الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  106 47 - حدثنا علي بن الجعد قال : أخبرنا شعبة قال : أخبرني منصور قال : سمعت ربعي بن حراش يقول : سمعت عليا يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تكذبوا علي ; فإنه من كذب علي فليلج النار .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن الحديث في النهي عن الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام المستلزم للإثم المستلزم لدخول النار ، والترجمة في بيان إثم من كذب عليه عليه السلام .

                                                                                                                                                                                  بيان رجاله : وهم خمسة :

                                                                                                                                                                                  الأول : علي بن الجعد بفتح الجيم وسكون العين المهملة وبالدال المهملة الجوهري البغدادي ، وقد تقدم .

                                                                                                                                                                                  الثاني : شعبة بن الحجاج .

                                                                                                                                                                                  الثالث : منصور بن المعتمر .

                                                                                                                                                                                  الرابع : ربعي - بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف - ابن حراش - بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالشين المعجمة - ابن جحش - بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وبالشين المعجمة - ابن عمرو بن عبد الله بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس غيلان بن مضر الغطفاني العبسي بالموحدة ، أبو مريم الكوفي الأعور العابد الورع ، يقال : إنه لم يكذب قط ، وكان له ابنان عاصيان على الحجاج ، فقيل للحجاج : إن أباهما لم يكذب كذبة قط ، لو أرسلت إليه فسألته عنهما ، فأرسل إليه ، فقال : هما في البيت ، فقال : قد عفونا عنهما لصدقك ، وحلف أن لا يضحك حتى يعلم أين مصيره ; إلى الجنة أو إلى النار ، فما ضحك إلا بعد موته ، وله أخوان : مسعود ، وهو الذي تكلم بعد الموت ، وربيع ، وهو أيضا حلف أن لا يضحك حتى يعرف أفي الجنة أم لا ، فقال غاسله : إنه لم يزل مبتسما على سريره حتى فرغنا ، وقال ابن المديني : لم يرو عن مسعود شيء إلا كلامه بعد الموت ، وقال الكلبي : كتب النبي عليه الصلاة والسلام إلى حراش بن جحش ، فحرق كتابه ، وليس لربعي عقب ، والعقب لأخيه مسعود ، وقال ابن سعد : حدث عن علي ، ولم يقل : سمع ، وعن أبي الحسن القابسي أنه لم يصح لربعي سماع من علي رضي الله عنه غير هذا الحديث ، وقدم الشام ، وسمع خطبة عمر رضي الله عنه بالجابية ، قال العجلي : تابعي ، ثقة ، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، وقيل : توفي سنة أربع ومائة ، وليس في الصحيحين حراش بالمهملة سواه ، والربعي بحسب اللغة نسبة إلى الربع ، والحراش جمع الحرش ، وهو الأثر .

                                                                                                                                                                                  الخامس : علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي المكي المدني ، أمير المؤمنين ، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وختنه على بنته فاطمة الزهراء ، واسم أبي طالب عبد مناف على المشهور ، وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف ، وهي أول هاشمية ولدت هاشميا ، أسلمت ، وهاجرت إلى المدينة ، وتوفيت في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وصلى عليها رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ونزل في قبرها ، وكنية علي أبو الحسن ، وكناه رسول الله عليه الصلاة والسلام أبا تراب ، وهو أخو رسول الله عليه الصلاة والسلام بالمؤاخاة ، وقال له : أنت أخي في الدنيا والآخرة ، وهو أبو السبطين ، وأول هاشمي ولد بين هاشميين ، وأول خليفة من بني هاشم ، وأحد العشرة المبشرة بالجنة ، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو عنهم راض ، وأحد الخلفاء الراشدين ، وأحد العلماء الربانيين ، وأحد الشجعان المشهورين والزهاد المذكورين ، وأحد السابقين إلى الإسلام ، شهد مع رسول الله عليه الصلاة والسلام المشاهد كلها إلا تبوك ; استخلفه فيها على المدينة ، وأصابته يوم أحد ست عشرة ضربة ، وأعطاه الراية يوم خيبر ، وأخبر أن الفتح يكون على يديه ، ومناقبه جمة ، وأحواله في الشجاعة مشهورة ، وأما علمه فكان من العلوم بالمحل الأعلى ، روي له عن رسول الله عليه الصلاة والسلام خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثا ، اتفقا منها على عشرين ، وانفرد البخاري بتسعة ، ومسلم بخمسة عشر ، ولي الخلافة خمس سنين ، وقيل : إلا شهرا ، بويع له بعد عثمان رضي الله عنه لكونه أفضل [ ص: 148 ] الصحابة حينئذ ، ضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي من حمير بسيف مسموم ، فأوصله دماغه في ليلة الجمعة ، ومات بالكوفة ليلة الأحد تاسع عشر رمضان سنة أربعين ، عن ثلاث وستين سنة ، وكان آدم اللون ، أصلع ، ربعة ، أبيض الرأس واللحية ، وربما خضب لحيته ، وكانت له لحية كثة طويلة ، حسن الوجه ، كأنه القمر ليلة البدر ، ضحوك السن . وقبره بالكوفة ، ولكنه غيب خوفا من الخوارج ، وليس في الصحابة من اسمه علي بن أبي طالب غيره ، وفي الرواة علي بن أبي طالب ثمانية سواه .

                                                                                                                                                                                  بيان لطائف إسناده : منها : أن في إسناده التحديث والإخبار بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والسماع ، ومنها : أن رواته أئمة أجلاء ، ومنها : أنهم ما بين بغدادي وواسطي وكوفي ومدني ، ومنها : أن فيه رواية تابعي صغير عن تابعي كبير .

                                                                                                                                                                                  بيان من أخرجه غيره : أخرجه مسلم أيضا في مقدمة كتابه عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن مثنى وابن بشار ، ثلاثتهم عن غندر ، عن شعبة به . وأخرجه الترمذي في العلم ، عن إسماعيل بن موسى الفزاري ، عن شريك بن عبد الله ، عن منصور بن المعتمر عنه به ، وقال : حسن صحيح ، وفي المناقب ، عن سفيان بن وكيع ، عن أبيه ، عن شريك نحوه . وأخرجه النسائي في العلم ، عن إسماعيل بن مسعود ، عن خالد بن الحارث ، وعن بندار ، عن يحيى ، كلاهما عن شعبة به . وأخرجه ابن ماجه في السنة عن عبد الله بن عامر بن زرارة وإسماعيل بن موسى ، كلاهما عن شريك به .

                                                                                                                                                                                  بيان اللغات والإعراب والمعاني : قوله : " لا تكذبوا علي " نهي بصيغة الجمع ، وهو عام في كل كذب ، مطلق في كل نوع منه ، فإن قلت : هل فرق بين كذب عليه وكذب له ، أم الحكم فيهما سواء ؟ قلت : معنى كذب عليه نسبة الكلام إليه كاذبا ، سواء كان عليه أو له ، والكذب على الله داخل تحت الكذب على الرسول عليه السلام ; إذ المراد من الكذب عليه الكذب في أحكام الدين ، فإن قلت : الكذب من حيث هو معصية ، فكل كاذب عاص ، وكل عاص يلج النار لقوله تعالى : ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها فما فائدة لفظة " علي " فإن الحكم عام في كل من كذب على أحد ؟ قلت : لا شك أن الكذب على الرسول عليه الصلاة والسلام أشد من الكذب على غيره لكونه مقتضيا شرعا عاما باقيا إلى يوم القيامة ; فخص بالذكر لذلك ، أو الكذب عليه كبيرة وعلى غيره صغيرة ، والصغائر مكفرة عند الاجتناب عن الكبائر ، أو المراد من قوله تعالى : ومن يعص الله الكبيرة ، فإن قلت : الشرط سبب للجزاء ، فكيف يتصور سببية الكذب للأمر بالولوج ؟ نعم ، إنه سبب للولوج نفسه . قلت : هو سبب للازمه ; لأن لازم الأمر الإلزام وكون الكذب سببا لإلزام الولوج معنى صحيح ، قوله : " فإنه من كذب علي " جواب النهي ; فلذلك دخلته الفاء والضمير في فإنه للشأن ، وهو اسم إن ، وقوله : " من كذب علي " في محل الرفع على أنه خبر إن ، وكلمة من موصولة تتضمن معنى الشرط ، وقوله : " فليلج النار " جواب الشرط ; فلذلك دخلته الفاء أي فليدخل النار من ولج يلج ولوجا ولجة إذا دخل ، وقال سيبويه : إنما جاء مصدره ولوجا ، وهو من مصادر غير المتعدي على معنى ولجت فيه ، وأصل فليلج فليولج ، حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة ، وبابه من باب ضرب يضرب ، وكذلك لجة ، وأصلها ولجة ، مثل عدة أصلها وعد ، فلما حذفت الواو منها تبعا لفعلها عوضت عنها الهاء ، قوله : " النار " منصوب بتقدير في ; لأن أصله لازم كما ذكرنا ، وهو من قبيل قولك : دخلت الدار ، والتقدير : دخلت في الدار ; لأن دخل فعل لازم ، واللازم لا ينصب إلا بالصلة ، وقال النووي : معنى الحديث أن هذا جزاؤه ، وقد يجازى به ، وقد يعفو الله عنه ، ولا يقطع عليه بدخول النار ، وهكذا سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر ، ثم إن جوزي وأدخل النار فلا يخلد فيها ، بل لا بد من خروجه منها بفضل الله تعالى ورحمته .

                                                                                                                                                                                  بيان استنباط الأحكام

                                                                                                                                                                                  وهو على وجوه :

                                                                                                                                                                                  الأول : فيه دليل على تعظيم حرمة الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام ، وأنه كبيرة ، والمشهور أن فاعله لا يكفر إلا أن يستحله ، وحكى إمام الحرمين عن أبيه أبي محمد الجويني من أصحاب الشافعي أنه كان يقول : من كذب على النبي عليه الصلاة والسلام متعمدا كفر وأريق دمه ، وضعفه إمام الحرمين ، وجعله من هفوات والده ، وقال النووي : لو كذب في حديث واحد عمدا فسق وردت رواياته كلها ، وقال ابن الصلاح : ولا يقبل منه رواية أبدا ، ولا تقبل توبته منه ، بل يتحتم جرحه دائما على ما ذكره جماعة من العلماء ، منهم أحمد بن حنبل ، وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري وصاحب الشافعي ، وأبو بكر الصيرفي من الفقهاء الشافعية ، حتى قال الصيرفي : كل من أسقطنا خبره بين أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم [ ص: 149 ] نعد لقبوله بتوبة تظهر ، ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك ، قال : وذلك فيما افترقت فيه الشهادة والرواية ، قال النووي : هذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة مخالف للقواعد ، والمختار القطع بصحة توبته من ذلك وقبول روايته بعد صحة التوبة بشروطها ، وقد أجمعوا على قبول رواية من كان كافرا ثم أسلم ، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة ، وأجمعوا على قبول شهادته ، ولا فرق بين الرواية والشهادة . قلت : قد قيل عن مالك في شاهد الزور إذا ثبتت عليه شهادة الزور : لا تسمع له شهادة بعدها ; تاب أم لا ، وقد قال أبو حنيفة والشافعي فيمن ردت شهادته بالفسق ثم تاب وحسنت حالته : لا تقبل منه إعادتها لما يلحقه من التهمة في تصديق نفسه ، وقال أبو حنيفة : إذا ردت شهادة أحد الزوجين للآخر ثم تاب لا تسمع للتهمة ، فلا يبعد أن يجيء مثله ها هنا ; لأن الرواية كلها كنوع من الشهادة .

                                                                                                                                                                                  الثاني : لا فرق في تحريم الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام بين ما كان في الأحكام وغيره كالترغيب والترهيب ، فكله حرام من أكبر الكبائر بإجماع المسلمين المعتد بهم ، خلافا للكرامية في زعمهم الباطل أنه يجوز الوضع في الترغيب والترهيب ، وتابعهم كثير من الجهلة الذين ينسبون أنفسهم إلى الزهد ، ومنهم من زعم أنه جاء في رواية : " من كذب علي متعمدا ليضل به " وتمسكوا بهذه الزيادة أنه كذب له لا عليه ، وهذا فاسد ومخالف لإجماع أهل الحل والعقد ، وجهل بلسان العرب وخطاب الشرع ، فإن كل ذلك كذب عندهم ، وأما تعلقهم بهذه الزيادة فقد أجيب عنها بأجوبة : أحدها : أن هذه الزيادة باطلة ، اتفق الحفاظ على بطلانها .

                                                                                                                                                                                  والثاني : قال الإمام الطحاوي : ولو صحت لكانت للتأكيد كقوله تعالى : فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم

                                                                                                                                                                                  والثالث : أن اللام في ليضل ليست للتعليل ، بل لام الصيرورة والعاقبة ، والمعنى على هذا يصير كذبه إلى الضلال به .

                                                                                                                                                                                  الثالث : من روى حديثا وعلم أو ظن أنه موضوع فهو داخل في هذا الوعيد إذا لم يبين حال رواته وضعفهم ، ويدل عليه أيضا قوله عليه الصلاة والسلام : " من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " .

                                                                                                                                                                                  قال النووي : الرواية المشهورة ضم الياء في يرى ، و" الكاذبين " بكسر الياء على الجمع .

                                                                                                                                                                                  الرابع : إذا روى حديثا ضعيفا لا يذكره بصيغة الجزم نحو قال أو فعل أو أمر ونحو ذلك ، بل يقول : روي عنه كذا ، وجاء عنه كذا ، أو يذكر ، أو يروى ، أو يحكى ، أو يقال ، أو بلغنا ، ونحو ذلك ، فإن كان صحيحا أو حسنا قال فيه : قال رسول الله عليه الصلاة والسلام كذا ، أو فعله ، ونحو ذلك من صيغ الجزم ، وقال القرطبي : استجاز بعض فقهاء العراق نسبة الحكم الذي يدل عليه القياس إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام نسبة قولية وحكاية فعلية ، فيقول في ذلك : قال رسول الله عليه الصلاة والسلام كذا وكذا ، قال : ولذلك ترى كتبهم مشحونة بأحاديث موضوعة تشهد متونها بأنها موضوعة ; لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ، ولا يليق بجزالة كلام سيد المرسلين ، فهؤلاء شملهم النهي والوعيد .

                                                                                                                                                                                  الخامس : مما يظن دخوله في النهي اللحن وشبهه ، ولهذا قال العلماء رضي الله عنهم : ينبغي للراوي أن يعرف من النحو واللغة والأسماء ما يسلم من قول من لم يقل ، قال الأصمعي : أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في قوله عليه الصلاة والسلام " من كذب علي " الحديث ; لأنه عليه السلام لم يكن يلحن ، فمهما لحن الراوي فقد كذب عليه ، وكان الأوزاعي يعطي كتبه إذا كان فيها لحن لمن يصلحها ، فإذا صح في روايته كلمة غير مفيدة ، فله أن يسأل عنها أهل العلم ، ويرويها على ما يجوز فيه ، روي ذلك عن أحمد وغيره ، قال أحمد : يجتنب إعراب اللحن ; لأنهم كانوا لا يلحنون ، وقال النسائي فيما حكاه القابسي : إذا كان اللحن شيئا تقوله العرب ، وإن كان في لغة قريش فلا يغير ; لأنه عليه السلام كان يكلم الناس بلسانهم ، وإن كان لا يوجد في كلامهم فالشارع لا يلحن ، وقال الأوزاعي : كانوا يعربون ، وإنما اللحن من حملة الحديث ، فأعربوا الحديث ، وقيل للشعبي : أسمع الحديث ليس بإعراب ، أفأعربه ؟ قال : نعم . فإن قلت : لو صح في رواية ما هو خطأ ، ما حكمه ؟ قلت : الجمهور على روايته على الصواب ، ولا يغيره في الكتاب ، بل يكتب في الحاشية : كذا وقع ، وصوابه كذا ، وهو الصواب ، وقيل : يغيره ويصلحه ، روي ذلك عن الأوزاعي وابن المبارك وغيرهما ، وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : كان أبي إذا مر به لحن فاحش غيره ، وإن كان سهلا تركه ، وعن أبي زرعة أنه كان يقول : أنا أصلح كتابي من أصحاب الحديث إلى اليوم .

                                                                                                                                                                                  السادس مما يتعلق بهذا الباب : بيان أصناف الواضعين :

                                                                                                                                                                                  الأول : قوم زنادقة ، كالمغيرة بن سعيد الكوفي ومحمد بن سعيد المصلوب ، أرادوا إيقاع الشك في قلوب الناس ، فرووا : " أنا خاتم النبيين ، لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله " .

                                                                                                                                                                                  الثاني : قوم متعصبون ، منهم من تعصب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فوضعوا فيه أحاديث ، [ ص: 150 ] وقوم تعصبوا لمعاوية ورووا له أشياء ، وقوم تعصبوا لأبي حنيفة رضي الله عنه ، وقال ابن حبان : وضع الحسن بن علي بن زكريا العدوي الرازي حديث: النظر إلى وجه علي عبادة ، وحدث عن الثقات لعله بما يزيد على ألف حديث سوى المقلوبات ، وقال الخطيب في الكفاية بسنده إلى المهدي : قال : أقر عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربعمائة حديث ، فهي تجول بين الناس .

                                                                                                                                                                                  وقوم وضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب ، وعن ابن الصلاح قال : رويت عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم أنه قيل له : من أين لك عن عكرمة ، عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة ؟ فقال : إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن ، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومعاذ بن أبي إسحاق ، فوضعت هذا الحديث ، وقال يحيى : نوح هذا ليس بشيء ، لا يكتب حديثه ، وقال مسلم وأبو حاتم والدارقطني : متروك .

                                                                                                                                                                                  السابع : يعرف الموضوع بإقرار واضعه أو ما يتنزل منزلة إقراره أو قرينة في حال الراوي أو المروي أو ركاكة لفظه أو لروايته عمن لم يدركه ، ولا يخفى ذلك على أهل هذا الشأن ، وقيل لعبد الله بن المبارك : هذه الأحاديث الموضوعة ؟ قال : يعيش لها الجهابذة .

                                                                                                                                                                                  وأما جهات الوضع : فربما يكون من كلام نفسه ، أو يأخذ كلاما من مقالات بعض الحكماء ، أو كلام بعض الصحابة فيرفعه كما روي عن أحمد بن إسماعيل السهمي ، عن مالك ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج إلا الإمام " . وهو في الموطأ عن وهب ، عن جابر من قوله ، وربما أخذوا كلاما للتابعين ، فزادوا فيه رجلا ، فرفعوه .

                                                                                                                                                                                  وقوم من المجروحين عمدوا إلى أحاديث مشهورة عن النبي عليه الصلاة والسلام بأسانيد معلومة معروفة ، وضعوا لها غير تلك الأسانيد .

                                                                                                                                                                                  وقوم عندهم غفلة إذا لقنوا تلقنوا .

                                                                                                                                                                                  وقوم ضاعت كتبهم ، فحدثوا من حفظهم على التخمين .

                                                                                                                                                                                  وقوم سمعوا مصنفات ، وليست عندهم ، فحملهم الشره إلى أن حدثوا عن كتب مشتراة ليس فيها سماع ، ولا مقابلة .

                                                                                                                                                                                  وقوم كثيرة ليسوا من أهل هذا الشأن ; سئل يحيى بن سعيد عن مالك بن دينار ومحمد بن واسع وحسان بن أبي سنان ، قال : ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث ; لأنهم يكتبون عن كل من يلقون ، لا تمييز لهم ، وروى الخطيب بسنده عن ربيعة الراعي قال : من إخواننا من نرجو بركة دعائه ، ولو شهد عندنا بشهادة ما قبلناها ، وعن مالك : أدركت سبعين عند هذه الأساطين - وأشار إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقولون : قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فما أخذت عنهم شيئا ، وإن أحدهم يؤمن على بيت المال ; لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن ، ونزدحم على باب محمد بن مسلم الزهري .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية