الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( حلف لا يأكل من هذه النخلة ) أو الكرمة ( تقيد حنثه بأكله من ثمرها ) بالمثلثة أي ما يخرج منها بلا تغير بصنعة جديدة فيحنث بالعصير لا بالدبس المطبوخ ، ولا بوصل غصن منها بشجرة أخرى ( وإن لم يكن ) [ ص: 768 ] للشجرة ثمرة ( تنصرف ) يمينه ( إلى ثمنها فيحنث إذا اشترى به مأكولا وأكله ، ولو أكل من عين النخلة لا يحنث ) وإن نواها لأن الحقيقة مهجورة ولوالجية . وفي المحيط لو نوى أكل عينها لم يحنث بأكل ما يخرج منها لأنه نوى حقيقة كلامه قال المصنف تبعا لشيخه وينبغي أن لا يصدق قضاء لتعين المجاز . زاد في النهر فإن قلت : ورق الكرم مما يؤكل عرفا فينبغي صرف اليمين لعينه .

قلت : أهل العرف إنما يأكلونه مطبوخا ( وفي الشاة يحنث باللحم خاصة ) لا باللبن لأنها مأكولة فتنعقد اليمين عليها .

التالي السابق


مطلب حلف لا يأكل من هذه النخلة

مطلب إذا تعذرت الحقيقة أو وجد عرفا بخلافها تركت

( قوله حلف لا يأكل من هذه النخلة إلخ ) الأصل في جنس هذه المسائل أن العمل بالحقيقة عند الإمكان ، فإن تعذر أو وجد عرف بخلاف الحقيقة تركت ، فإذا عقد يمينه على ما هو مأكول بعينه انصرفت إلى العين لإمكان العمل بالحقيقة ، وإذا عقدها على ما ليس مأكولا بعينه أو هو مأكول إلا أنه لا تؤكل عينه عادة انصرفت إلى ما يتخذ منه مجازا لأن العمل بالحقيقة غير ممكن ، فإذا حلف لا يأكل من هذه الشاة شيئا فأكل من لبنها أو سمنها لا يحنث لأن عين الشاة مأكولة فينصرف إلى عينها لا ما يتولد منها وكذا العنب ، فلا يحنث بزبيبه وعصيره ، وفي النخلة يحنث بتمرها وطلعها لأن عينها غير مأكولة ، وفي الدقيق يحنث بخبزه لأن الدقيق وإن كان يؤكل إلا أنه لا يؤكل كذلك عادة وتمامه في الذخيرة ( قوله أو الكرمة ) شجرة العنب ولم أرها بالتاء فلتراجع ( قوله بالمثلثة ) لأن المراد ما يتولد منها سواء كان تمرا بالمثناة أو غيره كالجمار ، وهو شيء أبيض لين في رأس النخلة ولأن النخلة مثال والمراد ما يعمها وغيرها مما لا تؤكل عينه ( قوله فيحنث بالعصير ) استشكل بأن اليمين على الأكل ، والعصير مما لا يؤكل . وأجيب بأن الأكل هنا مجاز عن التناول ، فالمراد لا أتناول منها شيئا ط .

قلت : مقتضى الجواب أنه يحنث بشرب العصير ويحتاج إلى نقل فإن كلامهم يصح بدون هذا التأويل . فقد ذكرنا عن البحر لو حلف لا يأكل هذا اللبن أو العسل أو الخل فأكله بخبز يحنث لأن أكله هكذا يكون ، وكذا لو ثرد في اللبن . وفي البزازية لا يأكل طعاما ينصرف إلى كل مأكول مطعوم حتى لو أكل الخل يحنث ا هـ فقد صح أكل ما يشرب فكذا يقال هنا فتأمل ( قوله لا بالدبس المطبوخ ) وكذا النبيذ والناطف والخل لأنه مضاف إلى فعل حادث ، فلم يبق مضافا إلى الشجرة بحر ، ولذا عطف عليه في قوله تعالى - { ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم } - فتح . واحترز بالمطبوخ عما يسيل من الرطب فإنه يحنث بأكله كما في الذخيرة

مطلب فيما لو وصل غصن شجرة بأخرى

( قوله ولا بوصل إلخ ) يعني إذا قطع غصنا من الشجرة المحلوف عليها ووصله بشجرة أخرى وأكل من الثمر الخارج منه لا يحنث . ا هـ . ح . وقال بعضهم : يحنث فتح وبحر ولعل وجه الأول أن الغصن صار جزءا من الثانية ولا يسمى في العرف أكلا من الأولى ، ومقتضى الإطلاق أنه لا فرق بين كون الشجرتين من نوع واحد أو من نوعين ، [ ص: 768 ] ونقل في الذخيرة المسألة مطلقة كما مر ثم صورها بما إذا حلف لا يأكل من شجرة التفاح ، فوصل بها غصن شجرة الكمثرى قال : فإن سماها باسمها مع الإشارة بأن قال لا آكل من هذه الشجرة التفاح لم يحنث ، وإن لم يسمها بل قال من هذه الشجرة حنث ، ثم نقل عن بعضهم أن الرواية هكذا .

قلت : ويمكن التوفيق بين القولين بحمل الحنث على ما إذا اختلف النوع ، وسمى الشجرة باسمها ثم أكل مما سمى والقول بعدم الحنث على ما إذا اتحد النوع أو اختلف ولم يسم ، والله تعالى أعلم ( قوله فيحنث إذا اشترى به مأكولا وأكله ) لفظة وأكله زادها في البحر على ما في الفتح . قال في الشرنبلالية : وقد يقال يراد بالأكل الإنفاق في أي شيء فيحنث به إذا نوى فلينظر . ا هـ .

قلت : إذا نوى ذلك لا كلام ، أما إذا لم ينو فالظاهر تقييده بالأكل حقيقة ، حتى لو اشترى به مشروبا وشربه لا يحنث إلا إذا أكله مع غيره عملا بحقيقة الكلام ما لم يوجد نقل بخلافه فافهم ( قوله ولو أكل من عين النخلة لا يحنث ) هو الصحيح كما في النهر وغيره ( قوله مهجورة ) صوابه متعذرة كما عبر به في إيضاح الإصلاح . وقال في حاشيته : ومن قال مهجورة لا يفرق بين المتعذر والمهجور . قال صاحب الكشف : المتعذر ما لا يوصل إليه إلا بمشقة كأكل النخلة والمهجور ما يتيسر إليه الوصول لكن الناس تركوه كوضع القدم . ا هـ . ح . وقد يقال أراد بالمهجورة الغير المستعملة تجوزا كما تجوز صاحب الكشف بإطلاق المتعذر على المتعسر مع أن المراد ما يشمل القسمين ، وحقيقة المتعذر مثل قوله لا يأكل من هذا القدر فافهم ( قوله لم يحنث بأكل ما يخرج منها ) مقتضاه أن نية عينها صحت فهو قول آخر غير ما في الولوالجية كما أفاده في النهر فافهم ولم أر من صحح أحدهما ، وما نقل عن حاشية أبي السعود أنه قال ما في الولوالجية هو الصحيح فهو خلاف الواقع وإنما فيها ما نقلناه عن النهر آنفا من تصحيح ما في المتن ثم ذكر بعده عبارة الولوالجية فافهم ( قوله لتعين المجاز ) ولذا انصرف إليه عند عدم النية فكانت الحقيقة خلاف الظاهر ( قوله إنما يأكلونه مطبوخا ) أي فلا يحنث بأكله لكونه دخله صنعة جديدة ح .




الخدمات العلمية