الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  قال أبو عبد الله : وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن فرض الوضوء مرة مرة ، وتوضأ أيضا مرتين مرتين وثلاثا ثلاثا ، ولم يزد على ثلاث .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  أبو عبد الله هو البخاري نفسه .

                                                                                                                                                                                  قوله : " وبين النبي صلى الله عليه وسلم " تعليق ، وسيذكره موصولا في باب مفرد لذلك ، وكذا قوله : وتوضأ أيضا إلى آخره تعليق ، وسيذكره موصولا في باب مفرد لذلك ، وأشار بهما إلى أن الأمر من حيث هو لإيجاد حقيقة الشيء المأمور به لا يقتضي المرة ولا التكرار ، بل هو محتمل لهما ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد منه المرة حيث غسل مرة واحدة واكتفى بها ، إذ لو لم يكن الفرض إلا مرة واحدة لم يجز الاجتزاء بها ، وأشار أيضا بقوله : " مرتين وثلاثا " إلى أن الزيادة عليها مندوب إليها لأن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدل على الندب غالبا إذا لم يكن دليل على الوجوب لكونه بيانا للواجب مثلا .

                                                                                                                                                                                  فإن قلت في أين وقع بيان النبي صلى الله عليه وسلم بأن فرض الوضوء مرة مرة ؟

                                                                                                                                                                                  قلت : هو في حديث ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 241 ] توضأ مرة مرة " وهو بيان بالفعل لمجمل الآية ، وحديث أبي بن كعب رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بماء فتوضأ مرة مرة وقال : هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به " ففيه بيان بالقول والفعل ، وهذا أخرجه ابن ماجه ولكنه ضعيف ، وله طرق أخرى كلها ضعيفة .

                                                                                                                                                                                  وقال مهنى : سألت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل عن الوضوء مرة مرة ، فقال : الأحاديث فيه ضعيفة وفيه نظر لأنه صح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور ، وجميع ما ذكره البخاري وقع في حديث ابن ماجه عن عبد الله بن عامر ، حدثنا شريك ، عن ثابت البناني قال : " سألت أبا جعفر قلت له : حدثك جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ؟ قال : نعم . قلت : مرتين مرتين وثلاثا ثلاثا ؟ قال : نعم .

                                                                                                                                                                                  قلت : قال الترمذي : روى وكيع هذا عن ثابت .

                                                                                                                                                                                  قلت لأبي جعفر : حدثك جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ، وهذا أصح من حديث شريك لأنه روي من غير وجه هذا غير ثابت نحو رواية وكيع، وشريك كثير الغلط ، وسئل البخاري عن الحديثين فيما ذكره في العلل الكبير ، فقال : الصحيح ما رواه وكيع ، وحديث شريك ليس بصحيح ، ولما ذكر البزار حديث شريك قال : لا نعلمه يروي عن جابر إلا بهذا الإسناد ولا رواه عن محمد بن علي إلا أبو حمزة الثمالي . انتهى .

                                                                                                                                                                                  وفيه نظر لما ذكره الإسماعيلي في معجمه : حدثنا محمد بن علي بن حفص ، حدثنا عبد الله بن هاشم الطوسي ، حدثنا الحارث بن عمران الجعفري ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه قلت لجابر : فذكره ، وقال ابن ماجه أيضا : أنبأنا أبو بكر بن خلاد ، حدثني مرحوم بن عبد العزيز ، حدثني عبد الرحيم بن زيد العمي ، عن أبيه ، عن معاوية بن قرة ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : " توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة واحدة وقال : هذا وضوء من لا يقبل الله منه صلاة إلا به ، ثم توضأ مرتين مرتين ، وقال : هذا وضوء القدر من الوضوء ، وتوضأ ثلاثا ثلاثا ، وقال : هذا أسبغ الوضوء وهو وضوئي ووضوء الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام " قال المقدسي : هذا حديث غير ثابت ، وقال أبو حاتم في العلل : لا يصح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو زرعة : هو عندي حديث واه ، ومعاوية بن قرة لم يلحق ابن عمر ، قال الدارقطني في كتاب العلل : رواه إسرائيل الملائي عن العمي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، ووهم فيه ، والصواب قول من قال : عن معاوية بن قرة ، ورواه أبو عروبة الحراني في كتاب الطبقات الكبير عن المسيب بن واضح ، حدثنا جعفر بن ميسرة ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، ولما رواه الدارقطني في سننه قال : تفرد به المسيب وهو ضعيف ، وقال البيهقي : هذا الحديث من هذا الوجه تفرد به المسيب وليس بالقوي ، وقال في المعرفة : والمسيب غير محتج به ، وروي من أوجه كلها ضعيفة .

                                                                                                                                                                                  قلت : قال أبو حاتم : فيه صدوق وكان يخطئ كثيرا فإذا قيل له لم يقبل . وقال أبو عروبة : كان لا يحدث إلا بشيء يعرفه يقف عليه . وقال أبو نصر بن فاخر : كان شيخا جليلا ثقة يخطئ ، وكان النسائي حسن الرأي فيه ويقول الناس : يؤذوننا فيه . وقال ابن عدي : لا بأس به وهو ممن يكتب حديثه .

                                                                                                                                                                                  قوله : " مرة مرة " روي فيهما الرفع والنصب ، أما الرفع فعلى الخبرية لأن وهو أقرب الأوجه .

                                                                                                                                                                                  وأما النصب فعلى أوجه :

                                                                                                                                                                                  الأول : أنه مفعول مطلق أي : فرض الوضوء غسل الأعضاء غسلة واحدة .

                                                                                                                                                                                  الثاني : أنه ظرف أي : فرض الوضوء ثابت في الزمان المسمى بالمرة ، وهذا ذكره الكرماني ، وفيه بعد .

                                                                                                                                                                                  الثالث : أنه حال قد سدت مسد الخبر كقراءة بعضهم ( ونحن عصبة ) بنصب عصبة .

                                                                                                                                                                                  الرابع : أنه نصب على لغة من ينصب الجزئين لأن .

                                                                                                                                                                                  فإن قلت : ما فائدة تكرار لفظ مرة ؟

                                                                                                                                                                                  قلت : إما التأكيد ، وإما إرادة التفصيل أي : فرض الوضوء غسل الوجه مرة وغسل اليدين مرة وغسل الرجل مرة ، نحو بوبت الكتاب بابا بابا ، أو فرض الوضوء في كل الوضوء مرة في هذا الوضوء ومرة في ذاك الوضوء ، فالتفصيل إما بالنظر إلى أجزاء الوضوء ، وإما بالنظر إلى جزئيات الوضوء .

                                                                                                                                                                                  قوله : " مرتين مرتين " كذا في رواية أبي ذر بالتكرار ، وفي رواية غيره بلا تكرار ، ووجه انتصابهما مثل انتصاب مرة .

                                                                                                                                                                                  قوله : " وثلاثا " أي : وتوضأ أيضا ثلاثا أي : ثلاث مرات ، وفي رواية الأصيلي " وثلاثا ثلاثا " ، وفي بعض النسخ " وثلاثة " بالهاء .

                                                                                                                                                                                  قوله : " ولم يزد على ثلاث " أي : ولم يزد النبي صلى الله عليه وسلم في وضوئه على ثلاث مرات ، وقال بعض الشارحين ولم يزد على ثلاثة ، كذا ثبت ، وكأن الأصل ثلاث كما تقول : عندي ثلاث نسوة .

                                                                                                                                                                                  قلت : بل النسخ الصحيحة على ثلاث على الأصل ، ولا يحتاج إلى التعسف [ ص: 242 ] المذكور ، وحاصل المعنى لم يأت في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام أنه زاد على ثلاث ، بل ورد عنه عليه الصلاة والسلام ذم من زاد عليها ، وهو فيما رواه أبو داود من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : " أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا ، ثم قال : من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم " .

                                                                                                                                                                                  وقال الشيخ تقي الدين في الإمام : هذا الحديث صحيح عند من يصحح حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لصحة الإسناد إلى عمرو .

                                                                                                                                                                                  فإن قلت : كيف يكون ظالما في النقصان ، وقد ورد في الأحاديث الوضوء مرة مرة ومرتين مرتين كما ذكر ؟

                                                                                                                                                                                  قلت : أجيب عنه بأجوبة :

                                                                                                                                                                                  الأول : فيه حذف تقديره أو نقص من واحدة ، ويؤيده ما رواه أبو نعيم بن حماد من طريق المطلب بن حنطب مرفوعا " الوضوء مرة ومرتين وثلاثا ، فإن نقص من واحدة أو زاد على ثلاث فقد أخطأ " وهو مرسل ورجاله ثقات .

                                                                                                                                                                                  الثاني : أن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه بل أكثرهم اقتصروا على قوله : " فمن زاد " فقط ، كذا رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : " جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام فسأله عن الوضوء ، فأراه ثلاثا ثلاثا ، ثم قال : هذا الوضوء ، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم " ثم قال : لم يوصل هذا الخبر غير الأشجعي ويعلى ، وزعم أبو داود في كتاب التفرد أنه من منفردات أهل الطائف ، ورواه ابن ماجه في سننه كذلك ، ورواه أحمد في مسنده والنسائي في سننه بلفظ " فقد أساء وتعدى وظلم " .

                                                                                                                                                                                  الثالث : أنه يكون ظالما لنفسه في ترك الفضيلة والكمال ، وإن كان يجوز مرة مرة أو مرتين مرتين .

                                                                                                                                                                                  الرابع : أنه إنما يكون ظالما إذا اعتقد خلاف السنية في الثلاث ، ويقال : معنى أساء في الأدب بتركه السنة والتأدب بآداب الشريعة ، ومعنى ظلم أي : ظلم نفسه بما نقصها من الثواب ، وفي تركه الفضيلة والكمال ، ويقال : إنما يكون ظالما إذا اعتقد خلاف السنية في الثلاث ، ويقال : الإساءة ترجع إلى الزيادة والظلم إلى النقصان لأن الظلم وضع الشيء في غير محله .

                                                                                                                                                                                  قلت : الزيادة على الثلاث أيضا وضع الشيء في غير محله ، وأيضا إنما يتمشى هذا في رواية تقديم الإساءة على النقصان .

                                                                                                                                                                                  وفي البدائع اختلف في تأويله فقيل : زاد على موضع الوضوء ، ونقص عن مواضعه ، وقيل : زاد على ثلاث مرات ولم ينو ابتداء الوضوء ، ونقص عن الواحدة ، والصحيح أنه محمول على الاعتقاد دون نفس العمل معناه : فمن زاد على الثلاث أو نقص ولم ير الثلاث سنة لأن من لم ير سنة النبي عليه الصلاة والسلام فقد ابتدع ، فيلحقه الوعيد حتى لو زاد على الثلاث أو نقص ورأى الثلاث سنة لا يلحقه هذا الوعيد لأن الزيادة على الثلاث من باب الوضوء على الوضوء إذا نوى به ، وأنه نور على نور على لسان النبي عليه الصلاة والسلام .

                                                                                                                                                                                  ثم اعلم أن الثلاث سنة والواحدة تجزئ ، وقال أصحابنا : الأولى فرض والثانية مستحبة والثالثة سنة ، وقيل : الأولى فرض والثانية سنة والثالثة إكمال السنة ، وقيل : الثانية والثالثة سنة ، وقيل : الثانية سنة والثالثة نفل ، وقيل : عكسه . وعن أبي بكر الإسكاف أن الثلاث تقع فرضا كما إذا أطال الركوع والسجود .

                                                                                                                                                                                  وقال بعض أصحابنا : إن الزائد على الثلاث لا يقع طهارة ولا يصير الماء به مستعملا إلا إذا قصد به تجديد الوضوء ، وما ذكر في الجامع أن ماء الرابعة في غسل الثوب النجس طهور ، وفي العضو النجس مستعمل محمول على ما إذا نوى به القربة ، وفي العتابي : وماء الرابعة مستعمل في العضو النجس لأن الظاهر هو قصد القربة حتى يقوم الدليل على خلافه ، وفي شرح النسفي فيه لأنه وجد فيه معنى القربة ; لأن الوضوء على الوضوء نور على نور ، ولهذا صار الماء مستعملا به ، وفي المحيط والإسبيجاني أن ماء الرابعة لا يصير مستعملا إلا بالنية ، وعند الشافعية خمسة أوجه :

                                                                                                                                                                                  أصحها إن صلى بالوضوء الأول فرضا أو نفلا استحب ، وإلا فلا ، وبه قطع البغوي .

                                                                                                                                                                                  وثانيها إن صلى فرضا استحب وإلا فلا ، وبه قطع الفوراني .

                                                                                                                                                                                  وثالثها مستحب إن فعل بالوضوء الأول ما يقصد له الوضوء ، وإلا فلا ذكره الشاشي .

                                                                                                                                                                                  ورابعها إن صلى بالأول أو سجد لتلاوة أو شكر أو قرأ القرآن في مصحف استحب وإلا فلا ، وبه قطع أبو محمد الجويني .

                                                                                                                                                                                  وخامسها مستحب وإن لم يفعل بالوضوء الأول شيئا أصلا حكاه إمام الحرمين قال : وهذا إنما يصح إذا تخلل بين الوضوء والتجديد زمن يقع بمثله تفريق ، فأما إذا وصله بالوضوء فهو في حكم غسلة رابعة .



                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية