الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        [ ص: 284 ] الشرط الثاني : السلامة من كل عيب يضر بالعمل إضرارا بينا ، فلا يجزئ الزمن ، ولا من يجن أكثر الأوقات ، فإن كانت إفاقته أكثر ، أجزأ ، وكذا إن استويا على الأصح .

                                                                                                                                                                        قلت : هذا الذي ذكره فيمن يجن ويفيق ، هو المذهب . وفي " المستظهري " وجه أنه لا يجزئ وإن كانت إفاقته أكثر ، وهو غلط مخالف نص الشافعي والأصحاب والدليل .

                                                                                                                                                                        واختار صاحب " الحاوي " طريقة حسنة فقال : إن كان زمن الجنون أكثر ، لم يجزئه ، وإن كانت الإفاقة أكثر ، فإن كان يقدر على العمل في الحال ، أجزأ ، وإن كان لا يقدر على العمل إلا بعد حين ، لم يجزئ . قال : ويجزئ المغمى عليه ، لأن زواله مرجو . - والله أعلم .

                                                                                                                                                                        ولا يجزئ مريض لا يرجى زوال مرضه ، كصاحب السل ، فإن رجي ، أجزأ ، فلو أعتق من لا يرجى ، فزال مرضه ، أو من يرجى فمات ولم يزل ، أجزأه على الأصح فيهما ، ولو أعتق من وجب عليه قتل ، قال القفال : إن أعتقه قبل أن يقدم للقتل ، أجزأه ، وإلا فلا ، كمريض لا يرجى ، ولا يجزئ مقطوع إحدى الرجلين ، ولا مقطوع أنملة من إبهام اليد ، ويجزئ مقطوع أنملة من غيرها ، حتى لو قطع أنامله العليا من أصابعه الأربع ، أجزأه ، ولا يجزئ مقطوع أنملتين من السبابة ، أو الوسطى ، ويجزئ مقطوع جميع الخنصر من يد ، والبنصر من اليد الأخرى ، ولا يجزئ مقطوعهما من يد واحدة ، ويجزئ مقطوع جميع أصابع الرجلين على الصحيح . وقال ابن أبي هريرة : هو كقطع أصابع اليدين ، والأشل كالأقطع .

                                                                                                                                                                        قلت : الذي قاله الرافعي في أصابع الرجلين ، هو المعروف في طريقة [ ص: 285 ] الخراسانيين ، وخالفهم صاحب " الحاوي " ، فجزم بأنه إذا قطع أصبعان من رجل واحدة ، أو الإبهام وحدها من رجل ، لم يجزئ ، وإلا فيجزئ . - والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        يجزئ نضو الخلق الذي يقدر على العمل ، والأحمق ، وهو من يضع الشيء في غير موضعه مع علمه بقبحه ، ويجزئ الشيخ الكبير ، إلا أن يعجز عن العمل والكسب . وفي " التجربة " للروياني ، أن الأصحاب قالوا : يجزئ الشيخ الكبير ، ومنعه القفال إذا عجز عن العمل ، وهو الأصح ، وفي هذا إثبات خلاف في الشيخ العاجز ، ويجزئ الأعرج ، إلا أن يكون العرج شديدا يمنع متابعة المشي ، ويجزئ الأعور دون الأعمى .

                                                                                                                                                                        قلت : المراد أعور لم يضعف نظر عينه السليمة . قال الشافعي - رحمه الله - في " الأم " : فإن ضعف بصرها ، فأضر بالعمل إضرارا بينا ، لم يجزئه ، قال صاحب " الحاوي " : إن كان ضعف البصر يمنع معرفة الخط وإثبات الوجوه القريبة منع ، وإلا فلا . - والله أعلم .

                                                                                                                                                                        ويجزئ الأصم ، وحكي فيه قول ، ومنهم من لم يثبته ، وحمل ما نقل على ما إذا كان لا يسمع مع المبالغة في رفع الصوت ، ويجزئ الأخرس الذي يفهم الإشارة .

                                                                                                                                                                        وعن القديم منعه ، فقيل : قولان ، والصحيح أنهما على حالين ، فالإجزاء فيمن يفهم الإشارة ، والمنع فيمن لا يفهمها . وقيل : الإجزاء إذا لم ينضم إلى الخرس صمم ، والمنع إذا انضم ، وحكى ابن كج عن ابن الوكيل القطع بالمنع إذا انضم ، وقولين إذا تجرد الخرس . ويجزئ الأقرع ، ومقطوع الأذنين ، والأخشم ، ومقطوع الأنف ، والأبرص ، والمجذوم ، والخصي ، والمجبوب ، والأمة ، والرتقاء ، والقرناء ، ومفقود الأسنان ، وولد [ ص: 286 ] الزنا ، وضعيف البطش ، والصغير ، ولا يجزئ الجنين وإن انفصل لدون ستة أشهر من حين الإعتاق ، وقيل : إن انفصل لذلك ، تبينا الإجزاء ، ولا يحكم في الحال بالإجزاء ، والصحيح الأول .

                                                                                                                                                                        قلت : قال صاحب " الحاوي " : يجزئ عتق من لا يحسن صنعة ، قال الإمام : ولا يؤثر ضعيف الرأي والخرق ، والكوع والوكع ، ويجزئ الفاسق .

                                                                                                                                                                        قال صاحب " الحاوي " : وأما شجاج الرأس والبدن ، فإن كانت مندملة مع سلامة الأعضاء ، لم تضر وإن شانته ، وإن كانت غير مندملة ، أجزأ منها ما كان دون مأمومة الرأس وجائفة البدن ، لأنها غير مخوفة ، ولا يجزئان لأنهما مخوفتان . - والله أعلم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية