الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
(فصل: قال ضرار بن عمرو: إن الباري يستحيل أن يدرك بالحواس الخمس؛ ولكن يجوز أن يخلق الله تعالى لأهل الثواب حاسة سادسة تخالف الحواس الخمس فيدركونه بها. [ ص: 382 ] ثم قال هذا الرجل: لله عز وجل مائية لا يعلمنا في وقتنا إلا هو، ثم تردد فقال مرة: لا يصح أن يعلم مائية الرب تعالى في الدنيا والعقبى غيره. وقال مرة: بل يعلمها من يدرك الرب تعالى ويراه وهو سبحانه رائي نفسه عالم بمائيته، ونحن إذا رأيناه علمنا مائيته. قال القاضي أبو بكر: الحاسة قد تطلق والمراد بها الإدراك، يقال: أحس فلان الشيء، إذا أدركه، وقد يراد به الجارحة. فإن أراد ضرار بالحاسة الجارحة والبنية المخالفة لبقية الحواس شاهدا فقد سبق الرد على من قال: الإدراك مفتقر إلى بنية. وإن زعم أن الإدراك هو الذي أثبته خارج من قبيل الإدراكات إلا أنه مخالف لها لمخالفة متعلقه متعلق الإدراكات فهذا صحيح، ولكنه أخطأ في تسميته سادسا. وإن هو أومى فيما ذهب إليه إلى اختلاف الإدراكات فتخرج الإدراكات شاهدا عن [ ص: 383 ] الخمس والخمسين. قال القاضي: فلو قال قائل: فما مذهب الرجل؟ قلنا مذهبه إثبات الرؤية وبشرط بنية سادسة، وصرف الحاسة إلى البنية والتأليف دون الإدراك ).

قلت: الحاسة يراد بها الإدراك، ويراد بها العضو المدرك، ويراد بها القوة التي في العضو. والسادس يجوز أن يراد به البنية والتأليف، ويجوز أن يراد به القوة، ويجوز أن يراد به الإدراك: أي يخلق جنسا من الرؤية مخالفا للجنس الموجود في الدنيا. وهذا من جنس قول هؤلاء الذين يقولون: يرى لا في جهة. وليس المقصود هنا ذلك.

قال: (وأما المائية التي أثبتها فقد صار على إثباتها بعض الكرامية، ولم يسلكوا في ذلك مسلك ضرار فإنه [ ص: 384 ] من نفاة الصفات، وإن عنى بها صفة نفسية وحالا فهو مذهب أبي هاشم، فإنه صار إلى أنه سبحانه وتعالى في ذاته على صفة وحالة وهي أخص صفاته، وبها يخالف خلقه. وهذا تصريح بمذهب ضرار، وإنما اختلفا في عبارة، فإن أبا هاشم سماها خاصة، وسماها ضرار مائية، وقد رددنا على أبي هاشم مذهبه في إثبات الأحوال. وقال القاضي أبو بكر: لا بعد عندي فيما قاله ضرار، فإن الرب سبحانه وتعالى يخالف خلقه بأخص صفاته، فيعلم على الجملة اختصاص الرب بصفة يخالف بها خلقه، ولا سبيل إلى صرف الأخص إلى الوجود والعدم، ولا شك في امتناع صرفها إلى الصفات المعنوية، فهذا أقصى ما يقال في ذلك ). قال: (وقد تردد القاضي في أن الذين يرون الله في الدار الآخرة هل يعلمون تلك الصفة التي يسميها أخص وصفه، وسماها ضرار مائية، أم لا؟ فمرة قال: يعلمونها، ومرة قال: لا يعلمها أحد إلا الله ).

التالي السابق


الخدمات العلمية