الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 462 - 463 ] قال ( ثم يقيم بمكة حراما ) لأنه محرم بالحج فلا يتحلل قبل الإتيان بأفعاله ، قال ( ويطوف بالبيت كلما بدا له ) لأنه [ ص: 464 - 465 ] يشبه الصلاة . قال عليه الصلاة والسلام { الطواف بالبيت صلاة . والصلاة خير موضوع ، فكذا الطواف } إلا أنه لا يسعى عقيب هذه الأطوفة في هذه المدة لأن السعي لا يجب فيه إلا مرة . والتنفل بالسعي غير مشروع . ويصلي لكل أسبوع ركعتين ، وهي ركعتا الطواف على ما بينا .

التالي السابق


( قوله ثم يقيم بمكة حراما لأنه محرم بالحج فلا يتحلل قبل الإتيان بأفعاله ) خلافا للحنابلة والظاهرية وعامة أهل الحديث في قولهم : إنه يفسخ الحج إذا طاف للقدوم إلى عمرة ، وظاهر كلامهم أن هذا واجب . وقال بعض الحنابلة : نحن نشهد الله أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضا فسخه إلى عمرة تفاديا من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن في السنن عن البراء بن عازب رضي الله عنه { خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأحرمنا بالحج ، فلما قدمنا مكة قال : اجعلوها عمرة ، فقال الناس : يا رسول الله قد أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة ؟ قال : انظروا ما آمركم به فافعلوا ، فردوا عليه القول فغضب ، ثم انطلق حتى دخل على عائشة رضي الله عنها غضبان ، فرأت الغضب في وجهه ، فقالت : من أغضبك أغضبه الله ؟ قال : وما لي لا أغضب وأنا آمر أمرا فلا أتبع }

وفي لفظ لمسلم { دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان فقلت : ومن أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار ؟ قال : أوما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون }

الحديث . وقال سلمة بن شبيب لأحمد : كل أمرك عندي حسن إلا خلة واحدة قال : وما هي ؟ قال : تقول بفسخ الحج إلى العمرة ، فقال : يا سلمة كنت أرى لك عقلا ، عندي في ذلك أحد عشر حديثا صحاحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتركها لقولك ؟ ولتورد منها ما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما { قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم ، فقالوا : يا رسول الله أي الحل ؟ قال : الحل كله } وفي لفظ { وأمر أصحابه أن يحلوا إحرامهم بعمرة إلا من كان معه الهدي } وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه { أهل عليه الصلاة والسلام وأصحابه بالحج ، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة إلى أن قال فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعلوها عمرة } الحديث . وفيه قالوا { ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر } يعنون الجماع جاء مفسرا في مسند أحمد { قالوا : يا رسول الله أيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منيا ؟ قال : نعم عاد للحديث قبله فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أن معي الهدي لأحللت } وفي لفظ { فقام فينا فقال : قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ، ولولا هديي لحللت كما تحلون } وفي لفظ في الصحيح أيضا { أمرنا لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى قال : فأهللنا من الأبطح ، فقال سراقة بن مالك بن جعشم : يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد } .

وفي لفظ { أرأيت متعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد } وفي السنن عن الربيع بن سبرة عن أبيه { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجي : يا رسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم ، فقال : إن الله عز وجل قد أدخل عليكم في حجكم عمرة ، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وسعى [ ص: 464 ] بين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان أهدى } وظاهر هذا أن مجرد الطواف والسعي يحلل المحرم بالحج ، وهو ظاهر مذهب ابن عباس رضي الله عنهما ، قال عبد الرزاق : حدثنا معمر عن قتادة عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال " من جاء مهلا بالحج فإن الطواف بالبيت يصيره إلى العمرة شاء أو أبى ، قلت : إن الناس ينكرون ذلك عليك ، قال : هي سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وإن رغموا " وقال بعض أهل العلم : كل من طاف بالبيت ممن لا هدي معه من مفرد أو قارن أو متمتع فقد حل إما وجوبا وإما حكما ، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم { إذا أدبر النهار من هاهنا وأقبل الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم } أي حكما أي دخل وقت فطره ، فكذا الذي طاف إما أن يكون قد حل .

وإما أن يكون ذلك الوقت في حقه ليس وقت إحرام ، وعامة الفقهاء المجتهدين على منع الفسخ . والجواب : أولا بمعارضة أحاديث الفسخ بحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بالحج ومنا من أهل بالعمرة ومنا من أهل بالحج والعمرة ، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج ، فأما من أهل بالعمرة فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة . وأما من أهل بالحج أو بالحج والعمرة فلم يحلوا إلى يوم النحر }

وبما صح عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال " لم يكن لأحد بعدنا أن يصير حجته عمرة إنها كانت رخصة لنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم " وعنه كان يقول فيمن حج ثم فسخها عمرة " لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم " رواه أبو داود عنه .

وروى النسائي عنه بإسناد صحيح نحوه . ولأبي داود بإسناد صحيح عن عثمان رضي الله عنه " أنه سئل عن متعة الحج فقال : كانت لنا ليست لكم " . وفي سنن أبي داود والنسائي من حديث بلال بن الحارث عن أبيه قال { قلت : يا رسول الله أرأيت فسخ الحج في العمرة لنا خاصة أم للناس عامة ؟ فقال : بل لنا خاصة } ولا يعارضه حديث سراقة حيث قال : { ألعامنا هذا أم للأبد ؟ فقال له : للأبد } لأن المراد ألعامنا فعل العمرة في أشهر الحج أم للأبد ، لا أن المراد فسخ الحج إلى العمرة .

وذلك أن سبب الأمر بالفسخ ما كان إلا تقديرا لشرع العمرة في أشهر الحج ، ما لم يكن مانع سوق الهدي . وذلك أنه كان مستعظما عندهم حتى كانوا يعدونها في أشهر الحج من أفجر الفجور فكسر سورة ما استحكم في نفوسهم من الجاهلية من إنكارها بحملهم على فعله بأنفسهم ، يدل على هذا ما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال { كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا ويقولون : إذا برا الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر ، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصبيحة رابعة مهلين بالحج ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة ، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا : يا رسول الله أي الحل ؟ قال : الحل كله } فلو لم يكن حديث بلال بن الحارث ثابتا كما قال الإمام أحمد حيث قال : لا يثبت عندي ، ولا يعرف هذا الرجل . كان حديث ابن عباس هذا صريحا في كون سبب الأمر بالفسخ هو قصد محو ما استقر في نفوسهم في الجاهلية بتقرير الشرع بخلافه ، ألا ترى إلى ترتيبه الأمر بالفسخ على ما كان عندهم من ذلك بالفاء ، غير أنه رضي الله عنه بعد ذلك ظن أن هذا الحكم مستمر بعد إثارة السبب إياه كالرمل والاضطباع فقال به .

وظهر لغيره كأبي ذر وغيره أنه منقض بانقضاء سببه ذلك ، ومشى عليه محققو الفقهاء المجتهدين . وهو أولى لو كان قول أبي ذر عن رأي لا عن نقل عنه عليه الصلاة والسلام ، لأن الأصل المستمر [ ص: 465 ] في الشرع عدم استحباب قطع ما شرع فيه من العبادات وإبدالها بغيرها مما هو مثلها . فضلا عما هو أخف منها ، بل يستمر فيما شرع فيه حتى ينهيه ، وإذا كان الفسخ ينافي هذا مع كون المثير له سببا لم يستمر وجب أن يحكم برفعه مع ارتفاعه .

ثم بعد هذا رأيت التصريح في حديث سراقة بكون المسئول عنه العمرة لا الفسخ في كتاب الآثار في باب التصديق بالقدر .

محمد بن الحسن قال : أخبرنا أبو حنيفة قال : حدثنا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { سأل سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي قال : يا رسول الله أخبرنا عن عمرتنا هذه ألعامنا هذا أم للأبد ؟ فقال : للأبد } ، فقال : أخبرنا عن ديننا هذا كأنما خلقنا له في أي شيء العمل ، في شيء قد جرت به الأقلام وثبتت به المقادير أم في شيء يستأنف له العمل ؟ قال : في شيء جرت به الأقلام وثبتت به المقادير وساق الحديث إلى آخره ، فقول أحمد رحمه الله : عندي أحد عشر حديثا إلخ لا يفيد لأن مضمونها لا يزيد على أمرهم بالفسخ والعزم عليهم فيه ، وغضبه على من تردد استشفاق لاستحكام نفرتهم من العمرة في أشهر الحج ونحن لا ننكر ذلك وإن كان حديث عائشة الذي عارضنا به يفيد خلافه ، وإنما الكلام في أنه شرع في عموم الزمان ذلك الفسخ أولا ، وشيء منها لا يمسه سوى حديث سراقة بتلك الراوية ، وقد بينا المراد وبه وأثبتناه مرويا ، وثبت أنه حكم كان لقصد تقرير الشرع المستحكم في نفوسهم ضده .

وكذا إعادة الشارع إذا أورد حكما يستعظم لأحكام ضده المنسوخ في شريعتنا يرد بأقصى المبالغات ليفيد استئصال ذلك التمكن المرفوض كما في الأمر بقتل الكلاب لما كان المتمكن عند هم مخالطتها . وعدها من أهل البيت ، حتى انتهوا فنسخ ، فكذا هذا لما استقر الشرع عند هم وانقشع غمام ما كان في نفوسهم من منعه .

رجع الفسخ وصار الثابت مجرد جواز لعمرة في أشهر الحج ، والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة الحال ( قوله قال عليه الصلاة والسلام { الطواف بالبيت صلاة } ) إلا أن الله قد أحل فيه المنطق ، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير ، هذا الحديث روي مرفوعا وموقوفا ، أما المرفوع فمن رواية سفيان عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أخرجها الحاكم وابن حبان ، ومن رواية موسى بن أعين عن ليث بن أبي سليم عن عطاء عن طاوس مرفوعا باللفظ المذكور ، أخرجها البيهقي .

ومن رواية الباغندي يبلغ به ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا ، رواه البيهقي وقال : ولم يصنع الباغندي شيئا في رفعه لهذا الحديث ، فقد رواه ابن جريج وأبو عوانة عن إبراهيم بن ميسرة موقوفا وبهذا عرف وقفه ، ولا يخفى أن عطاء بن السائب من الثقات غير أنه اختلط ، فمن روى عنه قبل الاختلاط فحديثه حجة ، قيل : وجميع من روي عنه روى بعد الاختلاط إلا شعبة وسفيان . وهذا من حديث سفيان عنه .

وأيضا فقد تابعه على رفعه من سمعت فيقوى ظن رفعه لو لم يكن من رواية سفيان عنه . وأسنده الطبراني من حديث طاوس عن ابن عمر رضي الله عنهما لا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 466 ] قال { الطواف بالبيت صلاة فأقلوا فيه الكلام } وسنذكره من رواية الترمذي أيضا




الخدمات العلمية