الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

قال علماء السير: لما هلك أبرهة ملك النصرانية في الحبشة ابنه يكسوم ، فذلت حمير وقبائل اليمن ، ووطئتهم الحبشة ، ثم هلك يكسوم ، وملك أخوه مسروق بن أبرهة ، فلما طال البلاء على أهل اليمن - وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروقا ، وأخرجوا الحبشة من اليمن اثنتين وسبعين سنة ، توارث ذلك منهم أربعة ملوك: أرياط ، ثم أبرهة ، ثم يكسوم ، ثم مسروق .

خرج سيف بن ذي يزن الحميري ، وكان يزن يكنى: أبا مرة ، حتى قدم على قيصر ملك الروم ، فشكا إليه ما هم فيه ، وطلب إليه أن يخرجهم عنه ، ويليهم هو ، ويبعث إليهم من شاء من الروم ، ويكون له ملك اليمن ، فلم يشكه ، ولم يجد عنده شيئا مما يريد .

فخرج حتى قدم الحيرة على النعمان بن المنذر - وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق - فشكا إليه ما هم فيه من البلاء والذل ، فقال له النعمان : إن لي على كسرى وفادة [ في ] كل عام ، فأقم [ عندي ] حتى أخرج بك معي . فأقام عنده حتى خرج به إلى كسرى ، فلما قدم النعمان على كسرى وفرغ من حاجته ، ذكر له سيف بن [ ص: 130 ] ذي يزن ، وما قدم له ، وسأله أن يأذن له عليه ، ففعل .

وكان كسرى إنما يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه ، وكان تاجه مثل القنفل العظيم ، مضروبا فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ والذهب والفضة ، معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاق مجلسه ذلك ، وكانت عنقه لا تحمل تاجه ، [ إنما ] يستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ، ثم يدخل رأسه في تاجه ، فإذا استوى في مجلسه كشف الثياب عنه ، فلا يراه أحد إلا برك هيبة له .

فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك ، ثم قال: أيها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة . فقال كسرى : أي الأغربة ؟ الحبشة أم السند ؟ قال: الحبشة ، فجئتك لتنصرني عليهم ، وتخرجهم عني ، وتكون لك بلادي ، فأنت أحب إلينا منهم . فقال: بعدت أرضك من أرضنا ، وهي أرض قليلة الخير ، إنما بها الشاء والبعير ، وذلك مما لا حاجة لنا به ، فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب ، لا حاجة لي بذلك .

فأجيز بعشرة آلاف درهم ، وكساه كسوة حسنة ، فلما قبضها خرج فجعل ينثر الورق للناس ، فنهبتها الصبيان والعبيد والإماء ، فلم يلبث ذلك أن دخل على كسرى ، فقيل له: العربي الذي أعطيته ما أعطيته نثره للناس ونهبته العبيد والصبيان والنساء .

فقال: إن لهذا الرجل لشأنا ، ائتوني به ، فلما دخل قال: عمدت إلى حباء الملك الذي حباك به تنثره للناس! قال: وما أصنع بالذي أعطاني الملك! ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهب وفضة - يرغبه فيها لما رأى من زهادته فيها - إنما جئت إلى الملك ليمنعني [ ص: 131 ] من الظلم ، ويدفع عني الذل ، فقال له كسرى : أقم عندي حتى أنظر في أمرك . فأقام عنده .

وجمع كسرى مرازبته وأهل الرأي ممن كان يستشيره فاستشارهم في أمره ، فقال قائل: أيها الملك ، [ إن ] في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل ، فلو أنك بعثتهم معه ، فإن هلكوا كان الذي أردت بهم ، وإن ظهروا على بلاده كان ملكا ازددته إلى ملكك . فقال: [ إن ] هذا الرأي! أحصوا لي كم في سجوني من الرجال ، فحسبوا فوجدوا في سجونه ثمانمائة رجل ، فقال: انظروا إلى أفضل رجل منهم حسبا وبيتا فاجعلوه عليهم . فنظروا فإذا رجل يقال له: وهرز . ففعلوا ، وبعثه مع سيف بن ذي يزن ، وأمره على أصحابه .

ثم حملهم في ثماني سفن ، فغرقت سفينتان بما فيهما ، فخلصوا ستمائة ، فقال وهرز لسيف : ما عندك ؟ قال: ما شئت من رجل عربي ، وفرس عربي ، ثم أجعل رجلي مع رجلك ، حتى نموت جميعا أو نظهر جميعا . قال: أنصفت .

فجمع إليه سيف من استطاع من قومه ، وسمع بهم مسروق بن أبرهة ، فجمع جنده من الحبشة ، وسار إليهم حتى إذا تقاربت العسكران ، ونزل الناس بعضهم إلى بعض بعث وهرز ابنا له - يقال له: نوزاذ - على جريدة خيل ، فقال [ له ]: [ ص: 132 ] ناوشهم القتال حتى ننظر كيف قتالهم . فخرج إليهم فناوشهم فقتلوه ، فزاد ذلك وهرز حنقا عليهم .

فقال: أروني ملكهم . فقالوا: ترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه ، بين عينيه ياقوتة حمراء . قال: نعم . قالوا: ذاك ملكهم . فوقفوا طويلا ثم قال: علام هو ؟ قالوا: قد تحول على فرس . فقال: اتركوه . فوقفوا طويلا ، ثم قال: علام هو ؟ قالوا: قد تحول على البغلة . فقال: ابنة الحمار! ذل وذل ملكه ، إني سأرميه ، فإن رأيتم أصحابه وقوفا لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم ، فإني قد أخطأت الرجل ، وإن رأيتم القوم قد استداروا ، ولاثوا به ، فقد أصبت الرجل ، فاحملوا عليهم .

ثم أوتر قوسه وضربه فصك الياقوتة التي بين عينيه ، فتغلغلت النشابة في رأسه ، حتى خرجت من قفاه ، فتنكس عن دابته ، واستدارت الحبشة ، فحملت عليهم الفرس ، فانهزموا ، وقتلوا وهرب شريدهم في كل وجه ، فأقبل وهرز يريد صنعاء يدخلها ، حتى إذا أتى بابها قال: لا تدخل رايتي منكسة أبدا ، اهدموا الباب . فهدم باب صنعاء ، ثم دخلها ناصبا رايته بين يديه .

فلما ملك اليمن ونفى عنها الحبشة كتب إلى كسرى : إني قد ضبطت لك اليمن ، وأخرجت من كان بها من الحبشة ، وبعث إليه الأموال . فكتب إليه كسرى أن يملك سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها ، وفرض كسرى على سيف بن ذي يزن جزية وخراجا يؤديه في كل عام ، وكتب إلى وهرز أن ينصرف إليه ففعل ، وكان ذو يزن أبو سيف من ملوك اليمن .

وقيل: بل الذي قدم على كسرى ذي يزن ، فمات على بابه ، فقدم ابنه سيف عليه ، فقال: أنا ابن الشيخ اليماني الذي وعدته النصر فمات ببابك فرق له وأعانه ، وجرى له ما ذكرنا . [ ص: 133 ]

قال ابن هشام بن محمد : لما صعدت السفائن سار إليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب ، ولحق بابن ذي يزن بشر كثير ، ونزل وهرز على سيف البحر وراء ظهره ، ولما نظر مسروق إلى قلتهم طمع فيهم ، وأرسل إلى وهرز وقال: ما جاء بك ، وليس معك إلا ما أرى ، ومعي من ترى! لقد غررت بنفسك وبأصحابك ، فإن أحببت أذنت لك ، فرجعت ، وإن أحببت ناجزتك ، أو أجلتك حتى تنظر في أمرك . فقال: بل تضرب بيني وبينك أجلا . ففعل .

فلما مضى من الأجل عشرة أيام خرج ابن وهرز حتى دنا من عسكر القوم فقتلوه ، فلما انقضى الأجل غير يوم أمر بالسفن التي كانوا فيها فأحرقت بالنار ، وما كان معهم من فضل كسوة فأحرق ، ولم يدع إلا ما كان على أجسادهم ، ثم دعا بكل زاد كان معهم فقال: كلوا . فلما فرغوا أمر بفضله فألقي في البحر ، ثم قال: أما ما أحرقت من سفنكم ، فإني أردت أن تعلموا أنه لا سبيل إلى بلادكم ، وأما ما أحرقت من ثيابكم ، فإنه كان يغيظني إن ظفرت بكم الجيش ، أن يصير ذلك إليهم ، وأما ما ألقيت من زادكم في البحر ، فإني كرهت أن يطمع أحد منكم أن يكون معه زاد يعيش به يوما واحدا ، فإن كنتم تقاتلون معي وتصبرون أعلمتموني ذلك ، وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري ، فإني لم أكن لأمكنهم من نفسي . فقالوا: بل نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا ، أو نظفر .

فلما أصبح عبأ أصحابه ، وجعل يقول: إما ظفرتم ، وإما متم كراما . ثم رمى ملك القوم فسقط ، وهزموا ، وغنم من عسكرهم ما لا يحصى ، وغلب على صنعاء وبلاد اليمن .

وقال ابن إسحاق : لما انصرف وهرز إلى كسرى ، وخلف سيفا على اليمن عدا [ ص: 134 ] على الحبشة فجعل يقتلهم إلا بقايا ذليلة ، فاتخذهم خولا ، وجعل منهم قوما يمشون بين يديه بالحراب ، فلما كان يوما في وسطهم وجئوه بالحراب فقتلوه ، ووثب رجل من الحبشة فأفسد في اليمن ، فبلغ الأمر كسرى ، فبعث إليهم وهرز في أربعة آلاف من الفرس ، وأمره ألا يترك باليمن أسود ولا ممن شرك فيه السودان [ إلا قتله ] . ففعل ، فأقام فيها يجبيها إلى كسرى حتى هلك .

ولما احتضر وهرز دعا بقوسه ونشابته ، وقال: أجلسوني . فأجلسوه ، فرمى وقال: هناك . فوقعت نشابته وراء الدير ، فلما هلك بعث كسرى إلى اليمن أسوارا يقال له: زين ، وكان جبارا مسرفا فعزله ، واستعمل المروزان بن وهرز ، فلما هلك أمر بعده ابنه البينجان بن المرزبان ، فلما هلك أمر بعده خر خسره .

ثم إن كسرى غضب عليه ، فحلف ليأتينه به أهل اليمن يحملونه على أعناقهم ، ففعلوا ، فلما قدموا على كسرى تلقاه رجل من عظماء فارس ، فألقى عليه سيفا لأبي كسرى ، فأجاره كسرى بذلك من القتل ونزعه ، وبعث باذان إلى اليمن ، فلم يزل عليها حتى بعث الله وعز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم

التالي السابق


الخدمات العلمية