الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
قال الحفيد: (وأما أبو المعالي فإنه رام أن يبين هذه [ ص: 68 ] المقدمة بمقدمات: (إحداها ) أن الجائز لا بد له من مخصص يجعله بأحد الوصفين الجائزين أولى منه بالثاني، و (الثانية ) أن هذا المخصص لا يكون إلا مريدا. و (الثالثة ) أن الموجود عن الإرادة هو حادث ).

قلت: وكذلك قررها الرازي أيضا. فهذه المقدمات الثلاث مع أن نزاع الحفيد والفلاسفة في تينك المقدمتين لا يضر، فإنا قد بينا أنهم موافقون على أن الخالق مريد قاصد كما تبين في إثباتهم العناية، وإن تناقضوا بنفي الإرادة هنا لم يفدهم لإقرارهم بذلك، ولأنا قد بينا أن الأدلة الدالة على ذلك يقينية ضرورية. وأن نفي ذلك كنفي واجب الوجود. ولكن أبو المعالي والرازي ونحوهما إنما احتاجوا لهذه الطريقة لأنهم لا يثبتون الحكمة الغائية، وإنما يثبتون الإرادة المخصصة، [ ص: 69 ] وقد قدمنا أن كونه مختارا يبين بما دل على الإرادة المخصصة لمفعول دون مفعول، وبما دل على ما في المفعولات من الحكمة المقصودة وبالأمرين جميعا؛ لكن هؤلاء الفلاسفة سلكوا إحدى الطريقتين. وتناقضوا في منازعتهم في الأخرى، والأشعرية سلكوا إحدى الطريقتين، ونازعوا في الأخرى، والتناقض لازم لهم أيضا، والمقصود من الطريقتين واحد: وهو كونه قاصدا مريدا مختارا. وهذه الطريقة التي سلكها أبو المعالي والرازي وغيرهما صحيحة أيضا توجب العلم اليقيني بكونه مريدا مختارا.

قال الحفيد: ثم بين -يعني أبا المعالي - أن الجائز يكون عن الإرادة: أي عن فاعل مريد، من قبل أن كل فعل فإما أن يكون عن الطبيعة وإما عن الإرادة. والطبيعة لا يكون عنها أحد هذين الجائزين المتماثلين أعني لا تفعل المماثل دون مماثله، بل تفعلهما: مثال ذلك أن "السقمونيا" ليست [ ص: 70 ] تجذب الصفراء مثلا التي في الجانب الأيمن من البدن دون التي في الأيسر. فأما الإرادة فهي التي تخص الشيء دون مماثله. ثم أضاف إلى هذه أن العالم مماثل كونه في الموضع الذي خلق فيه في الجو الذي خلق فيه. يريد الخلاء لكونه في غير الموضع من ذلك الخلاء، فأنتج عن ذلك أن العالم خلق عن إرادة، والمقدمة القائلة إن الإرادة هي التي تخص أحد المتماثلين صحيحة، والقائلة إن [ ص: 71 ] العالم في خلاء يحيط به كاذبة، أو غير بينة بنفسها، ويلزم أيضا عن وضعه هذا الخلاء أمر شنيع عندهم، وهو أن يكون قديما؛ لأنه إذا كان محدثا احتاج إلى خلاء.

قلت: قد سلم المقصود بهذه المقدمة، وهو أن الإرادة هي التي تخص أحد المتماثلين صحيحة. وأما اعتراضه على العالم فذاك متعلق بالمقدمة الأولى.

التالي السابق


الخدمات العلمية