الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                وأما المطبوخ أدنى طبخة من عصير العنب فلا شك أنه لا قطع فيه ; لأنه حرام فلم يكن مالا ، ويقطع في الذهب ، والفضة ; لأنهما من أعز الأموال ، ولا تفاهة فيهما بوجه ، وكذلك الجواهر ، واللآلئ ; لما قلنا .

                                                                                                                                وبهذا تبين أن التعويل في هذا الباب في منع وجوب القطع على معنى التفاهة ، وعدم المالية لا على إباحة الجنس ; لأن ذلك موجود في الذهب ، والفضة ، والجواهر ، واللآلئ ، وغيرها ، ويقطع في الحبوب كلها ، وفي الأدهان ، والطيب كالعود ، والمسك ، وما أشبه ذلك لانعدام معنى التفاهة ، ويقطع في الكتان ، والصوف ، والخز ، ونحو ذلك ، ويقطع في جميع الأواني من الصفر ، والحديد ، والنحاس ، والرصاص ; لما قلنا ، وكذلك لو سرق النحاس نفسه أو الحديد نفسه ، أو الرصاص لعزة هذه الأشياء ، وخطرها في أنفسها : كالذهب ، والفضة ومنها أن يكون متقوما مطلقا فلا يقطع في سرقة الخمر من مسلم ، مسلما كان السارق ، أو ذميا ; لأنه لا قيمة للخمر في حق المسلم .

                                                                                                                                وكذا الذمي إذا سرق من ذمي خمرا ، أو خنزيرا لا يقطع [ ص: 70 ] لأنه - وإن كان متقوما عندهم - فليس بمتقوم عندنا ، فلم يكن متقوما على الإطلاق ، ولا يقطع في المباح الذي ليس بمملوك ، وإن كان مالا لانعدام تقومه ، والله تعالى أعلم ومنها أن يكون مملوكا في نفسه فلا يقطع في سائر المباحات التي لا يملكها أحد ، وإن كانت من نفائس الأموال : من الذهب ، والفضة ، والجواهر المستخرجة من معادنها لعدم المالك ، وعلى هذا أيضا يخرج النباش على أصل أبي حنيفة ، ومحمد أنه لا يقطع ; لأن الكفن ليس بمملوك ; لأنه لا يخلو إما أن يكون على ملك الميت ، وإما أن يكون على ملك الورثة ، لا سبيل إلى الأول ; لأن الميت ليس من أهل الملك ، ولا ، وجه للثاني ; لأن ملك الوارث مؤخر عن حاجة الميت إلى الكفن كما هو مؤخر عن الدين ، والوصية فلم يكن مملوكا أصلا .

                                                                                                                                ومنها أن لا يكون للسارق فيه ملك ، ولا تأويل الملك أو شبهته ; لأن المملوك ، أو ما فيه تأويل الملك ، أو الشبهة لا يحتاج فيه إلى مسارقة الأعين فلا يتحقق ركن السرقة ، وهو الأخذ على سبيل الاستخفاء ، والاستسرار على الإطلاق ، ولأن القطع عقوبة السرقة قال الله في آية السرقة { : جزاء بما كسبا نكالا من الله } فيستدعي كون الفعل جناية محضة ، وأخذ المملوك للسارق لا يقع جناية أصلا فالأخذ بتأويل الملك ، أو الشبهة لا يتمحض جناية فلا يوجب القطع إذا عرف هذا فنقول : لا قطع على من سرق ما أعاره من إنسان ، أو آجره منه ; لأن ملك الرقبة قائم ، ولا على من سرق رهنه من بيت المرتهن ; لأن ملك العين له .

                                                                                                                                وإنما الثابت للمرتهن حق الحبس لا غير ولو كان الرهن في يد العدل فسرقه المرتهن ، أو الراهن فلا قطع على واحد منهما ، أما الراهن فلما ذكرنا أنه ملكه فلا يجب القطع بأخذه ، وإن منع من الأخذ كما لا يجب الحد عليه بوطئه الجارية المرهونة ، وإن منع من الوطء ( وأما ) المرتهن فلأن يد العدل يده من وجه ; لأن منفعة يده عائدة إليه ; لأنه يمسكه لحقه فأشبه يد المودع ، ولا على من سرق مالا مشتركا بينه ، وبين المسروق منه ; لأن المسروق ملكهما على الشيوع ، فكان بعض المأخوذ ملكه فلا يجب القطع بأخذه ، فلا يجب بأخذ الباقي ; لأن السرقة سرقة واحدة ، ولا على من سرق من بيت المال الخمس ; لأن له فيه ملكا ، وحقا .

                                                                                                                                ولو سرق من عبده المأذون فإن لم يكن عليه دين فلا قطع ; لأن كسبه خالص ملك المولى ، وإن كان عليه دين يحيط به ، وبما في يده لا يقطع أيضا ( أما ) على أصلهما فظاهر ; لأن كسبه ملك المولى ، وعلى أصل أبي حنيفة - رحمه الله - : إن لم يكن ملكه فله فيه ضرب اختصاص يشبه الملك ألا ترى أنه يملك استخلاصه لنفسه بقضاء دينه من مال آخر ، فكان في معنى الملك ; ولهذا لو كان الكسب جارية لم يجز له أن يتزوجها فيورث شبهة ، أو نقول إذا لم يملكه المولى ، ولا المأذون يملكه أيضا ; لأنه عبد مملوك لا يقدر على شيء ، والغرماء لا يملكون أيضا فهذا مال مملوك لا مالك ، له معين فلا يجب القطع بسرقته ، كمال بيت المال ، وكمال الغنيمة .

                                                                                                                                ولو سرق من مكاتبه لم يقطع ; لأن كسب مكاتبه ملكه من ، وجه ، أو فيه شبهة الملك له ألا ترى أنه لو كان جارية لا يحل له أن يتزوجها ، والملك من وجه ، أو شبهة الملك يمنع وجوب القطع مع ما أن هذا ملك موقوف على المكاتب ، وعلى مولاه في الحقيقة ; لأنه إن أدى تبين أنه كان ملك المولى فتبين أنه أخذ مال نفسه ، وإن عجز فرد في الرق تبين أنه كان ملك المكاتب ، فكان الملك موقوفا للحال فيوجب شبهة ، فلا يجب القطع كأحد المتبايعين إذا سرق ما شرط فيه الخيار ، ولا قطع على من سرق من ، ولده ; لأن له في مال ، ولده تأويل الملك ، أو شبهة الملك لقوله عليه الصلاة والسلام { : أنت ، ومالك لأبيك } فظاهر الإضافة إليه فاللام التمليك يقتضي ثبوت الملك له من كل وجه ، إلا أنه لم يثبت لدليل ، ولا دليل في الملك من وجه فيثبت ، أو يثبت لشبهة الملك ، وكل ذلك يمنع وجوب القطع ; لأنه يورث شبهة في وجوبه .

                                                                                                                                ( وأما ) السرقة من سائر ذي الرحم المحرم فلا توجب القطع أيضا لكن لفقد شرط آخر نذكره في موضعه - إن شاء الله تعالى - ولو دخل لص دار رجل فأخذ ثوبا فشقه في الدار نصفين ، ثم أخرجه وهو يساوي عشرة دراهم مشقوقا يقطع في قولهما ، وقال أبو يوسف - رحمه الله - : " لا يقطع " ولو أخذ شاة فذبحها ، ثم أخرجها مذبوحة لا يقطع بالإجماع .

                                                                                                                                ( وجه ) قوله : أن السارق وجد منه سبب ثبوت الملك قبل الإخراج ، وهو الشق ; لأن ذلك سبب لوجوب الضمان ، ووجوب الضمان يوجب ملك المضمون من وقت وجود السبب على أصل أصحابنا ، وذلك يمنع وجوب القطع ; ولهذا لم يقطع إذا كان المسروق شاة فذبحها ، ثم أخرجها كذا هذا ، ولهما أن السرقة تمت في ملك [ ص: 71 ] المسروق منه فيوجب القطع ، وإنما قلنا ذلك ; لأن الثوب المشقوق لا يزول عن ملكه مادام مختارا للعين ، وإنما يزول عند اختيار الضمان ، فقبل الاختيار كان الثوب على ملكه فصار سارقا ثوبين قيمتهما عشرة دراهم فيقطع ، وهكذا نقول في الشاة : إن السرقة تمت في ملك المسروق منه إلا أنها تمت في اللحم ، ولا قطع في اللحم .

                                                                                                                                وقوله : وجب الضمان عليه بالشق ، قلنا قبل الاختيار : ممنوع فإذا اختار تضمين السارق ، وسلم الثوب إليه لا يقطع ; لأنه عند اختيار الضمان ملكه من حين وجود الشق ; فتبين أنه أخرج ملك نفسه عن الحرز فلا قطع عليه ، وحكي عن الفقيه أبي جعفر الهندواني - رحمه الله - أنه قال : موضوع المسألة أنه شق الثوب عرضا ، فأما لو شقه طولا فلا قطع ; لأنه بالشق طولا خرقه خرقا متفاحشا فيملكه بالضمان ، وذكر ابن سماعة أن السارق إذا خرق الثوب تخريقا مستهلكا ، وقيمته بعد تخريقه عشرة : أنه لا قطع عليه في قول أبي حنيفة ، ومحمد - رحمهما الله - وهذا يؤيد قول الفقيه أبي جعفر الهندواني - رحمه الله - ; لأن التخريق إذا وقع استهلاكا أوجب استقرار الضمان ، وذلك يوجب ملك المضمون .

                                                                                                                                وإذا لم يقع استهلاكا ; كان وجوب الضمان فيه موقوفا على اختيار المالك ، فلا يجب قبل الاختيار ، فلا يملك المضمون ، - والله تعالى أعلم - وعلى هذا يخرج ما إذا سرق عشرة دراهم من غريم له عليه عشرة أنه لا يقطع ; لأنه ملك المأخوذ بنفس الأخذ فصار قصاصا بحقه ، فلم يبق في حق هذا المال سارقا ، فلا يقطع ، ولو كان المسروق من خلاف جنس حقه يقطع ; لأنه لا يملكه بنفس الأخذ ، بل بالاستبدال والبيع ، فكان سارقا ملك غيره فيقطع كالأجنبي إلا إذا قال : أخذته لأجل حقي على ما نذكر ، وههنا جنس من المسائل يمكن تخريجها إلى أصل آخر هو أولى بالتخريج عليه ، وسنذكره - إن شاء الله تعالى بعد .

                                                                                                                                منها أن يكون معصوما ليس للسارق فيه حق الأخذ ، ولا تأويل الأخذ ، ولا شبهة التناول ; لأن القطع عقوبة محضة فيستدعي جناية محضة ، وأخذ غير المعصوم لا يكون جناية أصلا ، وما فيه تأويل التناول ، أو شبهة التناول لا يكون جناية محضة ، فلا تناسبه العقوبة المحضة ، ولأن ما ليس بمعصوم يؤخذ مجاهرة لا مخافتة فيتمكن الخلل في ركن السرقة ، وإذا عرف هذا فنقول : لا قطع في سائر المباحات التي لا يملكها أحد ، ولا في المباح المملوك ، وهو مال الحربي في دار الحرب .

                                                                                                                                ( وأما ) مال الحربي المستأمن في دار الإسلام فلا قطع فيه استحسانا ، والقياس أن يقطع .

                                                                                                                                ( وجه ) القياس أنه سرق مالا معصوما ; لأن الحربي استفاد العصمة بالأمان بمنزلة الذمي ; ولهذا كان مضمونا بالإتلاف كمال الذمي .

                                                                                                                                ( وجه ) الاستحسان : أن هذا مال فيه شبهة الإباحة ; لأن الحربي المستأمن من أهل دار الحرب ، وإنما دخل دار الإسلام ليقضي بعض حوائجه ، ثم يعود عن قريب ، فكونه من أهل دار الحرب يورث شبهة الإباحة في ماله ; ولهذا أورث شبهة الإباحة في دمه حتى لا يقتل به المؤمن قصاصا ; ولأنه كان مباحا ، وإنما تثبت العصمة بعارض أمان هو على شرف الزوال ، فعند الزوال يظهر أن العصمة لم تكن على الأصل المعهود ، إن كل عارض على أصل ، إذا زال ; يلحق بالعدم من الأصل كأنه لم يكن فيجعل كأن العصمة لم تكن ثابتة ، بخلاف الذمي ; لأنه من أهل دار الإسلام ، قد استفاد العصمة بأمان مؤبد ، فكان معصوم الدم ، والمال عصمة مطلقة ليس فيها شبهة الإباحة .

                                                                                                                                وبخلاف ضمان المال ; لأن الشبهة لا تمنع وجوب ضمان المال لأنه حق العبد ، وحقوق العباد لا تسقط بالشبهات ، وكذا لا قطع على الحربي المستأمن في سرقة مال المسلم ، أو الذمي عند أبي حنيفة ، ومحمد - رحمهما الله - لأنه أخذه على اعتقاده الإباحة ، ولذا لم يلتزم أحكام الإسلام ، وعند أبي يوسف يقطع ، والخلاف فيه كالخلاف في حد الزنا ، ولا يقطع العادل في سرقة مال الباغي ; لأن ماله ليس بمعصوم في حقه كنفسه ، ولا الباغي في سرقة مال العادل ; لأنه أخذه عن تأويل ، وتأويله .

                                                                                                                                وإن كان فاسدا ، لكن التأويل الفاسد عند انضمام المنعة إليه ملحق بالتأويل الصحيح في منع وجوب القطع ; ولهذا ألحق به في حق منع وجوب القصاص والحد - والله تعالى أعلم - وعلى هذا تخرج السرقة من الغريم ، وجملة الكلام فيه : أن الأمر لا يخلو إما أن كان سرق منه من جنس حقه ، وإما إن كان سرق منه خلاف جنس حقه ، فإن سرق جنس حقه بأن سرق منه عشرة دراهم ، وله عليه عشرة فإن كان دينه عليه حالا - لا يقطع ; لأن الأخذ مباح له لأنه ظفر بجنس حقه ، ومن له الحق إذا ظفر بجنس حقه ; يباح له أخذه ، وإذا أخذه يصير مستوفيا حقه .

                                                                                                                                وكذلك إذا سرق منه أكثر من مقدار حقه ; لأن [ ص: 72 ] بعض المأخوذ حقه على الشيوع ، ولا قطع فيه ، فكذا في الباقي - كما إذا سرق مالا مشتركا - وإن كان دينه مؤجلا فالقياس أن يقطع ، وفي الاستحسان لا يقطع .

                                                                                                                                ( وجه ) القياس أن الدين إذا كان مؤجلا فليس له حق الأخذ قبل حلول الأجل ألا ترى أن للغريم أن يسترده منه فصار كما لو سرقه أجنبي ( وجه ) الاستحسان : أن حق الأخذ إن لم يثبت قبل حل الأجل ; فسبب ثبوت حق الأخذ قائم ، وهو الدين ; لأن تأثير التأجيل في تأخير المطالبة لا في سقوط الدين ، فقيام سبب ثبوته يورث الشبهة .

                                                                                                                                وإن سرق خلاف جنس حقه بأن كان عليه دراهم فسرق منه دنانير ، أو عروضا قطع ، هكذا أطلق الكرخي - رحمه الله - وذكر في كتاب السرقة أنه إذا سرق العروض ، ثم قال أخذت لأجل حقي لا يقطع فيحمل مطلق قول الكرخي على المطلق ، وهو ما إذا سرق ، ولم يقل : أخذت لأجل حقي ; لأنه إذا لم يقل فقد أخذ مالا ليس له حق أخذه ألا ترى أنه لا يصير قصاصا إلا بالاستبدال ، والتراضي ، ولم يتأول الأخذ أيضا ، فكان أخذه بغير حق ، ولا شبهة حق ، وهذا يدل على أنه لا يعيد ، بخلاف قول من يقول من الفقهاء : إن لصاحب الحق إذا ظفر ، بخلاف جنس حقه أن يأخذه ; لأنه قول لم يقل به أحد من السلف فلا يعتبر خلافا مؤذنا للشبهة .

                                                                                                                                وإذا قال أخذت لأجل حقي فقد أخذه متأولا ; لأنه اعتبر المعنى ، وهي المالية لا الصورة ، والأموال كلها في معنى المالية متجانسة ، فكان أخذا عن تأويل فلا يقطع ولو أخذ صنفا من الدراهم أجود من حقه ، أو أردأ لم يقطع ; لأن المأخوذ من جنس حقه من حيث الأصل ، وإنما خالفه من حيث الوصف ألا ترى أنه لو رضي به يصير مستوفيا حقه ، ولا يكون مستبدلا حتى يجوز في الصرف والسلم ، مع أن الاستبدال ببدل الصرف ، والسلم لا يجوز ، وإذا كان المأخوذ من جنس حقه من حيث الأصل تثبت شبهة حق الأخذ فيلحق بالحقيقة في باب الحد كما في الدين المؤجل .

                                                                                                                                ولو سرق حليا من فضة ، وعليه دراهم ، أو حليا من ذهب ، وعليه دنانير يقطع ; لأن هذا لا يصير قصاصا من حقه إلا بالمراضاة ، ويكون ذلك بيعا ، واستبدالا فأشبه العروض ، وإن كان السارق قد استهلك العروض ، أو الحلي ، ووجبت عليه قيمته ، وهو مثل الذي عليه من العين فإن هذا يقطع أيضا ; لأن المقاصد إنما تقع بعد الاستهلاك فلا يوجب سوى القطع ولو سرق مكاتب ، أو عبد من غريم مولاه يقطع ; لأنه ليس له حق قبض دين المولى من غير أمره ; فصار كالأجنبي حتى لو كان المولى وكله بقبض الدين لا يقطع لثبوت حق القبض له بالوكالة ، فصار كصاحب الدين .

                                                                                                                                ولو سرق من غريم مكاتبه ، أو من غريم عبده المأذون فإن لم يكن على العبد دين لم يقطع ; لأن ذلك ملك مولاه ، فكان له حق أخذه ، وإن كان عليه دين قطع ; لأنه ليس له حق القبض ; فصار كالأجنبي ولو سرق من غريم أبيه ، أو ولده يقطع ; لأنه لا حق له فيه ، ولا في قبضه ، إلا إذا كان غريم ولده الصغير فلا يقطع ; لأن حق القبض له كما في دين نفسه ، والله تعالى أعلم .

                                                                                                                                وعلى هذا أيضا يخرج سرقة المصحف على أصل أبي حنيفة أنه لا قطع فيه ; لأن له تأويل الأخذ إذ الناس لا يضنون ببذل المصاحف الشريفة لقراءة القرآن العظيم عادة فأخذه الآخذ متأولا ، وكذلك سرقة البربط ، والطبل ، والمزمار ، وجميع آلات الملاهي ; لأن آخذها يتأول أنه يأخذها لمنع المالك عن المعصية ، ونهيه عن المنكر ، وذلك مأمور به شرعا ، وكذلك سرقة شطرنج ذهب ، أو فضة ; لما قلنا ، وكذلك سرقة صليب ، أو صنم من فضة من حرز ; لأنه يتأول أنه أخذه للكسر .

                                                                                                                                ( وأما ) الدراهم التي عليها التماثيل فيقطع فيها ; لأنها لا تعبد عادة فلا تأويل له في الأخذ للمنع من العبادة فيقطع ، وعلى هذا يخرج ما إذا قطع سارق في مال ، ثم سرقه منه سارق آخر أنه لا يقطع ; لأن المسروق ليس بمعصوم في حق المسروق منه ، ولا متقوم في حقه لسقوط عصمته ، وتقومه في حقه بالقطع ، ولأن كون يد المسروق منه يدا صحيحة ; شرط وجوب القطع ، ويد السارق ليست يدا صحيحة ; لما نذكره إن شاء الله تعالى ولو سرق مالا فقطع فيه فرده إلى المالك ، ثم عاد فسرقه منه ثانيا فجملة الكلام فيه أن المردود لا يخلو : إما أن كان على حاله لم يتغير ، وإما إن أحدث المالك فيه ما يوجب تغيره ، فإن كان على حاله لم يقطع استحسانا ، والقياس أن يقطع ، وهو رواية الحسن عن أبي يوسف ، وبه أخذ الشافعي - رحمهم الله - .

                                                                                                                                ( أما ) الكلام مع الشافعي - رحمه الله - فمبني على أن العصمة الثابتة للمسروق حقا للعبد قد سقطت عند السرقة الأولى لضرورة وجوب القطع على أصلنا ، وعلى أصله لم تسقط ، بل بقيت على ما كانت ، وسنذكر [ ص: 73 ] تقرير هذا الأصل في موضعه إن شاء الله تعالى

                                                                                                                                ( وأما ) الكلام مع أبي يوسف ( وجه ) ما روى أن المحل وإن سقطت قيمته الثابتة حقا للمالكية في السرقة الأولى فقد عادت بالرد إلى المالك ، ألا ترى أنها عادت في حق الضمان ، حتى لو أتلفه السارق يضمن فكذا في حق القطع .

                                                                                                                                ( ولنا ) أن العصمة ، وإن عادت بالرد لكن مع شبهة العدم ; لأن السقوط لضرورة وجوب القطع ، وأثر القطع قائم بعد الرد فيورث شبهة في العصمة ; ولأنه سقط تقوم المسروق في حق السارق بالقطع في السرقة الأولى ، ألا ترى أنه لو أتلفه لا يضمن .

                                                                                                                                وأثر القطع بعد الرد قائم فيورث شبهة عدم التقوم في حقه فيمنع وجوب القطع ، ولا يمنع وجوب الضمان ; لأن الضمان لا يسقط بالشبهة ; لما بينا هذا إذا كان المردود على حاله لم يتغير ( فأما ) إذا أحدث المالك فيه حدثا يوجب تغيره عن حاله ، ثم سرقه السارق الأول فالأصل فيه أنه لو فعل فيه ما لو فعله الغاصب في المغصوب لأوجب انقطاع حق المالك يقطع ، وإلا فلا ; لأنه إذا فعل ذلك فقد تبدلت العين ، وتصير في حكم عين أخرى ، وإذا لم يفعل لم تتبدل ، وعلى هذا يخرج ماإذا سرق غزلا فقطع فيه ، ورد إلى المالك فنسجه ثوبا فعاد فسرقه أنه يقطع ; لأن المسروق قد تبدل .

                                                                                                                                ألا ترى أنه لو كان مغصوبا لا يقطع حق المالك ، ولو سرق ثوب خز فقطع فيه ، ورد إلى المالك فنقضه فسرق النقض لم يقطع ; لأن العين لم تتبدل ألا ترى أنه لو فعله الغاصب لا ينقطع حق المالك ، ولو نقضه المالك ، ثم غزله غزلا ، ثم سرقه السارق لم يقطع ; لأن هذا لو وجد من الغاصب لا ينقطع حق المغصوب منه فيدل على تبدل العين ولو سرق بقرة فقطع فيها ، وردها على المالك فولدت ، ولدا ثم سرق الولد يقطع ; لأن الولد عين أخرى لم يقطع فيها فيقطع بسرقتها ، وعلى هذا يخرج جنس هذه المسائل ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية