الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  6639 60 - حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يحدث: أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل. فقال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت، والله لتدعني فأعبرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اعبرها. قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن، حلاوته تنطف، فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به، ثم يأخذ رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله، بأبي أنت، أصبت [ ص: 170 ] أم أخطأت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أصبت بعضا وأخطأت بعضا. قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت، قال: لا تقسم.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة تؤخذ من آخر الحديث، وأخرجه مسلم في التعبير، عن حرملة وعن آخرين، وأخرجه أبو داود في الأيمان والنذور، عن محمد بن يحيى وغيره، وأخرجه النسائي في الرؤيا، عن محمد بن منصور ، وأخرجه ابن ماجه فيه، عن يعقوب بن حميد .

                                                                                                                                                                                  قوله: (ظلة) بضم الظاء المعجمة، أي: سحابة لها ظلة، وكل ما أظل من سقيفة ونحوها يسمى ظلة، قاله الخطابي .

                                                                                                                                                                                  وقال ابن فارس : الظلة أول شيء يظل، وفي رواية ابن ماجه : ظلة بين السماء والأرض .

                                                                                                                                                                                  قوله: (تنطف) أي: تقطر من نطف الماء إذا سال، ويجوز الضم والكسر في الطاء.

                                                                                                                                                                                  قوله: (يتكففون) أي: يأخذون بأكفهم، وفي رواية ابن وهب : بأيديهم، وفي رواية الترمذي : يستقون، أي: يأخذون بالأسقية.

                                                                                                                                                                                  قوله: (فالمستكثر) مرفوع على الابتداء وخبره محذوف، أي: فيهم المستكثر في الأخذ، أي: يأخذ كثيرا.

                                                                                                                                                                                  قوله: (والمستقل) أي: ومنهم المستقل في الأخذ، أي: يأخذ قليلا.

                                                                                                                                                                                  قوله: (سبب) أي: حبل.

                                                                                                                                                                                  قوله: (واصل) من الوصول، وقيل: هو بمعنى الموصول كقوله: عيشة راضية، أي: مرضية.

                                                                                                                                                                                  قوله: (فعلوت) من العلو، وفي رواية سليمان بن كثير : فأعلاك الله.

                                                                                                                                                                                  قوله: (ثم أخذ به) كذا في رواية الأكثرين، ويروى: ثم أخذه.

                                                                                                                                                                                  قوله: (وصل) على بناء المجهول، وفي رواية شيبان بن حصين : ثم وصل له.

                                                                                                                                                                                  قوله: (بأبي أنت وأمي) أي: مفدى بهما، هكذا في رواية معمر ، وفي رواية غيره: بأبي، فقط.

                                                                                                                                                                                  قوله: (لتدعني) بفتح اللام للتأكيد، أي: لتتركني، وفي رواية سليمان : ائذن لي.

                                                                                                                                                                                  قوله: (فأعبرها) في رواية ابن وهب : فلأعبرنها، بزيادة لام التأكيد والنون، ومثله في رواية الترمذي .

                                                                                                                                                                                  قوله: (اعبر) أمر من عبر يعبر.

                                                                                                                                                                                  قوله: (ثم يأخذ به رجل من بعدك) أي: ثم يأخذ بالحبل رجل، وهو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ويقوم بالحق في أمته بعده.

                                                                                                                                                                                  قوله: (ثم يأخذ رجل آخر فيعلو به) وهو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

                                                                                                                                                                                  قوله: (ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به) وهو عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.

                                                                                                                                                                                  قوله: (ثم يوصل له) قال المهلب : الخطأ فيه حيث زاد له، والوصل لغيره، وكان ينبغي له أن يقف حيث وقفت الرؤيا ويقول: ثم يوصل على نص الرؤيا، ولا يذكر الموصول له.

                                                                                                                                                                                  ومعنى كتمانه موضع الخطأ لئلا يحزن الناس بالعارض لعثمان فهو الرابع الذي انقطع له، ثم وصل، أي: الخلافة لغيره.

                                                                                                                                                                                  وقال القاضي عياض : قيل: خطؤه في قوله: (ويوصل له) وليس في الرؤيا إلا أنه يوصل، وليس فيها له، ولذلك لم توصل لعثمان ، وإنما وصلت الخلافة لعلي رضي الله تعالى عنه.

                                                                                                                                                                                  وقال بعضهم: لفظة "له" ثابتة في رواية ابن وهب وغيره، كلهم عن يونس عند مسلم وغيره، ثم لفق الكلام.

                                                                                                                                                                                  وقال: المعنى أن عثمان كاد أن ينقطع به الحبل عن اللحوق بصاحبيه بسبب ما وقع له من تلك القضايا التي أنكروها فعبر عنها بانقطاع الحبل، ثم وقعت له الشهادة فاتصل بهم فعبر عنه بأن الحبل وصل له فاتصل فالتحق بهم، انتهى.

                                                                                                                                                                                  قلت: هذا خلاف ما يقتضيه معنى قوله: (ثم يوصل له فيعلو به) .

                                                                                                                                                                                  قوله: (فأخبرني يا رسول الله بأبي) يعني أنت مفدى بأبي.

                                                                                                                                                                                  قوله: (أصبت بعضا وأخطأت بعضا) أما الذي أصاب فهو تعبير أن تكون الظلة نعمة الإسلام إلى قوله: (ثم يوصل له فيعلو به) .

                                                                                                                                                                                  وأما الذي أخطأ فاختلفوا فيه، فقال المهلب : موضع الخطأ في قوله: (ثم يوصل له) وقد ذكرناه الآن.

                                                                                                                                                                                  وقال الإسماعيلي : الخطأ هو أن الرجل لما قص على النبي صلى الله عليه وسلم رؤياه كان النبي صلى الله عليه وسلم أحق بتعبيرها من غيره فلما طلب أبو بكر تعبيرها كان ذلك خطأ، وهذا نقله الإسماعيلي عن ابن قتيبة ، ووافقه على ذلك جماعة وتعقبه النووي تبعا لغيره فقال: هذا فاسد؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قد أذن له في ذلك فقال له: اعبر، قيل: فيه نظر؛ لأنه لم يأذن له ابتداء، بل بادر هو فسأل أن يأذن له في تعبيرها فأذن له فقال: أخطأت في مبادرتك للسؤال بأن تتولى تعبيرها لا أنه أراد أخطأت في تعبيرك، وقيل: أخطأ في تفسيره لها بحضرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولو كان الخطأ في التعبير لم يقره عليه.

                                                                                                                                                                                  وقال الطحاوي : الخطأ لكونه المذكور في الرؤيا شيئين العسل والسمن، ففسرهما بشيء واحد، وكان ينبغي أن يفسرهما بالقرآن والسنة، وقيل: المراد بقوله: (أخطأت وأصبت) أن تعبير الرؤيا مرجعه الظن، والظان يخطئ ويصيب.

                                                                                                                                                                                  وقال الكرماني : فإن قلت: لم يبين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم موضع الخطأ فلم تبينون أنتم؟ قلت: هذه احتمالات لا جزم فيها، أو لأنه كان يلزم في بيانه مفاسد للناس، واليوم زال ذلك.

                                                                                                                                                                                  قوله: (لا تقسم) قال الداودي : أي [ ص: 171 ] لا تكرر يمينك فإني لا أخبرك، وقيل: معناه أنك إذ تفكرت فيما أخطأت به علمته.

                                                                                                                                                                                  وقال الكرماني : فإن قلت: قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإبرار القسم . قلت: ذلك مخصوص بما لم تكن فيه مفسدة، وهاهنا لو أبره لزم مفاسد مثل بيان قتل عثمان ونحوه، أو مما يجوز الاطلاع عليه بأن لا يكون من أمر الغيب ونحوه، أو بما لا يستلزم توبيخا على أحد بين الناس بالإنكار مثلا على مبادرته، أو على ترك تعيين الرجال الذين يأخذون بالسبب وكان في بيانه صلى الله عليه وسلم أعيانهم مفاسد، وفي التوضيح: وكذا إذا أقسم على ما لا يجوز أن يقسم عليه كشرب الخمر والمعاصي ففرض عليه ألا يبره.

                                                                                                                                                                                  وفيه جواز فتوى المفضول بحضرة الفاضل إذا كان مشارا إليه بالعلم والإمامة ، وفيه أن العالم قد يخطئ وقد يصيب .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية