الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومنها المضاربة تنفسخ بفسخ المالك لها ولو كان المال عرضا ولكن للمضارب بيعه بعد الفسخ لتعلق حقه بربحه ذكره القاضي في خلافه وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الشيخ ابن منصور وذكر القاضي في المجرد وابن عقيل في باب الشركة أن المضارب لا ينعزل ما دام عرضا بل يملك التصرف حتى ينض رأس [ المال ] وليس للمالك عزله وإن هذا ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل وذكرا في المضاربة أنه ينعزل بالنسبة إلى الشراء دون البيع وحمل صاحب المغني مطلق كلامهما في الشركة على هذا التقييد ومعناه أن المضارب بعد الفسخ يملك تنضيض المال وليس للمالك منعه من ذلك إذا كان فيه ربح لكن ابن عقيل صرح في موضع آخر بأن العامل لا يملك الفسخ حتى ينض رأس المال مراعاة لحق [ ص: 112 ] مالكه ثم قال ابن عقيل إذا قصد المالك بعزله الحيلة لاقتطاع الربح مثل أن يشتري متاعا يرجو به الربح في موسم فينفسخ قبله ليقومه بسعر يومه ويأخذه لم ينفسخ في حق المضارب في الربح وإذا جاء الموسم أخذ حصته منه فجعل العقد باقيا بالنسبة إلى استحقاق نصيبه من الربح الذي أراد المالك إسقاطه بعد انعقاد سببه بعمل المضارب فهو كالفسخ بعد ظهور الربح وقال ابن عقيل أيضا في باب الجعالة المضاربة كالجعالة لا يملك رب المال فسخها بعد تلبس العامل بالعمل وأطلق ذلك وقال في مفرداته إنما يملك المضارب الفسخ بعد أن ينض رأس المال ويعلم رب المال أنه أراد الفسخ لئلا يتمادى به الزمان فيتعطل عليه الأرباح . قال وهذا هو دوران بمذهبنا وأنه لا يحل لأحد المتعاقدين في الشركة والمضاربات الفسخ مع كتم شريكه لأنه ذريعة إلى غاية الإضرار وهو تعطيل المال عن الفوائد والأرباح ولهذا لا يملك عندنا فسخها ورأس المال قد صار عروضا لكن إذا باع ونض رأس المال ينفسخ انتهى .

وحاصله أنه لا يجوز للمضارب الفسخ حتى ينض رأس المال ويعلم به ربه لئلا يتضرر بتعطيل ماله عن الربح كما ذكر أنه في الفضول أن المالك لا يملك الفسخ إذا توجه المال إلى الربح ولا يسقط به حق العامل وهو حسن جار على قواعد المذهب في اعتبار المقاصد وسد الذرائع ولهذا قلنا إن المضارب إذا ضارب لآخر من غير علم الأول وكان عليه في ذلك ضرر رد حقه من الربح في شركة الأول مع مخالفته لإطلاق الأكثرين أنه إذا فسخ قبل الظهور فلا شيء له وأما ما ذكره في باب الجعالة ففيه بعد إلا أن ينزل على مثل هذا الحال مع أن القاضي ذكر مثله أيضا في باب الجعالة .

التالي السابق


الخدمات العلمية