الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  113 54 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا عمرو ، قال : أخبرني وهب بن منبه ، عن أخيه ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، وهو أن عبد الله بن عمرو من أفاضل الصحابة رضي تعالى الله عنهم ، كان يكتب ما يسمعه من النبي - صلى الله تعالى عليه وآله - ، ولو لم تكن الكتابة جائزة لما كان يفعل ذلك ، فإذا قلنا : فعل الصحابي حجة فلا نزاع فيه ، وإلا فالاستدلال على جواز الكتابة يكون بتقرير الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم كتابته .

                                                                                                                                                                                  بيان رجاله

                                                                                                                                                                                  وهم ستة :

                                                                                                                                                                                  الأول : علي بن عبد الله المديني الإمام ، وقد تقدم .

                                                                                                                                                                                  الثاني : سفيان بن عيينة .

                                                                                                                                                                                  الثالث : عمرو بن دينار ، أبو محمد المكي الجمحي ، أحد الأئمة المجتهدين ، مات سنة ست وعشرين ومائة .

                                                                                                                                                                                  الرابع : وهب بن منبه بضم الميم وفتح النون وكسر الباء الموحدة المشددة ابن كامل بن سبج بفتح السين المهملة ، وقيل : بكسرها وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره جيم ، وقيل : الشين معجمة ابن ذي كنار ، وهو الإسوار الصنعاني اليماني الأبناوي الذماري ، سمع هنا عن أخيه ، قال الباجي : لم أر له في البخاري غير هذا الموضع ، وسمع في غير البخاري جابرا ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وأبا هريرة ، وغيرهم .

                                                                                                                                                                                  قال أبو زرعة : يماني ثقة ، وكذا قال النسائي ، وقال الفلاس : ضعيف ، وهو مشهور بمعرفة الكتب الماضية ، قال : قرأت من كتب الله تعالى اثنين وتسعين كتابا ، وهو من الأبناء الذين بعثهم كسرى إلى اليمن ، وقيل : أصله من هراة ، مات سنة أربع وعشرين ومائة ، روى له الجماعة إلا ابن ماجه . وأخرج له مسلم في الزكاة عن أخيه همام ، روى عنه عمرو بن دينار ، واتفق البخاري ومسلم في الإخراج عنه ، عن أخيه همام لا غير .

                                                                                                                                                                                  الخامس : أخو وهب همام بن منبه أبو عقبة ، وكان أكبر من وهب ، وكانوا أربعة إخوة : وهب ، ومعقل أبو عقيل ، وهمام ، وغيلان . وكان أصغرهم ، وكان آخرهم موتا همام ، ومات وهب ثم معقل ثم غيلان ثم همام ، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة ، روى له الجماعة .

                                                                                                                                                                                  السادس : أبو هريرة رضي الله عنه .

                                                                                                                                                                                  بيان الأنساب

                                                                                                                                                                                  الجمحي بضم الجيم وفتح الميم وبالحاء المهملة نسبة إلى جمح - ابن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر الصنعاني ، نسبة إلى صنعاء ، مدينة باليمن ، وصنعا أيضا قرية بدمشق ، وهب ينسب إلى صنعاء اليمن ، وزيدت فيها النون في النسبة على خلاف القياس ، اليماني نسبة إلى يمان ، ويقال : اليمني أيضا .

                                                                                                                                                                                  قال الجوهري : اليمن بلاد العرب ، والنسبة إليها يمني ويمان مخففة ، والألف عوض عن ياء النسبة فلا يجتمعان ، قال سيبويه : وبعضهم يقول : يماني بالتشديد الأبناوي بفتح الهمزة ، منسوب إلى الأبناء بباء موحدة ثم نون ، وهم كل من ولد من أبناء الفرس الذين وجههم كسرى مع سيف ذي يزن الذماري بكسر الذال المعجمة ، وقيل : بفتحها ، نسبة إلى ذمار على مرحلتين من صنعاء .

                                                                                                                                                                                  بيان لطائف إسناده

                                                                                                                                                                                  منها أن فيه التحديث والإخبار بصيغة الإفراد والعنعنة والسماع ، ومنها أن وهبا لم يرو له البخاري في غير [ ص: 169 ] هذا الموضع . ومنها أن فيه ثلاثة من التابعين في طبقة متقاربة أولهم عمرو .

                                                                                                                                                                                  بيان من أخرجه غيره

                                                                                                                                                                                  أخرجه البخاري هنا ليس إلا وهو من أفراده عن مسلم . وأخرجه الترمذي في العلم وفي المناقب عن قتيبة ، عن سفيان بن عيينة به ، وقال : حسن صحيح . وأخرجه النسائي في العلم عن إسحاق بن إبراهيم ، عن سفيان به .

                                                                                                                                                                                  بيان الإعراب والمعنى

                                                                                                                                                                                  قوله " ما من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم " كلمة ما للنفي ، وقوله " أحد " بالرفع اسم ما ، وكلمة من ابتدائية تتعلق بمحذوف ، والتقدير : ما أحد مبتدأ من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام - ، وقوله " أكثر " بالرفع صفة أحد ، ويروى بالنصب أيضا وهو الأوجه ; لأنه خبر ما ، وقوله " حديثا " نصب على التمييز ، ولفظة أكثر أفعل التفضيل ، ولا تستعمل إلا بأحد الأمور الثلاثة كما عرف في موضعه ، وهاهنا استعمل بمن ، وهو قوله مني ، ولكن فصل بينه وبينه بقوله " حديثا عنه " ; لأنه ليس بأجنبي ، والضمير في " عنه " يرجع إلى أحد ، قوله “ إلا ما كان " يجوز أن يكون استثناء منقطعا على تقدير لكن الذي كان من عبد الله بن عمرو ، أي الكتابة لم تكن مني ، والخبر محذوف بقرينه باقي الكلام سواء لزم منه كونه أكثر حديثا ; إذ العادة جارية على أن شخصين إذا لازما شيخا مثلا وسمعا منه الأحاديث يكون الكاتب أكثر حديثا من غيره أم لا ؟

                                                                                                                                                                                  ويجوز أن يكون متصلا نظرا إلى المعنى ; إذ " حديثا " وقع تمييزا ، والتمييز كالمحكوم عليه ، فكأنه قال : ما أحد حديثه أكثر من حديثي إلا أحاديث حصلت من عبد الله بن عمرو ، قال الكرماني : وفي بعض الروايات : ما كان أحد أكثر حديثا عنه مني إلا عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب .

                                                                                                                                                                                  قوله " فإنه " الفاء فيه للتعليل والضمير فيه يرجع إلى عبد الله بن عمرو ، قوله “ كان يكتب " جملة وقعت خبرا لإن ، قوله “ ولا أكتب " عطف على قوله " فإنه كان يكتب " تقديره : وأنا لا أكتب ، وقد روي عن عبد الله بن عمرو قال : استأذنت النبي - عليه الصلاة والسلام - في كتابة ما سمعت منه فأذن لي ، وعنه قال : حفظت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألف مثل ، وإنما قلت الرواية عنه مع كثرة ما حمل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ; لأنه سكن مصر ، وكان الواردون إليها قليلا بخلاف أبي هريرة ، فإنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة .

                                                                                                                                                                                  وقيل : كان السبب في كثرة حديث أبي هريرة دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - له بعدم النسيان ، والسبب في قلة حديث عبد الله بن عمرو هو أنه كان قد ظفر بجمل من كتب أهل الكتاب ، وكان ينظر فيها ويحدث منها ، فتجنب الأخذ عنه كثير من التابعين ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                  قال البخاري : روى عن أبي هريرة نحوا من ثمانمائة رجل ، وكان أكثر الصحابة حديثا، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة آلاف وثلاثمائة حديث ، ووجد لعبد الله بن عمرو سبعمائة حديث ، اتفقا على سبعة عشر ، وانفرد البخاري بمائة ومسلم بعشرين .



                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية