الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        تحته حفصة وعمرة ، فقال : يا عمرة ، فأجابته حفصة ، فقال : أنت طالق ، فإن قال : ظننت المجيبة عمرة ، لم تطلق عمرة ، لأنه لم يخاطبها بالطلاق ، بل ظن ذلك ، وظن الخطاب بالطلاق لا يقتضي وقوعه .

                                                                                                                                                                        ولهذا لو قال لزوجته : أنت طالق وهو يظنها زوجته الأخرى ، طلقت المخاطبة دون المظنونة ، ولو قال لأجنبية : أنت طالق وهو يظنها زوجته ، لم يقع الطلاق على زوجته ، وأما حفصة المخاطبة ، فيقع عليها الطلاق على الأصح .

                                                                                                                                                                        وأشار بعضهم إلى أن الخلاف في الوقوع باطنا ، وأنها تطلق ظاهرا بلا خلاف ، هذا ترتيب الأصحاب . وقال الإمام : لو قيل : تطلق حفصة ظاهرا قطعا ، وفي عمرة وجهان ، لكان محتملا ، ولو قال : علمت أن التي أجابتني حفصة ، سئل ، فإن قال : قصدت طلاق حفصة ، طلقت حفصة دون عمرة ، لأن قوله محتمل ، وإن قال : قصدت طلاق عمرة دون حفصة المجيبة ، طلقت عمرة ظاهرا وباطنا ، ويدين في حفصة ، ويقع طلاقها ظاهرا على الصحيح ، ولو كان النداء والجواب كما سبق ، لكن قال بعد جواب حفصة : زينب طالق لامرأة له ثالثة ، طلقت زينب دون حفصة وعمرة . ولو قال : أنت وزينب طالقان ، طلقت زينب ، ثم يسأل ؟ فإن قال : ظننت المجيبة عمرة ، لم تطلق عمرة ، وتطلق حفصة على الأصح . وإن قال : علمت أن المجيبة حفصة ، وقصدت طلاقها ، طلقت دون عمرة ، وإن قال : قصدت طلاق عمرة ، طلقت عمرة ظاهرا وباطنا ، وطلقت حفصة ظاهرا على الصحيح ، وهذه المسألة ليست من التعليق في شيء ، لكن التزام ترتيب الكتاب اقتضى جعلها هنا .

                                                                                                                                                                        [ ص: 173 ] فصل

                                                                                                                                                                        قال العبد لزوجته : إذا مات سيدي ، فأنت طالق طلقتين ، وقال السيد للعبد : إذا مت فأنت حر ، فمات ، نظر ، إن لم يحتمل الثلث جميع العبد رق ما زاد على الثلث ، ومن بعضه رقيق كالقن في عدد الطلاق ، فتقع الطلقتان ، وليس له رجعتها ولا نكاحها إلا بمحلل ، وإن احتمله الثلث عتق ، وفي تحريمها عليه وجهان ، أحدهما : لا تحل إلا بمحلل ، وأصحهما وبه قال ابن الحداد : لا تحرم ، فله رجعتها ، وله تجديد نكاحها بلا محلل ، لأن العتق والطلاق وقعا معا ، فلم يكن رقيقا حال الطلاق حتى يفتقر إلى محلل ، ولا تختص المسألة بموت السيد ، بل يجري الخلاف في كل صورة تعلق عتق العبد ، ووقوع طلقتين على زوجته بصفة واحدة ، كما لو قال العبد : إذا جاء الغد ، فأنت طالق طلقتين ، وقال السيد : إذا جاء الغد فأنت حر ، ولو قال العبد ، إذا عتقت فأنت طالق طلقتين ، وقال السيد : إذا جاء الغد فأنت حر ، قال الشيخ أبو علي : إذا جاء الغد ، عتق وطلقت طلقتين ، ولا تحرم عليه بلا خلاف ، لأن العتق سبق وقوع الطلاق ، ولو علق السيد عتقه بموته ، وعلق العبد الطلقتين بآخر جزء من حياة السيد ، انقطعت الرجعة ، واشترط المحلل بلا خلاف ، لأن الطلاق صادف الرق .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        من له نكاح الأمة ، نكح أمة مورثه ، ثم قال لها : إذا مات سيدك ؟ فأنت طالق ، فمات السيد وورثه الزوج ، انفسخ النكاح ، ولم يقع الطلاق على الأصح ، وقيل : يقع سواء كان على السيد دين مستغرق أم لا ، وقيل : إن كان دين مستغرق ، نفذ الطلاق تفريعا على أن الدين يمنع انتقال الملك إلى الوارث ، فعلى هذا ، إذا قضي الدين ، بان انتقال الملك إليه ، وصار الدين كالمعدوم ، والصحيح الأول .

                                                                                                                                                                        ولو علق الزوج طلاقها كما ذكرنا ، وقال السيد : إذا مت ، فأنت حرة ، فإن خرجت من الثلث ، عتقت وطلقت ، وإلا عاد الخلاف في نفوذ الطلاق ، [ ص: 174 ] فلو أجاز الزوج عتقها وكان حائزا للإرث ، أو أجاز معه باقي الورثة ، فإن قلنا : الإجازة تنفيذ ، طلقت ، لأنها لم تدخل في ملك الوارث ، وإن قلنا : عطية من الوارث ، فقد دخلت في ملكه ، ويكون وقوع الطلاق على الخلاف ، ولو كاتبها السيد ومات ، قال الشيخ أبو علي : في وقوع الطلاق الخلاف ، لأن المكاتب يورث ، ولهذا لو مات وبنته تحت مكاتبه ، انفسخ النكاح ، لأنها ورثت بعض زوجها ، وإذا لم يكن الزوج وارثا لسبب ، وقع الطلاق والانفساخ قطعا .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال الحر لزوجته الأمة : إن اشتريتك ، فأنت طالق ، وقال سيدها : إن بعتك ، فأنت حرة ، فباعها لزوجها ، عتقت في الحال ، لأنا إن قلنا : الملك في زمن الخيار للبائع أو موقوف ، فالجارية ملكه ، وقد وجدت الصفة ، وإن قلنا : الملك للمشتري ، فللبائع الفسخ ، وإعتاقه فسخ ، فتعود الجارية بالإعتاق إلى ملكه ، وأما الطلاق ، فقد أطلق ابن الحداد : أنه يقع ، قال الأصحاب : هذا تفريع على أن الملك في زمن الخيار للبائع ، فإن النكاح على هذا القول باق ، وقد وجد شرط الطلاق ، فيقع ، وكذا الحكم على قولنا : موقوف ، لأنه لم يتم البيع ، وأما إذا قلنا : الملك للمشتري ، فلا يقع الطلاق على الأصح ، كالمسألة السابقة في الفرع السابق ، ولو قال : إن ملكتك بدل اشتريتك ، لم يجئ فيه إلا هذا الخلاف الأخير ، ولو اشترى زوجته الأمة وطلقها في زمن الخيار ، فإن قلنا : الملك للبائع ، نفذ الطلاق ، وإن قلنا : للمشتري ، فلا ، وإن قلنا : موقوف ، فإن لم يتم البيع ، طلقت ، وإلا فلا ، قال الشيخ أبو علي : ومتى وقع الطلاق ثم تم البيع ، فإن كان الطلاق رجعيا ، فله الوطء بملك اليمين ، ولا يلزم الصبر إلى [ ص: 175 ] انقضاء العدة ، لأنها عدته ، كما له نكاح مختلعته في العدة ، وإن كان الطلاق بالثلاث ، فليس له وطؤها بملك اليمين قبل محلل على الأصح .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        قال : أنت طالق يوم يقدم زيد ، فقدم نهارا ، طلقت ، وهل يقع الطلاق عقب القدوم ، أم نتبين وقوعه من طلوع الفجر ؟ وجهان . أصحهما الثاني ، وبه قال ابن الحداد ، لأن الطلاق مضاف إلى يوم القدوم ، فأشبه قوله : يوم الجمعة ، فلو ماتت ، ثم قدم زيد ذلك اليوم ، فعلى الوجه الثاني ، ماتت مطلقة ، فلا يرثها الزوج إن كان الطلاق بائنا ، وكذلك لو مات الزوج بعد الفجر ، فقدم زيد في يومه ، لم ترث هي منه ، وعلى الوجه الأول ثبت الإرث ، ولو خالعها في أول النهار ثم قدم ، فعلى الوجه الأول الخلع صحيح ، ولا تطلق بالقدوم ، وعلى الثاني ، الخلع باطل إن كان الطلاق المعلق بائنا ، وإن كان رجعيا ، فعلى الخلاف في خلع الرجعية ، ولو كانت طاهرا في أول النهار فحاضت ، ثم قدم ، فعلى الوجه الثاني ، تحسب بقية ذلك الطهر قرءا ، وعلى الأول بخلافه ، ويجري الخلاف فيما لو قال : عبدي حر يوم يقدم زيد ، فباعه ، ثم قدم زيد في يوم البيع ، هل يصح البيع أم لا ؟ ولو قدم زيد ليلا ، لم تطلق على المذهب ، وبه قطع الجمهور . وقيل : وجهان ، لأن اليوم قد يستعمل في مطلق الوقت .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        قال : أنت طالق هكذا ، وأشار بإصبع ، طلقت طلقة ، وإن أشار بإصبعين ، فطلقتين ، أو بثلاث فثلاثا ، قال الإمام : هذا إذا أشار إشارة مفهمة للطلقتين أو [ ص: 176 ] الثلاث ، وإذا حصلت الإشارة المعتبرة ، فقال : أردت الإشارة بالإصبعين المقبوضتين ، صدق بيمينه للاحتمال ، وإن قال : أردت واحدة ، لم يقبل على الأصح . وقال صاحب " التقريب " : يقبل ، وإن قال : أنت طالق ، وأشار بالأصابع ولم يقل : هكذا ، لم يحكم بوقوع العدد إلا بالنية ، ولو قال : أنت هكذا ، وأشار بإصبعه الثلاث ، ففي فتاوى القفال : أنه إن نوى الطلاق ، طلقت ثلاثا ، وإلا فلا ، كما لو قال : أنت ثلاثا ولم ينو بقلبه . وقال غيره : ينبغي أن لا تطلق وإن نوى ، لأن اللفظ لا يشعر بطلاق .

                                                                                                                                                                        قلت : هذا الثاني أصح ، ويوافقه ما قطع به صاحب " المهذب " فقال : لو قال : أنت ، وأشار بأصابعه الثلاث ، ونوى الطلاق ، لا يقع ، لأنه ليس فيه لفظ طلاق ، والنية لا يقع بها طلاق من غير لفظ . - والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : إن دخلت الدار ، أو كلمت زيدا ، فأنت طالق ، أو أنت طالق إن دخلت الدار ، أو كلمت زيدا ، طلقت بأيهما وجد ، وتنحل اليمين ، فلا يقع بالصفة الأخرى شيء ، ولو قال : إن دخلت الدار ، وإن كلمت زيدا ، فأنت طالق ، أو أنت طالق إن دخلت الدار ، وإن كلمت زيدا ، أو قال : إن دخلت هذه الدار ، وإن دخلت الأخرى ، فأنت طالق ، أو قال : إن دخلت هذه الدار ، فأنت طالق ، وإن دخلت الأخرى ، وقع بالصفتين طلقتان ، وبإحداهما طلقة .

                                                                                                                                                                        ولو قال : إن دخلت وكلمت زيدا ، فأنت طالق ، فلا بد من وجودهما ، وتقع طلقة واحدة ، وسواء تقدم الكلام على الدخول أو تأخر ، وأشار في " التتمة " ، إلى وجه في اشتراط تقدم الدخول ، تفريعا على أن الواو تقتضي الترتيب .

                                                                                                                                                                        [ ص: 177 ] ولو قال : إن دخلت الدار ، فكلمت زيدا ، أو ثم كلمت زيدا ، فلا بد منهما ، ويشترط تقدم الدخول ، ولو قال : إن دخلت الدار ، إن كلمت زيدا ، فأنت طالق ، أو قال : أنت طالق إن دخلت ، إن كلمت ، فلا بد منهما ، ويشترط تقدم المذكور آخرا على المذكور أولا ، ويسمى هذا اعتراض الشرط على الشرط ، لأنه جعل الكلام شرطا لتعليق الطلاق بالدخول ، والتعليق يقبل التعليق ، كما أن التنجيز يقبله ، ولهذا يصح أن يقول لعبده : إن دخلت الدار فأنت مدبر ، ومن هذا الباب قوله تعالى : ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم [ هود : 34 ] وفي فتاوى القفال : أنه يشترط تقدم المذكور أولا ، فإن قدمت الثاني ، لم تطلق ، وهذا غريب ضعيف .

                                                                                                                                                                        ومال إمام الحرمين إلى أنه لا يشترط بالترتيب ، ويتعلق الطلاق بحصولهما كيف كان ، والصحيح الذي عليه الجماهير ، هو الأول ، قالوا : فإذا كلمته في المثال المذكور ثم دخلت ، طلقت ، وإن دخلت ثم كلمته ، لم تطلق .

                                                                                                                                                                        قال المتولي : وتنحل اليمين ، فلو كلمته بعد ذلك ثم دخلت ، لم تطلق ، لأن اليمين تنعقد على المرة الأولى ، وسواء كانت صيغة الشرط في الصفتين إن أو غيرها ، وسواء اتحدت الصيغة أم لا ، حتى لو قال : أنت طالق إذا دخلت ، إذا كلمت ، أو قال : إن دخلت إن كلمت ، أو بالعكس ، أو قال : متى كلمت ، فالحكم كما سبق ، ولو قال : إن أعطيتك ، إن وعدتك ، إن سألتني فأنت طالق ، اشترط وجود السؤال ، ثم الوعد ، ثم العطية ، والمعنى : إن سألتني فوعدتك فأعطيتك فأنت طالق ،

                                                                                                                                                                        [ وذكر صاحب " المهذب " أنه لو قال : إن سألتني إن أعطيتك إن وعدتك فأنت طالق ] اشترط السؤال ، ثم الوعد ، ثم العطية ، لكن مقتضى ما تمهل أنه يشترط وجود الوعد ، ثم العطية ، ثم السؤال ، والمعنى : إن [ ص: 178 ] سألتني وأعطيتك إن وعدتك ، فأنت طالق ، وكأنه صور رجوع الكل إلى مطلوب واحد ، ولم ير للوعد معنى بعد العطية ، ولا للسؤال معنى بعد الوعد والعطية ، فحمله على ما ذكرناه .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : إن دخلت الدار فأنت طالق ، إن كلمت زيدا ، فقد يريد إذا دخلت الدار تعلق طلاقها بالكلام ، وقد يريد إذا كلمته تعلق طلاقها بالدخول ، فيراجع ، ويعمل بتفسيره .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : إن كلمت زيدا وعمرا ، أو بكرا مع عمرو ، فأنت طالق ، فإنما تطلق إذا كلمت زيدا وعمرا ، والأصح اشتراط كون بكر مع عمرو وقت تكليمه ، كما لو قال : إن كلمت فلانا وهو راكب .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال المتولي : عادة البغداديين إذا أراد أحدهم تعليقا بالدخول يقول : أنت طالق لا دخلت ، كما يقول الحالف ، والله لا أدخل ، والمعنى : إن دخلت فأنت طالق ، وعلى هذه العادة قال ابن الصباغ : لو قال : أنت طالق لا كلمت زيدا وعمرا وبكرا ، فكلمتهم ، طلقت وإن كلمت بعضهم ، لم تطلق . ولو قال : لا كلمت زيدا وعمرا ولا بكرا ، فأيهم كلمته طلقت .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        ذكر ابن سريج ، أنه لو قال : أنت طالق إن كلمت زيدا حتى يدخل عمرو [ ص: 179 ] الدار ، أو إلى أن يدخل ، فالغاية تتعلق بالشرط ، لا بنفس الطلاق ، والمعنى : أنت طالق إن كلمت زيدا قبل دخول عمرو الدار .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية