الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ( وأما ) الذي يرجع إلى نفس القضاء ، فأنواع : منها أن يكون بحق ، وهو الثابت عند الله - عز وجل - من حكم الحادثة ، إما قطعا بأن قام عليه دليل قطعي ، وهو النص المفسر من الكتاب الكريم ، أو الخبر المشهور والمتواتر ، والإجماع ، وإما ظاهرا ; بأن قام عليه دليل ظاهر ، يوجب علم غالب الرأي ، وأكثر الظن ، من ظواهر الكتاب الكريم والمتواتر والمشهور ، وخبر الواحد ، والقياس الشرعي ، وذلك في المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها الفقهاء - رحمهم الله - والتي لا رواية في جوابها عن السلف ، بأن لم تكن واقعة ، حتى لو قضى بما قام الدليل القطعي على خلافه - لم يجز ; لأنه قضاء بالباطل قطعا ، وكذا لو قضى في موضع الخلاف ، بما كان خارجا عن أقاويل الفقهاء كلهم ، لم يجز ; لأن الحق لا يعدو أقاويلهم ، فالقضاء بما هو خارج عنها كلها يكون قضاء باطلا قطعا .

                                                                                                                                وكذا لو قضى بالاجتهاد فيما فيه نص ظاهر ، يخالفه من الكتاب الكريم والسنة - لم يجز قضاؤه ; لأن القياس في مقابلة النص باطل ، سواء كان النص قطعيا أو ظاهرا .

                                                                                                                                وأما فيما لا نص فيه يخالفه ، ولا إجماع النقول ، لا يخلو ( إما ) أن كان القاضي من أهل الاجتهاد .

                                                                                                                                ( وإما ) أن لم يكن من أهل الاجتهاد ، فإن كان من أهل الاجتهاد ، وأفضى رأيه إلى شيء يجب عليه العمل به ، وإن خالف رأي غيره ممن هو من أهل الاجتهاد والرأي ، ولا يجوز له أن يتبع رأي غيره ; لأن ما أدى إليه اجتهاده هو الحق عند الله - عز وجل - ظاهرا ، فكان غيره باطلا ظاهرا ، ; لأن الحق في المجتهدات واحد ، والمجتهد يخطئ ويصيب - عند أهل السنة والجماعة - في العقليات والشرعيات جميعا ، ولو أفضى رأيه إلى شيء .

                                                                                                                                وهناك مجتهد آخر - أفقه منه - له رأي آخر ، فأراد أن يعمل برأيه ، من غير النظر فيه ، وترجح رأيه بكونه أفقه منه ، هل يسعه ذلك ؟ ذكر في كتاب الحدود ، أن عند أبي حنيفة يسعه ذلك ، وعندهما لا يسعه إلا أن يعمل برأي نفسه ، وذكر في بعض الروايات هذا الاختلاف على العكس ، فقال : على قول أبي حنيفة : لا يسعه ، وعلى قولهما : يسعه ، وهذا يرجع إلى أن كون أحد المجتهدين أفقه ، من غير النظر في رأيه ، هل يصلح مرجحا ؟ من قال : يصلح مرجحا ، قال : يسعه ، ومن قال [ ص: 5 ] لا يصلح ، قال : يسعه .

                                                                                                                                ( وجه ) قول من لا يرى الترجيح بكونه أفقه ، أن الترجيح يكون بالدليل ، وكونه أفقه ليس من جنس الدليل ، فلا يقع به الترجيح ، وهذا لا يصلح دليل الحكم بنفسه .

                                                                                                                                ( وجه ) قول من يرى به الترجيح ، أن هذا من جنس الدليل ; لأن كونه أفقه ، يدل على أن اجتهاده إقرار إلى الصواب ، فكان من جنس الدليل فيصلح للترجيح ، إن لم يصلح دليل الحكم بنفسه ، وأبدا يكون الترجيح بما لا يصلح دليل الحكم بنفسه ، ولهذا قيل : في حده زيادة لا يسقط بها التعارض حقيقة ; لما علم في أصول الفقه ، ولهذا أوجب أبو حنيفة - رحمه الله - تقليد الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم ورجحه على القياس ; لما أن قوله أقرب إلى إصابة الحق من قول القائس كذا هذا ، وإن أشكل عليه حكم الحادثة استعمل رأيه في ذلك وعمل به ، والأفضل أن يشاور أهل الفقه في ذلك ، فإن اختلفوا في حكم الحادثة - نظر في ذلك ، فأخذ بما يؤدي إلى الحق ظاهرا ، وإن اتفقوا على رأي يخالف رأيه - عمل برأي نفسه أيضا ; لأن المجتهد مأمور بالعمل بما يؤدي إليه اجتهاده ، فحرم عليه تقليد غيره ، لكن لا ينبغي أن يعجل بالقضاء ، ما لم يقض حق التأمل والاجتهاد ، وينكشف له وجه الحق ، فإذا ظهر له الحق باجتهاده ، قضى بما يؤدي إليه اجتهاده ، ولا يكونن خائفا في اجتهاده ، بعد ما بذل مجهوده لإصابة الحق ، فلا يقولن : إني أرى ، وإني أخاف ; لأن الخوف والشك والظن ، يمنع من إصابة الحق ، ويمنع من الاجتهاد ، فينبغي أن يكون جريئا جسورا على الاجتهاد ، بعد أن لم يقصر في طلب الحق ، حتى لو قضى مجازفا لم يصح قضاؤه ، فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى ، وإن كان من أهل الاجتهاد ، إلا أنه إذا كان لا يدري - يحمل على أنه قضى برأيه ، ويحكم بالصحة حملا لأمر المسلم على الصحة والسداد ما أمكن ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم ، هذا إذا كان القاضي من أهل الاجتهاد .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية