الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( وإذا زالت الشمس يصلي الإمام بالناس الظهر والعصر فيبتدئ فيخطب خطبة ( بعد الوقوف بعرفات ) يعلم فيها الناس الوقوف بعرفة والمزدلفة ورمي الجمار والنحر والحلق وطواف الزيارة [ ص: 469 ] يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة كما في الجمعة ) هكذا فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام . وقال مالك رحمه الله : يخطب بعد الصلاة ، لأنها خطبة وعظ وتذكير فأشبه خطبة العيد . ولنا ما روينا ، ولأن المقصود منها تعليم المناسك والجمع منها . وفي ظاهر المذهب : إذا صعد الإمام المنبر فجلس أذن المؤذنون كما في الجمعة . وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه يؤذن قبل خروج الإمام . وعنه أنه يؤذن بعد الخطبة . والصحيح ما ذكرنا لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما خرج واستوى على ناقته أذن المؤذنون بين يديه . ويقيم المؤذن بعد الفراغ من الخطبة لأنه أوان الشروع في الصلاة فأشبه الجمعة . قال ( ويصلي بهم الظهر العصر في وقت الظهر بأذان وإقامتين ) وقد [ ص: 470 ] ورد النقل المستفيض باتفاق الرواة بالجمع بين الصلاتين ، وفيما روى جابر رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما بأذان وإقامتين } ، ثم بيانه أنه يؤذن للظهر ويقيم للظهر ثم يقيم للعصر لأن العصر يؤدى قبل وقته المعهود فيفرد بالإقامة إعلاما للناس ( ولا يتطوع بين الصلاتين ) تحصيلا لمقصود الوقوف ولهذا قدم العصر على وقته ، فلو أنه فعل فعلا مكروها وأعاد الأذان للعصر في ظاهر الرواية ، خلافا لما روي عن محمد رحمه الله لأن الاشتغال بالتطوع أو بعمل آخر يقطع فور الأذان الأول فيعيده للعصر ( فإن صلى بغير خطبة أجزأه ) لأن هذه الخطبة ليست بفريضة .

التالي السابق


( قوله وإذا زالت الشمس ) ظاهر هذا التركيب الشرطي إعقاب الزوال بالاشتغال بمقدمات الصلاة من غير تأخير ، ويدل عليه حديث ابن عمر رضي الله عنهما في أبي داود ومسند أحمد { غدا عليه الصلاة والسلام من منى حين طلع الصبح في صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة فنزل بنمرة وهو منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة ، حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح عليه الصلاة والسلام مهجرا فجمع بين الظهر والعصر ، ثم خطب الناس } الحديث ، وظاهره تأخير الخطبة عن الصلاة ، وعن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جاء إلى الحجاج يوم عرفة حين زالت الشمس وأنا معه فقال : الرواح إن كنت تريد السنة فقال : هذه الساعة ؟ قال نعم ، قال سالم : فقلت للحجاج : إن كنت تريد السنة فأقصر الخطبة وعجل الصلاة ، فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : صدق .

[ ص: 469 ] رواه البخاري والنسائي رحمهما الله ( قوله فيخطب خطبتين ويجلس بينهما كالجمعة ) ثم قال المصنف ( هكذا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ولا يحضرني حديث فيه تنصيص على خطبتين كالجمعة ، بل ما أفاد أنه خطب قبل صلاة الظهر من حديث جابر الطويل وحديث عبد الله بن الزبير من المستدرك ، وحديث أبي داود عن ابن عمر رضي الله عنهما يفيد أنهما بعد الصلاة وقال فيه " فجمع بين الظهر والعصر ثم خطب الناس ثم راح فوقف على الموقف من عرفة " وهو حجة لمالك في الخطبة بعد الصلاة .

قال عبد الحق : وفي حديث جابر الطويل أنه خطب قبل الصلاة ، وهو المشهور الذي عمل به الأئمة والمسلمون ، أعل هو وابن القطان حديث ابن عمر رضي الله عنه بابن إسحاق .

نعم ذكر صاحب المنتقى عن جابر قال { راح النبي صلى الله عليه وسلم إلى الموقف بعرفة فخطب الناس الخطبة الأولى ، ثم أذن بلال ، ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة الثانية ، ففرغ من الخطبة الثانية وبلال من الأذان ، ثم أقام بلال فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر } رواه الشافعي ، وهذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام ساوق الأذان بخطبته فكأنها والله أعلم إذا كان الأمر على ظاهر اللفظ كانت قصيرة جدا كتسبيحة وتهليلة [ ص: 470 ] وتحميدة بحيث كانت قدر الأذان ، ولا يعد في تسمية مثله خطبة ، والخطبة الأولى الثناء كالتهليل والتكبير والتحميد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والوعظ ، ثم تعليم المناسك التي ذكرها المصنف .

ثم ظاهر المذهب عندنا إذا صعد الإمام المنبر جلس وأذن المؤذن كما في الجمعة ، فإذا فرغ أقام . وعن أبي يوسف رحمه الله : يؤذن والإمام في الفسطاط ثم يخرج فيخطب . قال في المبسوط : هذا ظاهر قوله الأول .

وروى الطحاوي عنه أن الإمام يبدأ بالخطبة قبل الأذان ، فإذا مضى صدر خطبته أذنوا ثم يتم الخطبة بعده ، فإذا فرغ أقاموا ، وهذا على مساوقة ما روى الشافعي . والصحيح أنه معهم لحديث جابر الطويل ذكر فيه { أنه عليه الصلاة والسلام خطب الناس وهو راكب على القصواء ، إلى أن قال : ثم أذن ثم أقام } .

والوجه في ذلك الحديث أن يحمل أذان بلال ذلك على الإقامة ، فيكون عليه الصلاة والسلام ساوق الإقامة بخطبة ثانية خفيفة قدر الإقامة تمجيدا وتسبيحا .

وفي حديث جابر رضي الله عنه { أنه عليه الصلاة والسلام صلاهما بأذان وإقامتين ولم يصل بينهما شيئا } وعنه قلنا لا يتطوع بين الصلاتين . وما في الذخيرة والمحيط من أنه يصلي بهم العصر في وقت الظهر من غير أن يشتغل بين الصلاتين بالنافلة غير سنة الظهر ينافي حديث جابر الطويل ، إذ قال { فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا } وكذا ينافي إطلاق المشايخ رضي الله عنهم في قولهم " ولا يتطوع بينهما " فإن التطوع يقال على السنة ( قوله خلافا لما روي عن محمد رحمه الله ) وجه قوله أنه قد جمعهما وقت واحد فيكفيهما أذان واحد [ ص: 471 ] قلنا : الأصل أن كل فرض بأذان ترك فيما إذا جمع بينهما على وجه معين فعند عدمه يعود الأصل




الخدمات العلمية