الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            ( 4485 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ : دَارِي لَك عُمُرِي . أَوْ هِيَ لَك عُمُرَك . فَهِيَ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ) الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى : نَوْعَانِ مِنْ الْهِبَةِ ، يَفْتَقِرَانِ إلَى مَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ سَائِرُ الْهِبَاتِ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ عِنْدَ مِنْ اعْتَبَرَهُ . وَصُورَةُ الْعُمْرَى أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ : أَعْمَرْتُك دَارِي هَذِهِ ، أَوْ هِيَ لَك عُمُرِي ، أَوْ مَا عَاشَتْ ، أَوْ مُدَّةَ حَيَاتِك ، أَوْ مَا حَيِيت ، أَوْ نَحْوَ هَذَا . سُمِّيَتْ عُمْرَى لِتَقْيِيدِهَا بِالْعُمُرِ . وَالرُّقْبَى أَنْ يَقُولَ : أَرْقَبْتُك هَذِهِ الدَّارَ ، أَوْ هِيَ لَك حَيَاتَك ، عَلَى أَنَّك إنْ مِتَّ قَبْلِي عَادَتْ إلَيَّ ، وَإِنْ مِتُّ قَبْلَك فَهِيَ لَك وَلِعَقِبِك . فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : هِيَ لِآخِرِنَا مَوْتًا . وَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ رُقْبَى ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ . وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا تَعْمُرُوا وَلَا تَرْقُبُوا } . وَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا ، وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ . وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . فَأَمَّا النَّهْيُ ، فَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْلَامِ لَهُمْ إنَّكُمْ إنْ أَعَمَرْتُمْ أَوْ أَرْقَبْتُمْ يَعُدْ لِلْمُعْمِرِ وَالْمُرْقِبِ ، وَلَمْ يَعُدْ إلَيْكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ . وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ { : فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى ، فَهِيَ لِمَنْ أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَعَقِبِهِ } . وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَةُ النَّهْيِ ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّتَهَا ; فَإِنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يَمْنَعُ صِحَّةَ مَا يُفِيدُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فَائِدَةً ، أَمَّا إذَا كَانَ صِحَّةُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ضَرَرًا عَلَى مُرْتَكِبَهُ ، لَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهُ ، كَالطَّلَاقِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ . وَصِحَّةُ الْعُمْرَى ضَرَرٌ عَلَى الْمُعْمِرِ ، فَإِنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ بِغَيْرِ عِوَضٍ . إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْعُمْرَى تَنْقُلُ الْمِلْكَ إلَى الْمُعْمَرِ . وَبِهَذَا قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَشُرَيْحٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ : الْعُمْرَى تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ ، لَا تُمْلَكُ بِهَا رَقَبَةُ الْمُعْمَرِ بِحَالٍ ، وَيَكُونُ لِلْمُعْمَرِ السُّكْنَى ، فَإِذَا مَاتَ عَادَتْ إلَى الْمُعْمِرِ . وَإِنْ قَالَ : لَهُ وَلِعَقِبِهِ . كَانَ سُكْنَاهَا لَهُمْ ، فَإِذَا انْقَرَضُوا عَادَتْ إلَى الْمُعْمِرِ . وَاحْتَجَّا بِمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ : سَمِعْت مَكْحُولًا يَسْأَلُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ الْعُمْرَى ، مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا ؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ : مَا أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَمَا أَعْطَوْا . وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ ، عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ : لَمْ يَخْتَلِفْ الْعَرَبُ فِي الْعُمْرَى ، وَالرُّقْبَى ، وَالْإِفْقَارِ ، وَالْإِخْبَالِ ، وَالْمِنْحَةِ ، وَالْعَرِيَّةِ . وَالْعَارِيَّةِ ، وَالسُّكْنَى ، وَالْإِطْرَاقِ ، أَنَّهَا عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهَا ، وَمَنَافِعُهَا لِمَنْ جُعِلَتْ لَهُ . وَلِأَنَّ التَّمْلِيكَ لَا يَتَأَقَّت ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ إلَى مُدَّةٍ ، فَإِذَا كَانَ لَا يَتَأَقَّت ، حُمِلَ قَوْلُهُ عَلَى تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ ; لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَوْقِيتُهُ . وَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ، وَلَا تُفْسِدُوهَا ، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى ، فَهِيَ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ } . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَفِي لَفْظٍ : { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا رُقْبَى ، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا ، فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ } . وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْعُمْرَى لِلْوَارِثِ } . وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ الْعُمْرَى ، فِي " مُوَطَّئِهِ " ، وَهُوَ صَحِيحٌ رَوَاهُ جَابِرٌ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُعَاوِيَةُ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ . وَقَوْلُ الْقَاسِمِ لَا يُقْبَلُ فِي مُخَالَفَةِ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ فِي مُخَالَفَةِ قَوْلِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُدَّعَى إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، لِكَثْرَةِ مَنْ قَالَ بِهَا مِنْهُمْ ، وَقَضَى بِهَا طَارِقٌ بِالْمَدِينَةِ بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ . وَقَوْلُ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ : إنَّهَا عِنْدَ الْعَرَبِ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ . لَا يَضُرُّ إذَا نَقَلَهَا الشَّرْعُ إلَى تَمْلِيكِ الرَّقَبَةِ ، كَمَا نَقَلَ الصَّلَاةَ مِنْ الدُّعَاءِ إلَى الْأَفْعَالِ الْمَنْظُومَةِ ، وَنَقَلَ الظِّهَارَ وَالْإِيلَاءَ مِنْ الطَّلَاقِ إلَى أَحْكَامٍ مَخْصُوصَةِ . قَوْلُهُمْ : إنَّ التَّمْلِيكَ لَا يَتَأَقَّتُ . قُلْنَا : فَلِذَلِكَ أَبْطَلَ الشَّرْعُ تَأْقِيتَهَا ، وَجَعَلَهَا تَمْلِيكًا مُطْلَقًا . ( 4486 ) فَصْلٌ : إذَا شَرَطَ فِي الْعُمْرَى أَنَّهَا لِلْمُعْمَرِ وَعَقِبِهِ ، فَهَذَا تَأْكِيدٌ لِحُكْمِهَا ، وَتَكُونُ لِلْمُعْمَرِ وَوَرَثَتِهِ . وَهَذَا قَوْلُ جَمِيعِ الْقَائِلِينَ بِهَا وَإِذَا أَطْلَقَهَا فَهِيَ لِلْمُعْمَرِ وَوَرَثَتِهِ أَيْضًا ; لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ لِلرَّقَبَةِ ، فَأَشْبَهَتْ الْهِبَةَ . فَإِنْ شَرَطَ أَنَّك إذَا مِتَّ فَهِيَ لِي . فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا ، صِحَّةُ الْعَقْدِ وَالشَّرْطِ ، وَمَتَى مَاتَ الْمُعْمَرُ رَجَعَتْ إلَى الْمُعْمِرِ . وَبِهِ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَزَيْدُ بْنُ قُسَيْطٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُد وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ; لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ : هِيَ لَك وَلِعَقِبِك . فَأَمَّا إذَا قَالَ : هِيَ لَك مَا عِشْت . فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَرَوَى مَالِكٌ ، فِي " مُوَطَّئِهِ " ، عَنْ جَابِرٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ ، وَلِعَقِبِهِ ، فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا ، لَا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْطَاهَا } . لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ . وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : مَا أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهَا تَكُونُ لِلْمُعْمَرِ وَلِوَرَثَتِهِ ، وَيَسْقُطُ الشَّرْطُ . وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ . نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ; لِلْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا رُقْبَى ، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا ، فَهُوَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ } . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الرُّقْبَى أَنْ يَقُولَ هِيَ لِلْآخِرِ مِنِّي وَمِنْك مَوْتًا . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : { لَا عُمْرَى ، وَلَا رُقْبَى ، فَمَنْ أُعْمِرَ شَيْئًا ، أَوْ أُرْقِبَهُ ، فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ } وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إبْطَالِ الشَّرْطِ ; لِأَنَّ الرُّقْبَى يُشْتَرَطُ فِيهَا عَوْدُهَا إلَى الْمُرْقِبِ إنْ مَاتَ الْآخَرُ قَبْلَهُ . وَأَمَّا حَدِيثُهُمْ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ ، فَمِنْ قَوْلِ جَابِرٍ نَفْسِهِ ، وَأَمَّا نَقْلُ لَفْظِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ، وَلَا تُفْسِدُوهَا ، فَإِنَّهُ مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَلِعَقِبِهِ } . وَلِأَنَّا لَوْ أَجَزْنَا هَذَا الشَّرْطَ ، كَانَتْ هِبَةً مُؤَقَّتَةً ، وَالْهِبَةُ لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّأْقِيتُ ، وَلَمْ يُفْسِدْهَا الشَّرْطُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ عَلَى الْمُعْمَرِ ، وَإِنَّمَا شَرْطُ ذَلِكَ عَلَى وَرَثَتِهِ ، وَمَتَى لَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ مَعَ الْمَعْقُودِ مَعَهُ ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : إنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ . فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ كَلَامِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَفَصَّلَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فَقَالَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهُ قَضَى فِي مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ ، فَهِيَ لَهُ بَتْلَةً ، لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطِي فِيهَا شَرْطٌ وَلَا مَثْنَوِيَّةٌ . قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ . ( 4487 ) فَصْلٌ : وَالرُّقْبَى هِيَ أَنْ يَقُولَ : هَذَا لَك عُمُرَك ، فَإِنْ مِتَّ قَبْلِي رَجَعَ إلَيَّ ، وَإِنْ مِتَّ قَبْلَك فَهُوَ لَك وَمَعْنَاهُ هِيَ لِآخِرِنَا مَوْتًا . وَكَذَلِكَ فَسَّرَهَا مُجَاهِدٌ . سُمِّيَتْ رُقْبَى لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : هِيَ أَنْ يَقُولَ : هِيَ لَك حَيَاتَك ، فَإِذَا مِتَّ فَهِيَ لِفُلَانٍ ، أَوْ هِيَ رَاجِعَةٌ إلَيَّ . وَالْحُكْمُ فِيهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَأَنَّهَا كَالْعُمْرَى إذَا شَرَطَ عَوْدَهَا إلَى الْمُعْمَرِ . وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى سَوَاءٌ . وَقَالَ طَاوُسٌ : مَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ عَلَى سَبِيل الْمِيرَاثِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : الرُّقْبَى وَصِيَّةٌ . يَعْنِي أَنَّ مَعْنَاهَا إذَا مِتُّ فَهَذَا لَك . وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : الرُّقْبَى بَاطِلَةٌ ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ الْعُمْرَى ، وَأَبْطَلَ الرُّقْبَى . وَلِأَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّهَا لِلْآخِرِ مِنَّا ، وَهَذَا تَمْلِيكٌ مُعَلَّقٌ بِخَطَرٍ ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بِالْخَطَرِ . وَلَنَا مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ الْأَخْبَارِ ، وَحَدِيثُهُمْ لَا نَعْرِفُهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَعْنَاهَا مَا ذَكَرُوهُ ، بَلْ مَعْنَاهَا أَنَّهَا لَك حَيَاتَك ، فَإِنْ مِتَّ رَجَعَتْ إلَيَّ فَتَكُونُ كَالْعُمْرَى سَوَاءً ، إلَّا أَنَّهُ زَادَ شَرْطَهَا لِوَرَثَةِ الْمُرْقَبِ ، إنْ مَاتَ الْمُرْقَبُ قَبْلَهُ ، وَهَذَا يُبَيِّنُ تَأْكِيدَهَا عَلَى الْعُمْرَى . ( 4488 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ الْعُمْرَى فِي غَيْرِ الْعَقَارِ ، مِنْ الْحَيَوَانِ ، وَالنَّبَاتِ ; لِأَنَّهَا نَوْعُ هِبَةٍ ، فَصَحَّتْ فِي ذَلِكَ ، كَسَائِرِ الْهِبَاتِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الرَّجُلِ يَعْمُرُ الْجَارِيَةَ : فَلَا أَرَى لَهُ وَطْأَهَا . قَالَ الْقَاضِي : لَمْ يَتَوَقَّفْ أَحْمَدُ عَنْ وَطْءِ الْجَارِيَةِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ فِيهَا ، لَكِنْ عَلَى طَرِيقِ الْوَرَعِ ; لِأَنَّ الْوَطْءَ اسْتِبَاحَةُ فَرْجٍ ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الْعُمْرَى ، وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ ، فَلَمْ يَرَ لَهُ وَطْأَهَا لِهَذَا ، وَلَوْ وَطِئَهَا كَانَ جَائِزًا . ( 4489 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَقَّتَ الْهِبَةَ إلَى غَيْرِ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى ، فَقَالَ : وَهَبْتُك هَذَا لِسَنَةٍ ، أَوْ إلَى أَنْ يَقْدَمَ الْحَاجُّ ، أَوْ إلَى أَنْ يَبْلُغَ وَلَدِي ، أَوْ مُدَّةَ حَيَاةِ فُلَانٍ . وَنَحْوَ هَذَا لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ لِلرَّقَبَةِ ، فَلَمْ تَصِحَّ مُؤَقَّتَةً ، كَالْبَيْعِ ، وَتُفَارِقُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَمْلِكُ الشَّيْءَ عُمُرَهُ ، فَإِذَا مَلَكَهُ عُمُرَهُ فَقَدْ وَقَّتَهُ بِمَا هُوَ مُؤَقَّتٌ بِهِ فِي الْحَقِيقَةِ ، فَصَارَ ذَلِكَ كَالْمُطْلَقِ . وَإِنْ شَرَطَ رُجُوعَهَا إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَانَ شَرْطًا عَلَى غَيْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية