الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ( وأما ) شرائط الركن فأنواع ( منها ) أن لا يكون المعاهد من مشركي العرب ، فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف لقوله تعالى { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } إلى قوله تعالى { فخلوا سبيلهم } أمر - سبحانه وتعالى - بقتل المشركين ، ولم يأمر بتخلية سبيلهم إلا عند توبتهم ، وهي الإسلام ويجوز عقد الذمة مع أهل الكتاب ; لقول الله - تبارك وتعالى - { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } إلى قوله تعالى { من الذين أوتوا الكتاب } الآية وسواء كانوا من العرب ، أو من العجم ; لعموم النص ويجوز مع المجوس ; لأنهم ملحقون بأهل الكتاب في حق الجزية لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في المجوس { سنوا بهم سنة أهل الكتاب } وكذلك فعل سيدنا عمر رضي الله عنه بسواد العراق وضرب الجزية على جماجمهم ، والخراج على أراضيهم .

                                                                                                                                ثم وجه الفرق بين مشركي العرب وغيرهم من أهل الكتاب ، ومشركي [ ص: 111 ] العجم أن أهل الكتاب إنما تركوا بالذمة وقبول الجزية لا لرغبة فيما يؤخذ منهم ، أو طمع في ذلك ، بل للدعوة إلى الإسلام ليخالطوا المسلمين ، فيتأملوا في محاسن الإسلام وشرائعه ، وينظروا فيها فيروها مؤسسة على ما تحتمله العقول ، وتقبله ، فيدعوهم ذلك إلى الإسلام ، فيرغبون فيه ، فكان عقد الذمة لرجاء الإسلام .

                                                                                                                                وهذا المعنى لا يحصل بعقد الذمة مع مشركي العرب ; لأنهم أهل تقليد وعادة ، لا يعرفون سوى العادة وتقليد الآباء ، بل يعدون ما سوى ذلك سخرية وجنونا ، فلا يشتغلون بالتأمل والنظر في محاسن الشريعة ليقفوا عليها فيدعوهم إلى الإسلام فتعين السيف داعيا لهم إلى الإسلام ، ولهذا لم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الجزية ، ومشركو العجم ملحقون بأهل الكتاب في هذا الحكم بالنص الذي روينا .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية