع ، يقع الثلاث ، وعلى الفصل ، يقع استثناء اثنتين دون الثالثة . ولو قال : أنت طالق واحدة وواحدة ، وواحدة إلا واحدة ، أو أنت طالق طلقة ، وطلقة ، وطلقة إلا طلقة ، فعلى الجمع يقع طلقتان . كأنه قال : ثلاثا إلا واحدة ، وعلى الفصل ، يقع ثلاث ، لأنه استثنى واحدة من واحدة ، ولو قال : واحدة ، وواحدة ، وواحدة ، إلا واحدة وواحدة وواحدة وقع الثلاث على الوجهين .

                                                                                                                                                                        ولو قال : واحدة ، بل واحدة ، ثم واحدة إلا واحدة ، فالاستثناء باطل ، ولا جمع لتغاير الألفاظ . وقيل : يصح ؛ حكاه الحناطي ، والصحيح المنع . ولو قال : أنت طالق ثلاثا إلا واحدة وواحدة ، قال الشيخ أبو علي : اتفق الأصحاب أنه يجمع بينهما ، ويصحان ولا يقع إلا ما بقي بعد الاستثناءين وهو طلقة ، وحكى ابن كج فيه وجهين ، ثانيهما : يقع ثلاث ، ويجعل قوله : وواحدة عطفا على قوله : ثلاثا كأنه قال : اثنتين وواحدة .

                                                                                                                                                                        قلت : هذا الوجه خطأ ظاهر ، وتعليله أفسد منه . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        المسألة الثالثة : سبق في الإقرار أن الاستثناء من النفي إثبات ، ومن الإثبات نفي ، فإذا قال : أنت طالق ثلاثا ، إلا اثنتين إلا واحدة ، وقع طلقتان ، وعن الحناطي احتمال ؛ أنه كقوله : إلا ثنتين وواحدة ، والصواب الأول .

                                                                                                                                                                        ولو قال : ثلاثا إلا ثلاثا إلا واحدة ، فهل يقع واحدة ، أم اثنتان ، أم ثلاث ؟ فيه أوجه ، أصحها : الأول ، ولو قال : ثلاثا إلا ثلاثا إلا اثنتين ، ففيه الأوجه ، لكن [ ص: 94 ] الأصح هنا : يقع طلقتان . ولو قال : ثلاثا إلا اثنتين ، إلا اثنتين وقعت واحدة قطعا ، ولغا الاستثناء الثاني .

                                                                                                                                                                        ولو قال : ثلاثا إلا واحدة إلا واحدة ، فهل يقع اثنتان أم ثلاث ؟ وجهان حكاهما الحناطي ، ولو قال : اثنتين إلا واحدة إلا واحدة ، فقيل : اثنتان ، وقيل : واحدة .

                                                                                                                                                                        ولو قال : ثلاثا إلا ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة ، فقيل اثنتان . وقيل : واحدة ، قال الحناطي : ويحتمل وقوع الثلاث .

                                                                                                                                                                        المسألة الرابعة : إذا زاد على العدد الشرعي ، فهل ينصرف الاستثناء إلى الملفوظ به ، أم إلى المملوك وهو الثلاث ؟ وجهان . أصحهما : إلى الملفوظ به ، وبه قال ابن الحداد ، وابن القاص ، وقال أبو علي بن أبي هريرة والطبري : إلى المملوك . فإذا قال : أنت طالق خمسا إلا ثلاثا ، وقع طلقتان على الأول ، وثلاث على الثاني .

                                                                                                                                                                        ولو قال : خمسا إلا اثنتين ، وقع ثلاث على الأول ، وواحدة على الثاني . ولو قال : أربعا إلا اثنتين ، وقع اثنتان على الأول ، وواحدة على الثاني ، ولو قال : أربعا إلا واحدة ، وقع ثلاث على الأول ، واثنتان على الثاني ، ولو قال : أربعا إلا ثلاثا ، وقع على الأول واحدة ، وعلى الثاني ثلاث ، ولو قال : ستا أو سبعا أو أكثر من ذلك إلا ثلاثا ، وقع الثلاث على الوجهين ، ولو قال : ستا إلا أربعا ، فعلى الأول : يقع طلقتان ، وعلى الثاني : ثلاث . ولو قال : أربعا إلا ثلاثا إلا اثنتين ، فعلى الأول : يقع ثلاث ، وعلى الثاني : هو كقوله : ثلاثا إلا ثلاثا إلا اثنتين . ولو قال : خمسا إلا اثنتين إلا واحدة ، فعلى الأول يقع ثلاث ، وعلى الثاني طلقتان كقوله : ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة ، ولو قال : ثلاثا وثلاثا إلا أربعا ، [ ص: 95 ] فإن جمعنا بين الجمل المعطوفة واعتبرنا الملفوظ ، فكقوله : ستا إلا أربعا ، وإلا طلقت ثلاثا .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : أنت بائن إلا بائنا ونوى بقوله : أنت بائن الثلاث ، قال إسماعيل البوشنجي : يبنى على أنه لو قال : أنت واحدة ونوى الثلاث ، هل يقع الثلاث اعتبارا بالنية أم واحدة اعتبارا باللفظ ؟ فإن غلبنا اللفظ ، بطل الاستثناء كما لو قال : أنت طالق واحدة إلا واحدة . وإن غلبنا النية ، صح الاستثناء ووقع طلقتان ، وهذا هو الذي رجحه ونصره .

                                                                                                                                                                        قلت : الأول غلط ظاهر ، فإنه لا خلاف أنه إذا قال : أنت بائن ونوى الثلاث ، وقع الثلاث ، فكيف يبنى على الخلاف في قوله : أنت واحدة ؟ ! . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        وفي معنى هذه الصورة قوله : أنت بائن إلا طالقا ونوى بقوله : بائن الثلاث . ولو قال : أنت طالق ثلاثا إلا طالقا ، صح الاستثناء كقوله : ثلاثا إلا طلقة ، وكذا لو قال : طالق وطالق وطالق إلا طالقا ونوى التكرار فيه احتمال .

                                                                                                                                                                        المسألة الخامسة : لو قدم الاستثناء على المستثنى منه ، فقال : أنت إلا واحدة طالق ثلاثا ، حكى صاحب " المهذب " عن بعض الأصحاب ، أنه لا يصح الاستثناء ويقع الثلاث ، قال : وعندي أنه يصح فيقع طلقتان .

                                                                                                                                                                        المسألة السادسة : قال : أنت طالق ثلاثا إلا نصف طلقة ، وقع الثلاث على الصحيح ، وقيل : طلقتان . ولو قال : أنت طالق ثلاثا إلا طلقة ونصفا ، فعلى الصحيح طلقتان ، وعلى الثاني طلقة . ولو قال : إلا نصفا وقع طلقة قطعا ، ولو قال : ثلاثة إلا طلقتين ونصفا ، فإن قلنا بالثاني ، فهو كقوله : ثلاثا إلا اثنتين وواحدة ، وإن قلنا بالصحيح ، فهل يقع ثلاث أم واحدة ، فيه [ ص: 96 ] احتمالان للإمام . ولو قال : أنت طالق ثلاثا إلا طلقتين إلا نصف طلقة ، وقع طلقتان . ولو قال : واحدة ونصفا إلا واحدة ، نقل الحناطي وقوع طلقة . قال : ويحتمل وقوع طلقتين . ولو قال : أنت طالق ثلاثا إلا نصفا ، قال البوشنجي : يراجع ، فإن قال : أردت : إلا نصفها ، وقع طلقتان . وإن قال : أردت إلا نصف طلقة ، طلقت ثلاثا ، ويجيء فيه الوجه الضعيف ، وإن لم تكن نية فطلقتان .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية