الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              أما الرابع : وهو إقامة الحجة على استحالة الخطأ على الأمة ، وفيه الشأن كله وكونه حجة إنما يعلم بكتاب أو سنة متواترة أو عقل ، أما الإجماع فلا يمكن إثبات الإجماع به . وقد طمعوا في التلقي من الكتاب والسنة والعقل وأقواها السنة ونحن نذكر المسالك الثلاثة .

              المسلك الأول : التمسك بالكتاب ، وذلك قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } وقوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } الآية . وقوله تعالى : { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } وقوله تعالى : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } وقوله تعالى { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } ومفهومه : أن ما اتفقتم فيه فهو حق ، وقوله عز وجل : { وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } مفهومه : إن اتفقتم فهو حق .

              فهذه كلها ظواهر لا تنص على الغرض ، بل لا تدل أيضا دلالة الظواهر . وأقواها قوله تعالى : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } فإن ذلك يوجب اتباع سبيل المؤمنين . وهذا ما تمسك به الشافعي وقد أطنبنا في كتاب تهذيب الأصول في توجيه الأسئلة على الآية ودفعها .

              والذي نراه أن الآية ليست نصا في الغرض ، بل الظاهر أن المراد بها أن من يقاتل الرسول ويشاقه ويتبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته ونصرته ودفع الأعداء عنه نوله ما تولى ، فكأنه لم يكتف بترك المشاقة حتى تنضم إليه متابعة سبيل المؤمنين في نصرته والذب عنه والانقياد له فيما يأمر وينهى . وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم ، فإن لم يكن ظاهرا فهو محتمل .

              ولو فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية بذلك لقبل ولم يجعل ذلك رفعا للنص ، كما لو فسر المشاقة بالموافقة واتباع سبيل المؤمنين بالعدول عن سبيلهم .

              المسلك الثاني ، وهو الأقوى : التمسك بقوله صلى الله عليه وسلم : { لا تجتمع أمتي على الخطأ } . وهذا من حيث اللفظ أقوى وأدل على المقصود ، ولكن ليس بالمتواتر كالكتاب ، والكتاب متواتر ، لكن ليس بنص .

              فطريق تقرير الدليل أن نقول : تظاهرت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بألفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى في عصمة هذه الأمة من الخطأ ، واشتهر على لسان المرموقين والثقات من الصحابة كعمر وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم ممن يطول ذكره من نحو قوله صلى الله عليه وسلم : { لا تجتمع أمتي على الضلالة } ، { ولم يكن الله ليجمع أمتي على الضلالة } [ ص: 139 ] و { سألت الله تعالى أن لا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيها } ، و { من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من وراءهم } و { إن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد } ، وقوله صلى الله عليه وسلم { يد الله مع الجماعة ولا يبالي الله بشذوذ من شذ } و { لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم } وروي : { لا يضرهم خلاف من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء ومن خرج عن الجماعة أو فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ، ومن فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية } .

              وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة في الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا لم يدفعها أحد من أهل النقل من سلف الأمة وخلفها ، بل هي مقبولة من موافقي الأمة ومخالفيها ، ولم تزل الأمة تحتج بها في أصول الدين وفروعه . فإن قيل : فما وجه الحجة ، ودعوى التواتر في آحاد هذه الأخبار غير ممكن ونقل الآحاد لا يفيد العلم ؟ قلنا : في تقرير وجه الحجة طريقان : أحدهما : أن ندعي العلم الضروري بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عظم شأن هذه الأمة وأخبر عن عصمتها عن الخطأ بمجموع هذه الأخبار المتفرقة وإن لم تتواتر آحادها ، وبمثل ذلك نجد أنفسنا مضطرين إلى العلم بشجاعة علي وسخاوة حاتم وفقه الشافعي وخطابة الحجاج وميل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عائشة من نسائه وتعظيمه صحابته وثنائه عليهم وإن لم تكن آحاد الأخبار فيها متواترة ، بل يجوز الكذب على كل واحد منها لو جردنا النظر إليه ولا يجوز على المجموع .

              وذلك يشبه ما يعلم من مجموع قرائن آحادها لا ينفك عن الاحتمال ، ولكن ينتفي الاحتمال عن مجموعها حتى يحصل العلم الضروري . الطريق الثاني : أن لا ندعي علم الاضطرار بل علم الاستدلال من وجهين ، الأول : أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها في إثبات الإجماع ولا يظهر أحد فيها خلافا وإنكارا إلى زمان النظام ، ويستحيل في مستقر العادة توافق الأمم في أعصار متكررة على التسليم لما لم تقم الحجة بصحته مع اختلاف الطباع وتفاوت الهمم والمذاهب في الرد والقبول ، ولذلك لم ينفك حكم ثبت بأخبار الآحاد عن خلاف مخالف وإبداء تردد فيه .

              الوجه : أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلا مقطوعا به وهو الإجماع الذي يحكم به على كتاب الله تعالى وعلى السنة المتواترة ، ويستحيل في العادة التسليم لخبر يرفع به الكتاب المقطوع به إلا إذا استند إلى مستند مقطوع به ، فأما رفع المقطوع بما ليس بمقطوع فليس معلوما ، حتى لا يتعجب متعجب ولا يقول قائل : كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستند إلى خبر غير معلوم الصحة ؟ وكيف تذهل عنه جميع الأمة إلى زمان النظام فيختص بالتنبه له ؟ هذا وجه الاستدلال ، وللمنكرين في معارضته ثلاثة مقامات : الرد والتأويل والمعارضة

              المقام الأول : في الرد ، وفيه أربعة أسئلة :

              السؤال الأول : قولهم : لعل واحدا خالف هذه الأخبار وردها ولم ينقل إلينا .

              قلنا : هذا أيضا تحيله العادة إذ الإجماع أعظم أصول الدين ، فلو خالف فيه مخالف لعظم الأمر فيه واشتهر الخلاف ، إذ لم يندرس خلاف الصحابة في دية الجنين ومسألة الحرام وحد الشرب . فكيف اندرس الخلاف في أصل عظيم يلزم فيه التضليل والتبديع لمن أخطأ في نفيه وإثباته ؟ وكيف اشتهر خلاف النظام مع سقوط [ ص: 140 ] قدره وخسة رتبته وخفي خلاف أكابر الصحابة والتابعين ؟ هذا مما لا يتسع له عقل أصلا .

              السؤال الثاني : قالوا : قد استدللتم بالخبر على الإجماع ، ثم استدللتم بالإجماع على صحة الخبر ، فهب أنهم أجمعوا على الصحة فما الدليل على أن ما أجمعوا على صحته فهو صحيح وهل النزاع إلا فيه ؟ قلنا : لا ، بل استدللنا على الإجماع بالخبر وعلى صحة الخبر بخلو الأعصار عن المدافعة والمخالفة له مع أن العادة تقتضي إنكار إثبات أصل قاطع يحكم به على القواطع بخبر غير معلوم الصحة ، فعلمنا بالعادة كون الخبر مقطوعا به لا بالإجماع ، والعادة أصل يستفاد منها معارف ، فإن بها يعلم بطلان دعوى معارضة القرآن واندراسها ، وبها يعلم بطلان دعوى نص الإمامة ، وإيجاب صلاة الضحى ، وصوم شوال ، وأن ذلك لو كان لاستحال في العادة السكوت عنه .

              السؤال الثالث : قالوا : بم تنكرون على من يقول لعلهم أثبتوا الإجماع لا بهذه الأخبار بل بدليل آخر ؟ قلنا : قد ظهر منهم الاحتجاج بهذه الأخبار في المنع من مخالفة الجماعة وتهديد من يفارق الجماعة ويخالفها . وهذا أولى من أن يقال لو كان لهم فيه مستند لظهر وانتشر ، فإنه قد نقل تمسكهم أيضا بالآيات .

              السؤال الرابع : قولهم : لما علمت الصحابة صحة هذه الأخبار لم لم يذكروا طريق صحتها للتابعين حتى كان ينقطع الارتياب ويشاركونهم في العلم ؟ قلنا : لأنهم علموا تعريفه عليه السلام عصمة هذه الأمة بمجموع قرائن وأمارات وتكريرات ألفاظ وأسباب دلت ضرورة على قصده إلى بيان نفي الخطأ عن هذه الأمة ، وتلك القرائن لا تدخل تحت الحكاية ولا تحيط بها العبارات ، ولو حكوها لتطرق إلى آحادها احتمالات ، فاكتفوا بعلم التابعين بأن الخبر المشكوك فيه لا يثبت به أصل مقطوع به ويقع التسليم في العادة به ، فكانت العادة في حق التابعين أقوى من الحكاية .

              المقام الثاني : في التأويل . ولهم تأويلات ثلاثة ، الأول : قوله : صلى الله عليه وسلم { لا تجتمع أمتي على ضلالة } ينبئ عن الكفر والبدعة فلعله أراد عصمة جميعهم عن الكفر : بالتأويل والشبهة ، وقوله " على الخطأ " لم يتواتر ، وإن صح فالخطأ عام يمكن حمله على الكفر .

              قلنا : الضلال في وضع اللسان لا يناسب الكفر ، قال الله تعالى : { ووجدك ضالا فهدى } وقال تعالى إخبارا عن موسى : عليه السلام : { فعلتها إذا وأنا من الضالين } وما أراد من الكافرين بل أراد من المخطئين ، يقال : ضل فلان عن الطريق وضل سعي فلان كل ذلك الخطأ ، كيف وقد فهم ضرورة من هذه الألفاظ تعظيم شأن هذه الأمة وتخصيصها بهذه الفضيلة ؟ أما العصمة عن الكفر فقد أنعم بها في حق علي وابن مسعود وأبي وزيد على مذهب النظام لأنهم ماتوا على الحق ، وكم من آحاد عصموا عن الكفر حتى ماتوا ، فأي خاصية للأمة ؟ فدل أنه أراد ما لم يعصم عنه الآحاد من سهو وخطأ وكذب يعصم عنه الأمة تنزيلا لجميع الأمة منزلة النبي صلى الله عليه وسلم في العصمة عن الخطأ في الدين ، أما في غير الدين من إنشاء حرب وصلح وعمارة بلدة فالعموم يقتضي العصمة للأمة عنه أيضا ، ولكن ذلك مشكوك فيه وأمر الدين مقطوع بوجوب العصمة فيه كما في حق النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه أخطأ في أمر تأبير النخل ثم قال : { أنتم أعرف بأمر دنياكم وأنا أعرف بأمر دينكم } [ ص: 141 ]

              التأويل الثاني : قولهم غاية هذا أن يكون عاما يوجب العصمة عن كل خطأ ، ويحتمل أن يكون المراد به بعض أنواع الخطأ من الشهادة في الآخرة ، أو ما يوافق النص المتواتر أو يوافق دليل العقل دون ما يكون بالاجتهاد والقياس . قلنا : لا ذاهب من الأمة إلى هذا التفصيل ، إذ ما دل من العقل على تجويز الخطأ عليهم في شيء دل على تجويز في شيء آخر ، وإذا لم يكن فارق لم يكن تخصيص بالتحكم دون دليل ولم يكن تخصيص أولى من تخصيص ، وقد ذم من خالف الجماعة وأمر بالموافقة ، فلو لم يكن ما فيه العصمة معلوما استحال الاتباع إلا إن ثبت العصمة مطلقا ، وبه ثبتت فضيلة الأمة وشرفها ، فأما العصمة عن البعض دون البعض فهذا يثبت لكل كافر فضلا عن المسلم ، إذ ما من شخص يخطئ في كل شيء بل كل إنسان فإنه يعصم عن الخطأ في بعض الأشياء .

              التأويل الثالث : أن أمته صلى الله عليه وسلم كل من آمن به إلى يوم القيامة ، فجملة هؤلاء من أول الإسلام إلى آخر عمر الدنيا لا يجتمعون على خطأ بل كل حكم انقضى على اتفاق أهل الأعصار كلها بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فهو حق ، إذ الأمة عبارة عن الجميع ، كيف والذين ماتوا في زماننا هم من الأمة ؟ وإجماع من بعدهم ليس إجماع جميع الأمة ، بدليل أنهم لو كانوا قد خالفوا ثم ماتوا لم ينعقد بعدهم إجماع وقبلنا من الأمة من خالف وإن كان قد مات ، فكذلك إذا لم يوافقوا .

              قلنا : كما لا يجوز أن يراد بالأمة المجانين والأطفال والسقط والمجتن وإن كانوا من الأمة ، فلا يجوز أن يراد به الميت والذي لم يخلق بعد ، بل الذي يفهم قوم يتصور منهم اختلاف واجتماع ، ولا يتصور الاجتماع والاختلاف من المعدوم والميت .

              والدليل عليه أنه أمر باتباع الجماعة وذم من شذ عن الموافقة ، فإن كان المراد به ما ذكروه فإنما يتصور الاتباع والمخالفة في القيامة لا في الدنيا ، فيعلم قطعا أن المراد به إجماع يمكن خرقه ومخالفته في الدنيا ، وذلك هم الموجودون في كل عصر . أما إذا مات فيبقى أثر خلافه ، فإن مذهبه لا يموت بموته . وسيأتي فيه كلام شاف إن شاء الله تعالى .

              المقام الثالث : المعارضة بالآيات والأخبار .

              أما الآيات فكل ما فيها منع من الكفر والردة والفعل الباطل فهو عام مع الجميع ، فإن لم يكن ذلك ممكنا فكيف نهوا عنه ؟ كقوله تعالى : { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر } { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } وأمثال ذلك .

              قلنا : ليس هذا نهيا لهم عن الاجتماع بل نهي للآحاد ، وإن كان كل واحد على حياله داخلا في النهي وإن سلم فليس من شرط النهي وقوع المنهي عنه ولا جواز وقوعه ، فإن الله تعالى علم أن جميع المعاصي لا تقع منهم ونهاهم عن الجميع وخلاف المعلوم غير واقع وقال لرسوله : صلى الله عليه وسلم { لئن أشركت ليحبطن عملك } ، وقال : { فلا تكونن من الجاهلين } وقد علم أنه قد عصمه منهم ، وأن ذلك لا يقع .

              وأما الأخبار فقوله عليه السلام : { بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ } وقوله : عليه السلام { خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى إن الرجل ليحلف وما يستحلف ويشهد وما يستشهد } وكقوله صلى الله عليه وسلم : { لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي } [ ص: 142 ] قلنا : هذا وأمثاله يدل على كثرة العصيان والكذب ولا يدل على أنه لا يبقى متمسك بالحق ، ولا يناقض قوله صلى الله عليه وسلم : { لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله وحتى يظهر الدجال } كيف ولا تجري هذه الأخبار في الصحة والظهور مجرى الأحاديث التي تمسكنا بها ؟

              المسلك الثالث : التمسك بالطريق المعنوي .

              وبيانه أن الصحابة إذا قضوا بقضية وزعموا أنهم قاطعون بها فلا يقطعون بها إلا عن مستند قاطع ، وإذا كثروا كثرة تنتهي إلى حد التواتر فالعادة تحيل عليهم قصد الكذب وتحيل عليهم الغلط حتى لا يتنبه واحد منهم للمحق في ذلك وإلى أن القطع بغير دليل قاطع خطأ ، فقطعهم في غير محل القطع محال في العادة .

              فإن قضوا عن اجتهاد واتفقوا عليه فيعلم أن التابعين كانوا يشددون النكير على مخالفيهم ويقطعون به ، وقطعهم بذلك قطع في غير محل القطع فلا يكون ذلك أيضا إلا عن قاطع ، وإلا فيستحيل في العادة أن يشذ عن جميعهم الحق مع كثرتهم حتى لا يتنبه واحد منهم للحق .

              وكذلك نعلم أن التابعين لو أجمعوا على شيء أنكر تابعو التابعين على المخالف وقطعوا بالإنكار ، وهو قطع في غير محل القطع فالعادة تحيل ذلك إلا عن قاطع وعلى مساق هذا قالوا لو رجع أهل الحل والعقد إلى عدد ينقص عن عدد التواتر فلا يستحيل عليهم الخطأ في العادة ولا تعمد الكذب لباعث عليه فلا حجة فيه .

              وهذه الطريقة ضعيفة عندنا لأن منشأ الخطأ إما تعمد الكذب وإما ظنهم ما ليس بقاطع قاطعا ، والأول غير جائز على عدد التواتر ، وأما الثاني : فجائز ، فقد قطع اليهود ببطلان نبوة عيسى ومحمد عليهما السلام وهم أكثر من عدد التواتر ، وهو قطع في غير محل القطع لكن ظنوا ما ليس بقاطع قاطعا .

              والمنكرون لحدوث العالم والنبوات والمرتكبون لسائر أنواع البدع والضلالات عددهم بالغ مبلغ عدد التواتر ويحصل الصدق بإخبارهم ، ولكن أخطئوا بالقطع في غير محل القطع . وهذا القائل يلزمه أن يجعل إجماع اليهود والنصارى حجة ولا تخصيص لهذه الأمة ، وقد أجمعوا على بطلان دين الإسلام فإن قيل : هذا تمسك بالعادة ، وأنتم في نصرة المسلك الثاني استروحتم إلى العادة وهذا عين الأول .

              قلنا : العادة لا تحيل على عدد التواتر أن يظنوا ما بقاطع قاطعا ، وعن هذا قلنا : شرط خبر التواتر أن يستند إلى محسوس والعادة تحيل الانقياد والسكوت عمن دفع الكتاب والسنة المتواترة بإجماع دليله خبر مظنون غير مقطوع به وكل ما هو ضروري يعلم بالحس أو بقرينة الحال أو بالبديهة فمنهاجه واحد ويتفق الناس على دركه والعادة الذهول عنه على أهل التواتر وما هو نظري فطرقه مختلفة ، فلا يستحيل في العادة أن يجتمع أهل التواتر على الغلط فيه ، فهذا هو الفرق بين المسلكين .

              فإن قيل : اعتمادكم في هذا المسلك الثاني أن ما أجمعوا عليه حق وليس بخطأ فالدليل على وجوب اتباعه وكل مجتهد مصيب للحق ولا يجب على مجتهد آخر اتباعه والشاهد المزور مبطل ويجب على القاضي اتباعه ؟ فوجوب الاتباع شيء وكون الشيء حقا غيره .

              قلنا أجمعت الأمة على وجوب اتباع الإجماع وإنه من الحق الذي يجب اتباعه ، وبحسب كونهم محقين في قولهم يجب اتباع الإجماع ، ثم نقول كل حق علم كونه حقا فالأصل فيه وجوب [ ص: 143 ] الاتباع ، والمجتهد يجب اتباعه إلا على المجتهد الذي هو محق أيضا فقدم حق حصل باجتهاده على ما حصل باجتهاد غيره في حقه والشاهد المزور لو علم كونه مزورا لم يتبع .

              ويدل عليه أيضا ذمة من خالف الجماعة وأنه ذكر هذا في معرض الثناء على الأمة ، ولا يتحقق ذلك إلا بوجوب الاتباع وإلا فلا يبقى له معنى ، إلا إنهم محقون إذا أصابوا دليل الحق ، وذلك جائز في حق واحد من أفراد المؤمنين فليس فيه مدح وتخصيص ألبتة .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية