الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يومها إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدرك الحج ) فأول وقت الوقوف بعد الزوال عندنا لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام وقف بعد الزوال ، وهذا بيان أول الوقت . وقال عليه الصلاة والسلام { من أدرك عرفة بليل فقد أدرك [ ص: 509 ] الحج ، ومن فاته عرفة بليل فقد فاته الحج } وهذا بيان آخر الوقت . ومالك رحمه الله إن كان يقول : إن أول وقته بعد طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس فهو محجوج عليه بما روينا ( ثم إذا وقف بعد الزوال وأفاض من ساعته أجزأه ) عندنا لأنه صلى الله عليه وسلم ذكره بكلمة أو فإنه قال { الحج عرفة فمن وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه } وهي كلمة التخيير .

وقال مالك : لا يجزيه إلا أن يقف في اليوم وجزء من الليل ، ولكن الحجة عليه ما رويناه

التالي السابق


( قوله لما روي { أن النبي عليه الصلاة والسلام وقف بعد الزوال } ) تقدم في حديث جابر الطويل ، وقال { من أدرك عرفة } إلخ رواه الدارقطني عنه صلى الله عليه وسلم { من وقف بعرفة بليل فقد أدرك الحج ، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج ، فليحل بعمرة وعليه الحج من قابل } وفي سنده رحمة بن مصعب قال الدارقطني : ولم يأت به غيره [ ص: 509 ] وفي ذكر الجملتين معا أحاديث أخر لم تسلم ، وأخرجه الأربعة مقتصرا على الجملة الأولى عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي { أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة فسألوه ، فأمر مناديا ينادي : الحج عرفة ، فمن جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج } . الحديث ، وما أظن أن في معنى الجملة الثانية خلافا بين الأئمة فيحتاج إلى إثباته .

ورواه الحاكم وصححه ، وعبد الرحمن هذا ذكره البغوي في الصحابة وروى له الترمذي والنسائي حديثا آخر في النهي عن المزفت ، وبه بطل قول ابن عبد البر لم يرو عنه غير هذا الحديث ( قوله فهو محجوج عليه بما روينا ) حجة مالك الحديث الذي سنذكره من قوله عليه الصلاة والسلام { الحج عرفة ، فمن وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه } وتقدم من حديث عروة بن مضرس وليس فيه لفظ الحج عرفة ، وهو في حديث الديلي ، فمجموع هذا اللفظ يتحصل من مجموع الحديثين .

وحاصل حجة المصنف أن فعله عليه الصلاة والسلام كان من الزوال ، وهو وقع بيانا لوقت الوقوف الذي دلت الإشارة على افتراضه في قوله تعالى { فإذا أفضتم من عرفات } وعليه أن يقال : إنما يلزم لو لم يثبت غير ذلك الفعل ، فأما إذا ثبت قول أيضا فيه يصرح بأن وقته لا يقتصر على ذلك القدر عرف به أن فعله كان بيانا لسنة الوقوف الأولى فيه ، ويثبت بالقول بيان أصل الوقت المباح وغيره ، فقول ابن عمر رضي الله عنهما للحجاج حين زالت الشمس : الساعة إن أردت السنة ، مراد به السنة الاصطلاحية في عرف الفقهاء ، ألا ترى أنه لا يتعين الذهاب إلى الموقف من ذلك الوقت بل لو أخره جاز ( قوله وقال مالك رحمه الله : لا يجزيه إن وقف من النهار إلا أن يقف في اليوم وجزء من الليل ) التحرير في العبارة أن يقال : وقال مالك : لا يجزيه إن وقف من النهار إلا أن يقف معه جزءا من الليل ، وهذا لأنه إذا لم [ ص: 510 ] يقف إلا من الليل أجزأه عنده .

والحاصل أنه يلزم الجمع بين جزء من الليل مع جزء من النهار لمن وقف بالنهار وهو بأن يفيض بعد الغروب ، وملجؤه فعله صلى الله عليه وسلم . ووجه الاستدلال به مثل ما قلنا معه في أن أول الوقت من الزوال .

ويرد عليه هنا مثل ما أوردناه علينا من جهته هناك ، وهو أنه قد ثبت قول يفيد عدم تعين ذلك ، وبه يقع البيان كالفعل فتحمل الإفاضة بعد الغروب على أنه السنة الواجبة ، وقبله على أنه الركن بالقول المذكور مع ترك الواجب




الخدمات العلمية