الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( كل حل ) أو حلال الله أو حلال المسلمين ( علي حرام ) [ ص: 733 ] زاد الكمال : أو الحرام يلزمني ونحوه ( فهو على الطعام والشراب ، و ) لكن ( الفتوى ) في زماننا ( على أنه تبين امرأته ) بطلقة ، ولو له أكثر بن جميعا بلا نية ، وإن نوى ثلاثا فثلاث ، وإن قال لم أنو طلاقا لم يصدق قضاء لغلبة الاستعمال ولذا لا يحلف به إلا الرجال ظهيرية ( وإن لم تكن له امرأة ) وقت اليمين [ ص: 734 ] سواء نكح بعده أو لا ( فيمين ) فيكفر بأكله أو شربه لو يمينه على آت ، ولو بالله على ماض فغموس أو لغو ، ولو له امرأة وقتها فبانت بلا عدة فأكل فلا كفارة لانصرافها للطلاق وقد مر في الإيلاء .

التالي السابق


مطلب كل حل عليه حرام

( قوله كل حل إلخ ) قال في الهداية : ولو قال كل حل علي حرام فهو على الطعام والشراب إلا أن ينوي غير ذلك . والقياس أن يحنث كما فرغ لأنه باشر فعلا مباحا وهو التنفس ونحوه ، وهذا قول زفر . وجه الاستحسان أن المقصود وهو البر لا يحصل مع اعتبار العموم فينصرف إلى الطعام والشراب للعرف فإنه يستعمل فيما يتناول عادة ، ولا يتناول المرأة إلا بالنية لإسقاط اعتبار العموم ، وإذا نواها كان إيلاء ، ولا يصرف اليمين عن المأكول [ ص: 733 ] والمشروب ، وهذا كله جواب ظاهر الرواية . ومشايخنا قالوا يقع به الطلاق من غير نية لغلبة الاستعمال وعليه الفتوى . ا هـ .

قلت : ومقتضى قوله فإنه يستعمل فيما يتناول عادة أن العرف كان أولا في استعماله في الطعام أو الشرب ثم تغير ذلك إلى عرف آخر وغلب استعماله في الطلاق . ثم إن ما ذكروه هنا لا ينافي ما ذكروه في الإيلاء من التفصيل بين نية تحريم المرأة أو الظهار أو الكذب أو الطلاق لأن ذاك في أنت علي حرام وما هنا في التحريم باللفظ العام . والفتوى على قول المتأخرين بانصرافه إلى الطلاق البائن عاما أو خاصا كما ذكرناه هناك ( قوله زاد الكمال إلخ ) لا محل لذكر هذا هنا لأن مراد الكمال أن هذا يراد به الطلاق فقط بحسب العرف كما يأتي ( قوله ولكن الفتوى في زماننا ) أي الزمان المتأخر عن زمان المتقدمين . وتوقف البزدوي في مبسوطه في كون عرف الناس إرادة الطلاق به فالاحتياط أن لا يخالف المتقدمين . مطلب : تعارفوا : الحرام يلزمني والطلاق يلزمني

قال في الفتح : واعلم أن مثل هذا اللفظ لم يتعارف في ديارنا بل المتعارف فيه حرام علي كلامك ونحوه كأكل كذا ولبسه دون الصيغة العامة . وتعارفوا أيضا الحرام يلزمني . ولا شك في أنهم يريدون الطلاق مطلقا ، فإنهم يذكرون بعده لا أفعل كذا ولأفعلن ، وهو مثل تعارفهم : الطلاق يلزمني لا أفعل كذا فإنه يراد به إن فعلت كذا فهي طالق ويجب إمضاؤه عليهم .

والحاصل أن المعتبر انصراف هذه الألفاظ عربية أو فارسية إلى معنى بلا نية التعارف فيه ، فإن لم يتعارف سئل عن نيته وفيما ينصرف بلا نية لو قال أردت غيره لا يصدقه القاضي ، وفيما بينه وبين الله تعالى هو المصدق ا هـ وأقره في البحر والنهر والمقدسي والشرنبلالي وغيرهم وتقدم تمام الكلام على ذلك في الطلاق ( قوله ولو له أكثر بن جميعا ) في هذه المسألة كلام طويل قدمناه في باب طلاق غير المدخول بها ، وفي باب الإيلاء : والذي حررناه هناك أنه لا خلاف في أن أنت علي حرام يخص المخاطبة ، وفي كل حل علي حرام يعم الزوجات الأربع لصريح أداة العموم الاستغراقي ، وفي امرأتي حرام أو طالق يقع على واحدة منهن ، وإنما الخلاف في نحو حلال الله أو حلال المسلمين ، فقيل يقع على واحدة غير معينة نظرا إلى صورة أفراده والأشبه أنه يعم الكل فافهم ( قوله وإن لم تكن له امرأة إلخ ) قال في الظهيرية : وإن قال لم أنو الطلاق لا يصدق قضاء لأنه صار طلاقا عرفا . ثم قال : وإن حلف به ، إن كان فعل كذا وقد كان فعل وله امرأة واحدة أو أكثر بن جميعا ، وإن لم تكن له امرأة لا يلزمه شيء لأنه جعل يمينا بالطلاق ، ولو جعلناه يمينا بالله تعالى فهو غموس ، وإن حلف بهذا على أمر في المستقبل ففعل ذلك وليس له امرأة كان عليه الكفارة لأن تحريم الحلال يمين . ا هـ .

وحاصله أنه إذا لم تكن له امرأة وحلف على ماض كذبا لا يلزمه شيء لأنه جعل طلاقا على المفتى به فيلغو لعدم الزوجة ; ولو جعل يمينا بالله تعالى فغموس لأنه كناية عن الحلف بالله تعالى كما مر في هو يهودي أنه كناية ، [ ص: 734 ] وإن لم يعقل وجهها فعلى الوجهين لا يلزمه شيء سوى الاستغفار ، وقيل إن قوله ولو جعل يمينا بالله تعالى أي بناء على ظاهر الرواية من حمله على الطعام والشراب ، وفيه نظر لأنه إذا قال إن كنت فعلت كذا فكل حل علي حرام يصير بمعنى إن كنت فعلته فو الله لا آكل ولا أشرب ، فإذا كان قد فعل انعقدت يمينه على عدم الأكل والشرب فيكفر بأكله أو شربه فلا تكون لغوا فافهم . وعلى هذا فما في النهاية عن النوازل من أنه إن لم تكن له امرأة تجب عليه الكفارة محمول على أنه جعل يمينا بالله تعالى مع كون الحلف على مستقبل وإلا كان غموسا فلا تلزمه الكفارة . وأما قوله في البحر معناه إذا أكل أو شرب لانصرافه عند عدم الزوجة إلى الطعام والشراب لا كما يفهم من ظاهر العبارة ا هـ ففيه نظر ، بل هو محمول على ما يفهم من ظاهر العبارة وهو وجوب الكفارة وإن لم يأكل ولم يشرب بناء على ما قلنا وإلا ورد عليه ما ذكراه من النظر السابق ، ويؤيده أن انصرافه إلى الطعام والشراب كان في العرف السابق ثم تغير ذلك العرف وصار مصروفا إلى الطلاق كما مر ، فبعد ما صار حقيقة عرفية في الطلاق لا يصح حمله على العرف المهجور بل يبقى مرادا به الطلاق غير أنه إذا لم تكن له امرأة يبقى مرادا به الطلاق فيلغو ويجعل يمينا بالله تعالى ، فتجب به الكفارة إن لم يكن غموسا ; فالترديد في كلام الظهيرية مبني على قولين بدليل ما في البزازية حيث قال : وفي المواضع التي يقع الطلاق بلفظ الحرام إن لم تكن له امرأة إن حنث لزمته الكفارة والنسفي على أنه لا تلزمه ا هـ فما قاله النسفي مبني على أنه يبقى مرادا به الطلاق . وظاهر كلامهم ترجيح خلافه ، فاغتنم تحقيق هذا المقام فإنه من منح الملك السلام .

( قوله سواء نكح بعده أو لا ) هو ما عليه الفتوى كما يأتي ( قوله فيكفر بأكله أو شربه ) مبني على ما فسر به في البحر عبارة النوازل ، وقد علمت ما فيه ، والصواب أن يقول فيكفر بحنثه أي بفعله المحلوف عليه ، كأن قال إن دخلت الدار فكل حل علي حرام ثم دخلها يلزمه كفارة اليمين لأنها يمين منعقدة على عدم الدخول في المستقبل لا على عدم الأكل والشرب ; حتى لو أكل أو شرب قبل الدخول أو بعده لا يلزمه شيء ( قوله ولو بالله على ماض ) لفظ بالله سبق قلم : أي ولو كانت يمينه على ماض ، كما إذا قال إن كنت فعلت كذا فكل حل علي حرام وكان عالما بأنه فعله فهي غموس إن جعلت يمينا بالله تعالى فلا تلزمه كفارة ، وقوله أو لغو : أي إن جعلت يمينا بالطلاق كما قاله النسفي . وظاهر ما مر عن الظهيرية من قوله لأنه جعل يمينا بالطلاق اعتماد الأول ، وهو ظاهر ما قدمناه أيضا عن البزازية ، وكذا ما يأتي قريبا .

وبما قررناه علم أن ما ذكره الشارح من قوله فغموس أو لغو هو حاصل ما قدمناه عن الظهيرية ، فليس في كلامه خلل سوى زيادة لفظ بالله فافهم ( قوله ولو له امرأة وقتها إلخ ) مقابل قول المصنف وإن لم تكن له امرأة . قال في الظهيرية : وإن حلف بهذا على أمر في المستقبل ففعل ذلك وليس له امرأة كان عليه الكفارة لأن تحريم الحلال يمين ، وإن كان له امرأة وقت اليمين فماتت قبل الشرط أو بانت لا إلى عدة ثم باشر الشرط لا تلزمه الكفارة لأن يمينه انصرف إلى الطلاق وقت وجودها ، وإن لم تكن له امرأة وقت اليمين ثم تزوج امرأة ثم باشر الشرط اختلفوا فيه . قال الفقيه أبو جعفر : تبين المتزوجة . وقال غيره : لا تبين ، وبه أخذ الفقيه أبو الليث وعليه الفتوى لأن يمينه جعل يمينا بالله تعالى . وقت وجودها فلا يكون طلاقا بعد ذلك ا هـ ومثله في الخانية . وفي عبارة البزازية : في هذه المسألة خلل نبهنا عليه في باب الإيلاء ( قوله فأكل ) صوابه فباشر الشرط كما في عبارة الظهيرية وغيرها وذلك كدخول الدار مثلا ، ولا نظر فيه للأكل وعدمه كما علمت ( قوله وقد مر في الإيلاء ) ما مر هناك فيه خلل تابع فيه البزازية كما أوضحناه هناك .




الخدمات العلمية