الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              النمط الثالث : نمط التعاند . وهو على ضد ما قبله ، والمتكلمون يسمونه " السبر والتقسيم " ، والمنطقيون يسمونه " الشرطي المنفصل " ويسمون ما قبله " الشرطي المتصل " . وهو أيضا يرجع إلى مقدمتين ونتيجة ، ومثاله : العالم إما قديم وإما حادث . وهذه مقدمة وهي قضيتان ، الثانية أن تسلم إحدى القضيتين أو نقيضها فيلزم منه لا محالة نتيجة وينتج فيه أربع تسليمات ، فإنا نقول : لكنه حادث فليس بقديم ، لكنه قديم فليس بحادث ، لكنه ليس بحادث فهو قديم ، لكنه ليس بقديم فهو حادث .

              وبالجملة كل قسمين متناقضين متقابلين إذا وجد فيهما شرائط التناقض كما سبق فينتج إثبات أحدهما نفي الآخر ونفي أحدهما إثبات الآخر . ولا يشترط أن تنحصر القضية في قسمين بل شرطه أن تستوفي أقسامه ، فإن كانت ثلاثة فإنا نقول : العدد إما مساو أو أقل أو أكثر ، فهذه ثلاثة لكنها حاصرة فإثبات واحد ينتج نفي الآخرين وإبطال اثنين ينتج إثبات الثالث وإثبات واحد ينتج انحصارا لحق في الآخرين في أحدهما لا بعينه .

              والذي لا ينتج فيه انتقاء واحد هو أن لا يكون محصورا ، كقولك زيد إما بالعراق وإما بالحجاز ، فهذا مما يوجب إثبات واحد ونفي الآخر ، أما إبطال واحد فلا ينتج إثبات الآخر إذ ربما يكون في صقع آخر . وقول من أثبت رؤية الله بعلة الوجود يكاد لا ينحصر كلامه إلا أن نتكلف له وجها ، فإن قول مصحح الرؤية لا يخلو إما أن يكون كونه جوهرا فيبطل بالعرض أو كونه عرضا فيبطل بالجوهر أو كونه سوادا أو لونا فيبطل بالحركة ، فلا تبقى شركة لهذه المختلفات إلا في الوجود ، وهذا غير حاصر إذ يمكن أن يكون قد بقي أمر آخر مشترك سوي الوجود لم يعثر عليه الباحث مثل كونه بجهة من الرائي مثلا ، فإن أبطل [ ص: 35 ] هذا فلعله لمعنى آخر إلا أن يتكلف حصر المعاني وينفي جميعها سوى الوجود ، فعند ذلك ينتج .

              فهذه أشكال البراهين ، فكل دليل لا يمكن رده إلى واحد من هذه الأنواع الخمسة فهو غير منتج ألبتة ولهذا شرح أطول من هذا ذكرناه في كتاب " محك النظر " وكتاب " معيار العلم " .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية