الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ، ولو قطع العبد يد إنسان أو جرحه جراحة فخير فيه فاختار الدفع ثم مات من ذلك فالدفع على حاله لا يبطل ; لأن وجوب الدفع لا يختلف بالقتل والقطع ; لأنه يدفع في الحالين جميعا ، وإن اختار الفداء ثم مات يبطل الاختيار ثم يخير ثانيا عند محمد استحسانا ، وهو قول أبي يوسف الأول ، والقياس أن لا يبطل ، وعليه الدية ، وهو قول أبي يوسف الأخير .

                                                                                                                                ولم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي حنيفة رحمه الله ، وذكر الطحاوي قوله مثل قول محمد ، ولو كان اختار الفداء بالإعتاق بأن عتق العبد للحال حتى صار مختارا للفداء ثم مات المجني عليه لا يبطل الاختيار ، ويلزمه جميع الدية قياسا ، واستحسانا .

                                                                                                                                ( وجه ) القياس أن المولى لما اختار الفداء عن أصل الجناية فقد صح اختياره ، ولزمه موجبها ، وبالسراية لم يتغير أصل الجناية ، وإنما تغير وصفها ، والوصف تبع للأصل فكان اختيار الفداء عن المتبوع اختيارا عن التابع .

                                                                                                                                ( وجه ) الاستحسان أن اختيار الفداء عن القطع لما سرى إلى النفس ، ومات فقد صار قتلا ، وهما متغايران ، فاختيار الفداء عن أحدهما لا يكون اختيارا عن الآخر فيخير اختيارا مستقبلا بخلاف ما إذا كان الاختيار بالإعتاق ; لأن إقدامه على الإعتاق مع علمه أنه ربما يسري إلى النفس فيلزمه كل الدية ، ولا يمكنه الدفع بعد الإعتاق دلالة اختيار الكل والرضا به ، وهذا المعنى لم يوجد ههنا ; لأنه لم يرض بالزيادة على ما كان ثابتا وقت الاختيار ، والعبد للحال محل للدفع ، والله سبحانه وتعالى أعلم ( وأما ) صفة الفداء الواجب عند الاختيار فهو أنها تجب في ماله حالا لا مؤجلا ; لأن الحكم الأصلي لهذه الجناية هو وجوب الدفع ، والفداء كالخلف عنه فيكون على نعت الأصل ، ثم الدفع يجب حالا في ماله لا مؤجلا فكذلك الفداء ، والله سبحانه وتعالى الموفق هذا إذا كان العبد القاتل قنا .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية