الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ( ومنها ) : أن يكون الموضع الذي وجد فيه القتيل ملكا لأحد أو في يد أحد ، فإن لم يكن ملكا لأحد ولا في يد أحد أصلا فلا قسامة فيه ولا دية ، وإن كان في يد أحد ، يد العموم ، لا يد الخصوص ، وهو أن يكون التصرف فيه لعامة المسلمين لا لواحد منهم ، ولا لجماعة يحصون - لا تجب القسامة ، وتجب الدية وإنما كان كذلك ; لأن القسامة أو الدية إنما تجب بترك الحفظ اللازم على ما نذكر ، فإذا لم يكن ملك أحد ، ولا في يد أحد أصلا لا يلزم أحدا حفظه - فلا تجب القسامة والدية ، وإذا كان في يد العامة فحفظه على العامة لكن لا سبيل إلى إيجاب القسامة على الكل لتعذر الاستيفاء من الكل ، وأمكن إيجاب الدية على الكل ; لإمكان الاستيفاء منهم بالأخذ من بيت المال ; لأن مال بيت المال مالهم ، فكان الأخذ من بيت المال استيفاء منهم ، وعلى هذا يخرج ما إذا وجد القتيل في فلاة من الأرض ليس بملك لأحد أنه لا قسامة فيه ولا دية إذا كان بحيث لا يسمع الصوت من الأمصار ، ولا من قرية من القرى ، فإن كان بحيث يسمع الصوت تجب القسامة على أقرب المواضع إليه ، فإن كان أقرب إلى القرى ، فعلى أقرب القرى ، وإن كان أقرب إلى المصر - فعلى أقرب محال المصر إليه ; لأنه إذا كان بحيث لا يسمع الصوت والغوث لا يلحق ذلك الموضع ، فلم يكن الموضع في يد أحد ، فلم يوجد القتيل في ملك أحد ، ولا في يد أحد أصلا فلا تجب فيه القسامة ، ولا الدية ، وإذا كانت بحيث يسمع الصوت والغوث يلحق ، فكان من توابع أقرب المواضع إليه ، وقد ورد باعتبار القرب حديث عنه عليه الصلاة والسلام وقضى به أيضا سيدنا عمر رضي الله عنه على ما نذكر ، ولو وجد في نهر عظيم كدجلة والفرات وسيحون ونحوها ، فإن كان النهر يجري به فلا قسامة ولا دية ; لأن النهر العظيم ليس ملكا لأحد ولا في يد أحد .

                                                                                                                                وقال زفر - رحمه الله - : تجب على أقرب القرى من ذلك الموضع كما إذا وجد على الدابة ، وهي تسير ، وليست في يد أحد ، وهذا القياس ليس بسديد ; لأن الموضع الذي تسير فيه الدابة تابع لأقرب المواضع إليه ، فكان في يد أهله بخلاف النهر الكبير فإنه لا يدخل تحت يد أحد لا بالأصالة ولا بالتبعية ، وإن كان النهر لا يجري به ولكنه كان محتسبا في الشط أو مربوطا على الشط أو ملقى على الشط ، فإن كان الشط ملكا فحكمه حكم الأرض المملوكة أو الدار المملوكة ، إذا وجد فيها قتيل ، وسنذكره إن شاء الله - تعالى - ، فإن لم يكن ملكا لأحد فعلى أقرب المواضع إليه من الأمصار والقرى من حيث يسمع الصوت : القسامة والدية ; لأنهم يستقون منه الماء ويوردون دوابهم ; فكان لهم تصرف في الشط ; فكان الشط في أيديهم .

                                                                                                                                وكذلك لو كان في الجزيرة فعلى أقرب المواضع إلى الجزيرة من الأمصار والقرى من حيث يسمع الصوت : القسامة والدية ; لأن الجزيرة تكون في تصرفهم ، فكانت [ ص: 290 ] في أيديهم ، وإن وجد في نهر صغير مما يقضى فيه بالشفعة للشركاء في الشرب ففيه القسامة والدية على أهل النهر ; لأن النهر مملوك لهم وسواء كان القتيل محتبسا أو مربوطا على الشط أو كان النهر يجري به بخلاف النهر الكبير ; لأنه إذا كان ملكا لأربابه - كان الموضع الذي يجري به مملوكا لهم ، وليس كذلك النهر الكبير ، ولا قسامة في قتيل يوجد في مسجد الجامع ، ولا في شوارع العامة ، ولا في جسور العامة ; لأنه لم يوجد الملك ، ولا يد الخصوص ، وتجب الدية على بيت المال ; لأن تدبير هذه المواضع ومصلحتها إلى العامة فكان حفظها عليهم فإذا قصروا ضمنوا بيت المال مالهم فيؤخذ من بيت المال .

                                                                                                                                وكذلك لا قسامة في قتيل في سوق العامة ، وهي الأسواق التي ليست بمملوكة ، وهي سوق السلطان ; لأنها إذا لم تكن مملوكة وليس لأحد عليها يد الخصوص كانت كالشوارع العامة ; لأن سوق السلطان لعامة المسلمين فلا تجب القسامة ، وتجب الدية ; لأن حفظها والتدبير فيها إلى جماعة المسلمين فيضمنون بالتقصير ; فبيت المال مال عامة المسلمين ، فيؤخذ منه .

                                                                                                                                وكذا إذا وجد في مسجد جماعتهم ، ولا قسامة ، والدية في بيت المال ; لأنه لا ملك لأحد فيه ، ولا يد الخصوص ، ويد العموم توجب الدية لا القسامة ; لما بينا ، فإن كان السوق ملكا تجب القسامة والدية لكن على من تجب فيه اختلاف نذكره في موضعه إن شاء الله - تعالى - ولا قسامة في قتيل يوجد في السجن لانعدام الملك ويد الخصوص ; لأنه لا تصرف لأهل السجن في السجن ; لكونهم مقهورين فيه وتجب الدية على بيت المال ; لأن يد العموم ثابتة عليه ، ولأن منفعة السجن لعامة المسلمين ; لأنه بني لاستيفاء حقوقهم ، ودفع الضرر عنهم ، ويد العموم توجب الدية لا القسامة ، وهذا قولهما وقال أبو يوسف - رحمه الله - : تجب القسامة والدية على أهل السجن ; لأن لهم ضرب تصرف في السجن فكأن لهم يدا على السجن فعليهم حفظه .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية