الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              مَسْأَلَةٌ : قِيَاسُ نَصٍّ خَاصٍّ إذَا قَابَلَ عُمُومَ نَصٍّ آخَرَ . فَالذَّاهِبُونَ إلَى أَنَّ الْعُمُومَ حُجَّةٌ لَوْ انْفَرَدَ ، وَالْقِيَاسَ حُجَّةٌ لَوْ انْفَرَدَ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى خَمْسَةِ مَذَاهِبَ : فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ إلَى تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عَلَى الْعُمُومِ ، وَذَهَبَ الْجُبَّائِيُّ ، وَابْنُهُ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَالْفُقَهَاءِ إلَى تَقْدِيمِ الْعُمُومِ ، وَذَهَبَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ إلَى التَّوَقُّفِ لِحُصُولِ التَّعَارُضِ . وَقَالَ قَوْمٌ : يُقَدَّمُ عَلَى الْعُمُومِ جَلِيُّ الْقِيَاسِ دُونَ خَفِيِّهِ وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ : يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ عَلَى عُمُومٍ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ دُونَ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ حُجَجُ مَنْ قَدَّمَ الْعُمُومَ ثَلَاثٌ : الْأُولَى : أَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعٌ ، وَالْعُمُومَ أَصْلٌ فَكَيْفَ يُقَدَّمُ فَرْعٌ عَلَى أَصْلٍ ؟ الِاعْتِرَاضُ مِنْ وُجُوهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ نَصٍّ آخَرَ لَا فَرْعُ النَّصِّ الْمَخْصُوصِ بِهِ ، وَالنَّصُّ تَارَةً يُخَصَّصُ بِنَصٍّ آخَرَ ، وَتَارَةً بِمَعْقُولِ نَصٍّ آخَرَ ، وَلَا مَعْنَى لِلْقِيَاسِ إلَّا مَعْقُولُ النَّصِّ ، وَهُوَ الَّذِي يُفْهِمُ الْمُرَادَ مِنْ النَّصِّ ، وَاَللَّهُ هُوَ الْوَاضِعُ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى مَعْنَى النَّصِّ إلَّا أَنَّهُ مَظْنُونُ نَصٍّ كَمَا أَنَّ الْعُمُومَ ، وَتَنَاوُلَهُ لِلْمُسَمَّى الْخَاصِّ مَظْنُونُ نَصٍّ آخَرَ ، فَهُمَا ظَنَّانِ فِي نَصَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَإِذَا خَصَّصْنَا بِقِيَاسِ الْأُرْزِ عَلَى الْبُرِّ عُمُومَ قَوْلِهِ : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } لَمْ نُخَصِّصْ الْأَصْلَ بِفَرْعِهِ فَإِنَّ الْأُرْزَ فَرْعُ حَدِيثِ الْبُرِّ لَا فَرْعُ آيَةِ إحْلَالِ الْبَيْعِ . الثَّانِي : أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يُخَصَّصَ الْقُرْآنُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ فَرْعٌ ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِأَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ ، وَسُنَّةٍ فَيَكُونُ فَرْعًا لَهُ فَقَدْ سَلَّمَ التَّخْصِيصَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَنْ لَا يُسَلِّمُ التَّخْصِيصَ بِالْقِيَاسِ فَهَذَا لَازِمٌ لَهُمْ . فَإِنْ قِيلَ : خَبَر الْوَاحِد ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالظَّاهِرِ ، وَالنَّصِّ . قُلْنَا : وَكَوْنُ الْقِيَاسِ حُجَّةً ثَبَتَ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ ، ثُمَّ لَا مُسْتَنَدَ لِلْإِجْمَاعِ سِوَى النَّصِّ ، فَهُوَ فَرْعُ الْإِجْمَاعِ ، وَالْإِجْمَاعُ فَرْعُ النَّصِّ . الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ إنَّمَا يُطْلَبُ بِالْقِيَاسِ حُكْمُ مَا لَيْسَ مَنْطُوقًا بِهِ ، فَمَا هُوَ مَنْطُوقٌ بِهِ كَيْفَ يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ ؟ الِاعْتِرَاضُ أَنَّهُ لَيْسَ مَنْطُوقًا بِهِ كَالنُّطْقِ بِالْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ ، لِأَنَّ زَيْدًا فِي قَوْلِهِ : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } لَيْسَ كَقَوْلِهِ اُقْتُلُوا زَيْدًا ، وَالْأُرْزُ فِي قَوْلِهِ { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } لَيْسَ كَقَوْلِهِ : " يَحِلُّ بَيْعُ الْأُرْزِ بِالْأُرْزِ مُتَفَاضِلًا ، وَمُتَمَاثِلًا " فَإِذَا كَانَ كَوْنُهُ مُرَادًا بِآيَةِ إحْلَالِ الْبَيْعِ مَشْكُوكًا فِيهِ كَانَ كَوْنُهُ مَنْطُوقًا بِهِ مَشْكُوكًا فِيهِ لِأَنَّ الْعَامَّ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ كَانَ ذَلِكَ نُطْقًا بِذَلِكَ الْقَدْرِ ، وَلَمْ يَكُنْ نُطْقًا بِمَا لَيْسَ بِمُرَادٍ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ جَوَازُ تَخْصِيصِهِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ الْقَاطِعِ ، وَدَلِيلُ الْعَقْلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَابِلَ النُّطْقَ الصَّرِيحَ مِنْ الشَّارِعِ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ لَا تَتَعَارَضُ . فَإِنْ قِيلَ : مَا أَخْرَجَهُ الْعَقْلُ عُرِفَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْعُمُومِ قُلْنَا : تَحْتَ لَفْظِهِ أَوْ تَحْتَ الْإِرَادَةِ ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ : تَحْتَ اللَّفْظِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَيْءٌ ، وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ اللَّفْظِ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } ، وَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْإِرَادَةِ فَكَذَلِكَ دَلِيلُ الْقِيَاسِ يُعَرِّفُنَا ذَلِكَ ، وَلَا فَرْقَ . الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ : { أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ لِمُعَاذٍ : بِمَ تَحْكُمُ ؟ فَقَالَ : بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ : بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي } . فَجَعَلَ الِاجْتِهَادَ مُؤَخَّرًا ، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلَى الْكِتَابِ ؟ قُلْنَا : كَوْنُهُ مَذْكُورًا فِي الْكِتَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِهِ مُرَادًا بِالْعُمُومِ ، وَهُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَكَوْنُهُ فِي الْكِتَابِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ; وَلِذَلِكَ جَازَ لِمُعَاذٍ تَرْكُ الْعُمُومِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ ، وَنَصُّ الْكِتَابِ لَا يُتْرَكُ بِالسُّنَّةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ بَيَانًا لِمَعْنَى الْكِتَابِ ، وَالْكِتَابُ يُبَيِّنُ الْكِتَابَ ، وَالسُّنَّةُ تُبَيِّنُ السُّنَّةَ تَارَةً بِلَفْظٍ ، وَتَارَةً بِمَعْقُولِ لَفْظٍ . ثُمَّ نَقُولُ : حُكْمُ الْعَقْلِ الْأَصْلِيِّ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ يُتْرَكُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَبِقِيَاسِ خَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ مَعَ وُرُودِ الْخَبَرِ فَيَصِيرَ مَشْكُوكًا فِيهِ مَعَهُ ، فَكَذَلِكَ الْعُمُومُ . حُجَجُ الْقَائِلِينَ بِتَقْدِيمِ الْقِيَاسِ اثْنَتَانِ الْأُولَى : أَنَّ الْعُمُومَ يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ ، وَالْخُصُوصَ وَالِاسْتِعْمَالَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ ، وَالْقِيَاسُ لَا يَحْتَمِلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ; وَلِأَنَّهُ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ بِالنَّصِّ الْخَاصِّ مَعَ إمْكَانِ كَوْنِهِ مَجَازًا ، وَمُؤَوَّلًا فَالْقِيَاسُ أَوْلَى . الِاعْتِرَاضُ أَنَّ احْتِمَالَ الْغَلَطِ فِي الْقِيَاسِ لَيْسَ بِأَقَلَّ مِنْ احْتِمَالِ مَا ذُكِرَ فِي الْعُمُومِ مِنْ احْتِمَالِ الْخُصُوصِ ، وَالْمَجَازِ ، بَلْ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ ، وَزِيَادَةُ ضَعْفِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ احْتِمَالِ الْخُصُوصِ ، وَالْمَجَازِ إذْ الْقِيَاسُ رُبَّمَا يَكُونُ مُنْتَزَعًا مِنْ خَبَرِ وَاحِدٍ ، فَيَتَطَرَّقُ الِاحْتِمَالُ إلَى أَصْلِهِ ، ، وَرُبَّمَا اسْتَنْبَطَهُ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ فَظَنَّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ ، وَلَا حُكْمَ لِاجْتِهَادِ غَيْرِ الْأَهْلِ ، وَالْعُمُومُ لَا يَسْتَنِدُ إلَى اجْتِهَادٍ ، وَرُبَّمَا يَسْتَدِلُّ عَلَى إثْبَاتِ الْعِلَّةِ بِمَا يَظُنُّهُ دَلِيلًا ، وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ ، وَرُبَّمَا لَا يَسْتَوْفِي جَمِيعَ أَوْصَافِ الْأَصْلِ ، فَيَشِذَّ عَنْهُ وَصْفٌ دَاخِلٌ فِي الِاعْتِبَارِ ، وَرُبَّمَا يَغْلَطُ فِي إلْحَاقِ الْفَرْعِ بِهِ لِفَرْقٍ دَقِيقٍ بَيْنَهُمَا لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ فَمَظِنَّةُ الِاحْتِمَالِ ، وَالْغَلَطِ فِي الْقِيَاسِ أَكْثَرُ . الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُمْ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ جَمْعٌ بَيْنَ الْقِيَاسِ ، وَبَيْنَ الْكِتَابِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِ أَحَدِهِمَا أَوْ تَعْطِيلِهِمَا ، وَهَذَا فَاسِدٌ ; لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّقَابُلُ لَيْسَ فِيهِ جَمْعٌ بَلْ رَفْعٌ لِلْعُمُومِ ، وَتَجْرِيدٌ لِلْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ حُجَّةُ الْوَاقِفِيَّةِ : قَالُوا : إذَا بَطَلَ كَلَامُ الْمُرَجِّحِينَ كَمَا سَبَقَ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِيَاسِ ، وَالْعُمُومِ دَلِيلٌ لَوْ انْفَرَدَ ، وَقَدْ تَقَابَلَا ، وَلَا تَرْجِيحَ ، فَهَلْ يَبْقَى إلَّا التَّوَقُّفُ ; لِأَنَّ التَّرْجِيحَ إمَّا أَنْ يُدْرَكَ بِعَقْلٍ أَوْ نَقْلٍ ، وَالْعَقْلُ إمَّا نَظَرِيٌّ أَوْ ضَرُورِيٌّ ، وَالنَّقْلُ إمَّا تَوَاتُرٌ أَوْ آحَادٌ ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَيَجِبُ طَلَبُ دَلِيلٍ آخَرَ فَإِنْ قِيلَ : هَذَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ ; لِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي التَّعْيِينِ ، وَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ قَبْلَ الْقَاضِي إلَى التَّوَقُّفِ ، أَجَابَ الْقَاضِي : بِأَنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِبُطْلَانِ التَّوَقُّفِ قَطْعًا ، وَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِ لَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ رَأَى تَرْجِيحًا . وَالْإِجْمَاعُ لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَيْفَ ، وَمَنْ لَا يَقْطَعُ بِبُطْلَانِ مَذْهَبِ مُخَالِفِهِ فِي تَرْجِيحِ الْقِيَاسِ كَيْفَ يَقْطَعُ بِخَطَئِهِ إنْ تَوَقَّفَ حُجَّةُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ جَلِيِّ الْقِيَاسِ ، وَخَفِيِّهِ : وَهِيَ أَنَّ جَلِيَّ الْقِيَاسِ قَوِيٌّ ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْعُمُومِ ، وَالْخَفِيُّ ضَعِيفٌ . ثُمَّ حُكِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْجَلِيَّ بِقِيَاسِ الْعِلَّةِ ، وَالْخَفِيَّ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْجَلِيَّ مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا يَقْضِ الْقَاضِي ، وَهُوَ غَضْبَانُ } ، وَتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِمَا يُدْهِشُ الْعَقْلَ عَنْ تَمَامِ الْفِكْرِ حَتَّى يَجْرِيَ فِي الْجَائِعِ ، وَالْحَاقِنِ ، خَفِيٌّ ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ بَعِيدٍ ، فَإِنَّ الْعُمُومَ يُفِيدُ ظَنًّا ، وَالْقِيَاسَ يُفِيدُ ظَنًّا ، وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَقْوَى فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ ، فَيَلْزَمُهُ اتِّبَاعُ الْأَقْوَى ، وَالْعُمُومُ تَارَةً يَضْعُفُ بِأَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهُ قَصْدُ التَّعْمِيمِ ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكْثُرَ الْمُخْرَجُ مِنْهُ ، وَيَتَطَرَّقَ إلَيْهِ تَخْصِيصَاتٌ كَثِيرَةٌ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } فَإِنَّ دَلَالَةَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ } عَلَى تَحْرِيمِ الْأُرْزِ ، وَالتَّمْرِ أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَةِ هَذَا الْعُمُومِ عَلَى تَحْلِيلِهِ . وَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ، وَخُصِّصَ بِهِ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } ، وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهُ التَّعْلِيلُ بِالْإِسْكَارِ فَلَوْ لَمْ يَرِدْ خَبَرٌ فِي تَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ لَكَانَ إلْحَاقُ النَّبِيذِ بِالْخَمْرِ بِقِيَاسِ الْإِسْكَارِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ بَقَائِهِ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ : { لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا } ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَآيَةِ إحْلَالِ الْبَيْعِ لِكَثْرَةِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُمَا ، وَلِضَعْفِ قَصْدِ الْعُمُومِ فِيهِمَا ، وَلِذَلِكَ جَوَّزَهُ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فِي أَمْثَالِهِ دُونَ مَا بَقِيَ عَلَى الْعُمُومِ ، وَلَكِنْ لَا يَبْعُدُ ذَلِكَ عِنْدَنَا أَيْضًا فِيمَا بَقِيَ عَامًّا لَا نَشُكُّ فِي أَنَّ الْعُمُومَاتِ بِالْإِضَافَةِ إلَى بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ تَخْتَلِفُ فِي الْقُوَّةِ لِاخْتِلَافِهَا فِي ظُهُورِ إرَادَةِ قَصْدِ ذَلِكَ الْمُسَمَّى بِهَا ، فَإِنْ تَقَابَلَا وَجَبَ تَقْدِيمُ أَقْوَى الْعُمُومَيْنِ . ، وَكَذَلِكَ أَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ إذَا تَقَابَلَا قَدَّمْنَا أَجْلَاهُمَا ، وَأَقْوَاهُمَا ، فَكَذَلِكَ الْعُمُومُ ، وَالْقِيَاسُ إذَا تَقَابَلَا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قِيَاسٌ قَوِيٌّ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ عُمُومٍ ضَعِيفٍ أَوْ عُمُومٌ قَوِيٌّ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ قِيَاسٍ ضَعِيفٍ فَنُقَدِّمُ الْأَقْوَى ، وَإِنْ تَعَادَلَا فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي إذْ لَيْسَ كَوْنُ هَذَا عُمُومًا أَوْ كَوْنُ ذَلِكَ قِيَاسًا مِمَّا يُوجِبُ تَرْجِيحًا لِعَيْنِهِمَا بَلْ لِقُوَّةِ دَلَالَتِهِمَا فَمَذْهَبُ الْقَاضِي صَحِيحٌ بِهَذَا الشَّرْطِ . فَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا الْخِلَافُ الَّذِي فِي تَخْصِيصٍ بِقِيَاسٍ مُسْتَنْبَطٍ مِنْ الْكِتَابِ إذَا خُصِّصَ بِهِ عُمُومُ الْكِتَابِ ، فَهَلْ يَجْرِي فِي قِيَاسٍ مُسْتَنْبَطٍ مِنْ الْأَخْبَارِ ؟ قُلْنَا : نِسْبَةُ قِيَاسِ الْكِتَابِ إلَى عُمُومِ الْكِتَابِ كَنِسْبَةِ قِيَاسِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ إلَى عُمُومِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ ، وَكَنِسْبَةِ قِيَاسِ خَبَرِ الْوَاحِدِ إلَى عُمُومِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَالْخِلَافُ جَارٍ فِي الْكُلِّ ، وَكَذَا قِيَاسُ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ الْكِتَابِ ، وَقِيَاسُ نَصِّ الْكِتَابِ بِالْإِضَافَةِ إلَى عُمُومِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ ; أَمَّا قِيَاسُ خَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا عَارَضَ عُمُومَ الْقُرْآنِ فَلَا يَخْفَى تَرْجِيحُ الْكِتَابِ عِنْدَ مَنْ لَا يُقَدِّمُ خَبَرَ الْوَاحِدِ عَلَى عُمُومِ الْقُرْآنِ ، أَمَّا مَنْ يُقَدِّمُ الْخَبَرَ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَقَّفَ فِي قِيَاسِ الْخَبَرِ فَإِنَّهُ ازْدَادَ ضَعْفًا ، وَبُعْدًا ، وَمَا فِي مَعْنَى الْأَصْلِ ، وَالْمَعْلُومُ بِالنَّظَرِ الْجَلِيِّ قَرِيبٌ مِنْ الْأَصْلِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى فِي النَّفْسِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مِنْ ظَنِّ الْعُمُومِ فَالنَّظَرُ فِيهِ إلَى الْمُجْتَهِدِ . فَإِنْ قِيلَ : الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ جِنْسِ الْخِلَافِ فِي الْقَطْعِيَّاتِ أَوْ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ ؟ قُلْنَا : يَدُلُّ سِيَاقُ كَلَامِ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي تَقْدِيمِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى عُمُومِ الْكِتَابِ ، وَفِي تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عَلَى الْعُمُومِ مِمَّا يَجِبُ الْقَطْعُ بِخَطَإِ الْمُخَالِفِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ ، وَعِنْدِي أَنَّ إلْحَاقَ هَذَا بِالْمُجْتَهَدَات أَوْلَى فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ فِيهِ مُتَقَارِبَةٌ غَيْرُ بَالِغَةٍ مَبْلَغَ الْقَطْعِ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية