الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  78 ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  الكلام فيه على أنواع : الأول أنه أراد بذكر هذا الأثر المعلق التنبيه على فضيلة السفر والرحلة في طلب العلم برا وبحرا .

                                                                                                                                                                                  الثاني : أن جابر بن عبد الله هو الأنصاري الصحابي المشهور ، وعبد الله بن أنيس بضم الهمزة مصغر أنس بن مسعد الجهني بضم الجيم وفتح الحاء ، حليف الأنصار ، شهد العقبة مع السبعين من الأنصار ، وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد ، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده سرية ، واختلف في شهوده بدرا ، له خمسة وعشرون حديثا ، روى له مسلم حديثا واحدا في ليلة القدر ، وروى له الأربعة ولم يذكره الكلاباذي وغيره فيمن روى له البخاري ، وقد ذكر البخاري في كتاب الرد على الجهمية ، ويذكر عن جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس فذكره ، توفي بالشام سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية رضي الله عنه وفي سنن أبي داود والترمذي عن عبد الله بن أنيس الأنصاري عنه ابنه عيسى ولعله الأول ، وفي الصحابة عبد الله بن أنيس أو أنيس ، قيل : هو الذي رمى ماعزا لما رجموه فقتله ، وعبد الله بن أنيس قتل يوم اليمامة ، وعبد الله بن أنيس العامري له وفادة ، ومن رواية يعلى بن الأشدق وعبد الله بن أبي أنيسة ، قال الوليد بن مسلم : ثنا داود بن عبد الرحمن المكي ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر ، سمعت حديثا في القصاص لم يبق أحد يحفظه إلا رجل بمصر يقال له عبد الله بن أبي أنيسة .

                                                                                                                                                                                  الثالث : قوله " في حديث واحد " أي لأجل حديث واحد ، وكلمة في تجيء للتعليل كما في قوله تعالى : فذلكن الذي لمتنني فيه وقوله : لمسكم في ما أفضتم وفي الحديث " إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها " .

                                                                                                                                                                                  الرابع : قال ابن بطال : أراد بقوله في حديث واحد حديث الستر على المسلم ، قيل فيه نظر لأنه يقال إن أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري رحل إلى عقبة بن عامر ، أخرجه الحاكم ، حدثنا علي بن حماد ، حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن أبي سعيد الأعمى ، عن عطاء بن أبي رباح قال : خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة ، فلما قدم أبو أيوب منزل سلمة بن مخلد الأنصاري أمير مصر فأخبره فعجل عليه فخرج إليه فعانقه ، ثم قال : ما جاء بك يا أبا أيوب ؟ قال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله عليه السلام غيري وغيرك في ستر المؤمن ، قال عقبة : نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من ستر مؤمنا في الدنيا على عورة ستره الله يوم القيامة " فقال له أبو أيوب : صدقت ، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعا إلى المدينة ، وفي مسند عبد الله بن وهب صاحب مالك ، أنبأنا عبد الجبار بن عمر ، حدثنا مسلم بن أبي حرة عن رجل من الأنصار عن رجل من أهل قبا أنه قدم مصر على مسلمة بن مخلد فقال : أرسل معي إلى فلان رجل من الصحابة ، قال : حسبت أنه قال سرق ، قال : فذهب إليه في قريته فقال : هل تذكر مجلسا كنت أنا وأنت فيه مع النبي صلى الله عليه وسلم ليس أحد معنا ، قال : نعم ، قال : كيف سمعته يقول ؟ فقال : سمعته يقول " من اطلع من أخيه على عورة ثم سترها جعلها الله له يوم القيامة [ ص: 74 ] حجابا من النار " قال : كنت أعرف ذلك ; ولكن أوهمت الحديث فكرهت أن أحدث به على غير ما كان ، ثم ركب راحلته ورجع ، وقال ابن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث عن أبيه ، عن مولى لخارجة ، عن أبي صياد الأسود الأنصاري وكان عريفهم : أن رجلا قدم على مسلمة بن مخلد ، فلم ينزل ، وقال : أرسل معي إلى عقبة بن عامر ، فأرسل معه أبا صياد ، فقال الرجل لعقبة : هل تذكر مجلسا لنا فيه عند النبي عليه الصلاة والسلام ؟ فقال : نعم ، فقال : " من ستر عورة مؤمن كانت له كموؤودة أحياها " فقال عقبة : نعم ، فكبر الرجل ، قال : لهذا ارتحلت من المدينة ثم رجع ، والصحيح أن المراد من قوله في حديث واحد هو الذي أخرجه البخاري في كتاب الرد على الجهمية آخر الكتاب ، فقال : ونذكر عن جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس ، سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول : " يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان " لم يزد البخاري على هذا ، ورواه أحمد وأبو يعلى في مسنديهما من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : بلغني عن رجل حديث سمعه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فاشتريت بعيرا ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرا حتى قدمت الشام ; فإذا عبد الله بن أنيس ، فقلت للبواب : قل له جابر بن عبد الله على الباب ، فقال ابن عبد الله : قلت نعم ، فخرج فاعتنقني ، فقلت : حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله عليه الصلاة والسلام فخشيت أن أموت قبل أن أسمعك ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يحشر الله الناس يوم القيامة عراة غرلا بهما ، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان ، لا ينبغي لأهل الجنة أن يدخل الجنة واحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى يقتصه منه حتى اللطمة " قال : وكيف وإنما نأتي عراة غرلا ؟ قال : بالحسنات والسيئات ، وأخرجه ابن أبي عاصم في كتاب العلم عن شيبان : حدثنا همام ، حدثنا القاسم بن عبد الواحد ، حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل : أن جابرا حدثه ، إلى آخره ، وأخرجه أيضا الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن هدبة عن همام بسنده نحوه ، وأخرجه أيضا نصر المقدسي في كتاب الحجة على تارك المحجة عن علي بن طاهر ، حدثنا الحسين بن خراش ، حدثنا أحمد بن إبراهيم ، ثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا أبو الوليد الطيالسي ، ثنا همام ، إلى آخره .

                                                                                                                                                                                  فإن قلت : ذكر أبو سعيد بن يونس بسنده عن جابر قال : بلغني حديث في القصاص عن عقبة بن عامر وهو بمصر فاشتريت بعيرا فشددت عليه رحلا وسرت إليه شهرا حتى أتيت مصر ، وذكر الحديث ، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين وتمام في فوائده من طريق الحجاج بن دينار عن محمد بن المنكدر عن جابر ، قال : كان بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في القصاص ، وكان صاحب الحديث بمصر ، فاشتريت بعيرا فسرت حتى وردت مصر فقصدت إلى باب الرجل ، فذكر نحو الحديث المذكور ، وإسناده صالح ، وروى الخطيب في كتاب الرحلة من حديث عبد الوارث بن سعيد عن القاسم بن عبد الواحد عن ابن عقيل عن جابر قال : تقدمت على ابن أنيس بمصر ، ورواه أيضا من طريق عيسى الغنجار عن عمر بن صالح ، عن مقاتل بن حبان ، عن أبي جارود العبسي ، عن جابر ، فأتيت مصر فإذا هو بباب الرجل فخرج إلي ، وفيه : " والرب على عرشه ينادي بصوت رفيع غير فظيع " الحديث ، قلت : يحتمل أن يكونا واقعتين إحداهما لعبد الله بن أنيس ، والأخرى لعقبة بن عامر رضي الله عنهما ، قوله “ عراة " جمع عار ، قوله “ غرلا " بضم الغين المعجمة وسكون الراء جمع أغرل وهو الأقلف ، قوله “ بهما " بضم الباء الموحدة ، قال الجوهري : ليس معهم شيء ، ويقال : أصحاء ، قلت : يعني ليس فيهم شيء من العاهات كالعمى والعور وغيرهما ، وإنما هي أجساد صحيحة للخلود إما في الجنة وإما في النار ، والبهيم في الأصل الذي يخالط لونه لون سواد ، قوله “ فيناديهم بصوت " قال القاضي : المعنى يجعل ملكا ينادي أو يخلق صوتا ليسمعه الناس ، وأما كلام الله تعالى فليس بحرف ولا صوت ، وفي رواية أبي ذر " فينادى بصوت " على ما لم يسم فاعله .

                                                                                                                                                                                  الخامس : ادعت جماعة أن البخاري قد نقض قاعدته ; وذلك أن من قواعده أنه يذكر التعليق إذا كان صحيحا بصيغة الجزم وإذا كان ضعيفا بصيغة التمريض ، وهنا قال : ورحل جابر بن عبد الله بصيغة الجزم ، وقال في أواخر صحيحه : ويذكر جابر بصيغة التمريض ، وأجاب عنه الشيخ قطب الدين بأنه جزم بالرحلة دون الحديث ، فعندما ذكر الحديث أتى بصيغة التمريض ، فقال : ويذكر عن جابر بن عبد الله .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية