الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال الرازي: (وثالثها أنا نعتقد أنه يسمع أصوات الخلق من العرش إلى ما تحت الثرى، ويرى الصغير والكبير فوق أطباق السموات العلى، وتحت الأرضين السفلى، ومعلوم أن الوهم البشري والخيال الإنساني قاصران عن الاعتراف بهذا الموجود، مع أنا نعتقد أنه [سبحانه وتعالى ] كذلك ).

يقال له: لا ريب أنه سبحانه وتعالى كما قالت عائشة -رضي الله عنها- في الحديث الصحيح ": سبحان الذي وسع سمعه الأصوات" لقد كانت المجادلة تناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب البيت وإنه ليخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله تعالى قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها [المجادلة: 1 ] وفي [ ص: 313 ] الصحيحين عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي فتحدثوا بينهم بحديث فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول فقال الآخر: يسمع إن أعلنا ولا يسمع إن أسررنا، فقال الثالث: إن سمع منه شيئا فإنه يسمع كله"، فأنزل الله تعالى: وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما [ ص: 314 ] تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين [فصلت: 22، 23 ].

لكن الكلام في سعة سمعه وبصره سبحانه وتعالى كالكلام في سعة علمه وقدرته سواء، وليس فيما ذكره إلا أن ذلك ليس مثل سمعنا وبصرنا، وثبوت مثل هذا مما لا ينازع فيه عاقل، ولا ينفيه حس ولا عقل ولا تخيل؛ بل ثبوت ما لا نظير له في الخلق [ ص: 315 ] لا ينفيه الحس والعقل؛ فكيف بما ليس له نظير مساو أيضا فالعقل والحس والخيال والوهم بالنسبة إلى هذا سواء.

فقوله: "ومعلوم أن الوهم البشري والخيال الإنساني قاصران عن الاعتراف بهذا الموجود" بمنزلة قول القائل: إن العقل البشري والعلم الإنساني قاصران عن الاعتراف بهذا الموجود. وهو لا يقول إن الله ثابت على خلاف حكم العقل والعلم فيلزمه في الحس والوهم والخيال مثل ذلك.

وأيضا فقوله: "على خلاف ذلك" إن أراد به أن الوهم والخيال يعجز عن إدراك ذلك لم يضر، فإن العجز عن إدراك الشيء من بعض الوجوه لا ينفي القدرة على معرفته من وجه آخر. وإن أراد أن الوهم والخيال يدرك ما ينافي ذلك لم يصح ذلك، فليس في وهمنا وخيالنا الصحيح ما ينافي ذلك. وإن فرض اعتقاد فاسد ينافي ذلك فهو كالاعتقاد الذي يظن صاحبه أنه معقول أو معلوم. وقد قدمنا أن لفظ الوهم والخيال يقال على الباطل تارة. وعلى المطابق أخرى. فالمطابق لا ينافي ذلك، والباطل لا نزاع فيه.

وأيضا فاعتقاد امتناع موجود لا داخل العالم ولا خارجه [ ص: 316 ] ثابت بالضرورة الفطرية، والمتوهم المتخيل لا يكون ثابتا بالفطرة الضرورية كما تقدم.

التالي السابق


الخدمات العلمية