الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في التسوية بين الخصمين

جزء التالي صفحة
السابق

( وإذا ازدحم خصوم ) أي : مدعون ( قدم الأسبق ) فالأسبق المسلم وجوبا إن تعين عليه فصل الخصومة ؛ لأنه العدل ، والعبرة بسبق المدعي ؛ لأنه ذو الحق ، وبحث البلقيني أنه لو جاء مدع وحده ، ثم مدع مع خصمه ، ثم خصم الأول قدم من جاء مع خصمه [ ص: 155 ] أما الكافر فيقدم عليه المسلم المسبوق كما بحثه البلقيني ، وسبقه إليه الفزاري ، وأما إذا لم يتعين عليه فصلها فيقدم من شاء كمدرس في علم غير فرض ، ولو كفاية كالعروض ، وزيادة التبحر على ما يشترط في الاجتهاد المطلق ، وأما فيه فهو كالقاضي ، وكذا يقال في المفتي كما هو ظاهر : ( فإن جهل ) السابق ( أو جاءوا معا أقرع ) إذ لا مرجح ، ومنه أن يكتب أسماءهم برقاع بين يديه ، ثم يأخذ رقعة رقعة فكل من خرج اسمه قدمه ، والأولى لهم تقديم مريض يتضرر بالتأخير فإن امتنعوا قدمه القاضي إن كان مطلوبا ؛ لأنه مجبور ( ويقدم ) ندبا ( مسافرون ) أي : مريدون للسفر المباح ، وإن قصر كما اقتضاه إطلاقهم على مقيمين ( مستوفزون ) مدعون ، أو مدعى عليهم بأن يتضرروا بالتأخر عن رفقتهم ( ونسوة ) كذلك على رجال ، وكذا على خناثى فيما يظهر ( وإن تأخروا ) لدفع الضرر عنهم ( ما لم يكثروا ) أي : النوعان ، وغلب الذكور لشرفهم فإن كثروا بأن كانوا قدر أهل البلد ، أو أكثر فكالمقيمين كذا قالاه ، وعبارة غيرهما تفهم اعتبار الخصوم بعضهم مع بعض [ ص: 156 ] لا مع أهل البلد كلهم قيل ، ولعله أولى ، والمسافرون فيما بينهم ، والنسوة كذلك يقدم منهم بالسبق ، ثم يقرع ، ولو تعارض مسافر ، وامرأة قدم على الأوجه ؛ لأن الضرر فيه أقوى ، وبحث الزركشي أن العجوز كالرجل لانتفاء المحذور ، وفيه نظر ، وما علل به ممنوع ( ولا يقدم سابق ، وقارع إلا بدعوى ) واحدة لئلا يزيد ضرر الباقين ، ويقدم المسافر بدعاويه إن خفت بحيث لم تضر بغيره إضرارا بينا أي : بأن لم يحتمل عادة كما هو ظاهر ، وإلا فبدعوى واحدة ، وألحق به المرأة .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله : وبحث البلقيني أنه لو جاء مدع إلخ . ) ويرد بأن خصم الأول إن حضر قبل دعوى الثاني قدم الأول لسبقه من غير معارض ، أو بعدها [ ص: 155 ] فتقديم الثاني ليس إلا لأن تقديم الأول وقت دعوى الثاني غير ممكن إلا لبطلان حق الأول ، وهذه الصورة ليست مرادة للشيخين كما هو ظاهر ش م ر ( قوله : وأما إذا لم يتعين عليه فصلها فيقدم من شاء كمدرس إلخ . ) تقدم في أول الباب قول الشارح قال البلقيني فإيقاع القضاء بين المتنازعين فرض عين على الإمام ، أو نائبه ، ولا يحل له الدفع إذا كان فيه تعطيل ، وتطويل بلا نزاع انتهى ، ومفهومه حل الدفع إذا لم يكن فيه ما ذكر ( قوله : والأولى لهم تقديم مريض إلخ . )

كذا ش م ر إلخ . ( قوله : أو مدعى عليهم ) كما بحثه الشيخان ، وإن منعه البلقيني [ ص: 156 ] قوله : لا مع أهل البلد كلهم ) إن لم يكن في عبارتهما ما يمنع من حمل أهل البلد فيها على الخصوم منهم ، فلا مانع من حملها على ذلك ( قوله : ولو تعارض مسافر ، وامرأة قدم ) عبارة شرح الروض صرح به في الأنوار انتهى ( قوله : وبحث الزركشي أن العجوز إلخ . ) ممنوع م ر



حاشية الشرواني

( قول المتن ، وإذا ازدحم ) أي : في مجلس القاضي . ا هـ .

مغني ( قوله : مدعون ) إلى قول المتن ، ونسوة في النهاية إلا قوله : المسلم ، وقوله : كالعروض إلى ، وأما فيه ، وقوله : المباح ، وكذا في المغني إلا قوله : وبحث البلقيني إلى أما الكافر ، وقوله : وسبقه إليه الفزاري ( قوله : الأسبق فالأسبق ) أي : منهم إن جاءوا مرتبين ، وعرف الأسبق . ا هـ . مغني ( قوله : المسلم ) أي : كلهم ، وكذا إذا كانوا كلهم كافرين كما يأتي عن ع ش ( قوله : ؛ لأنه العدل ) وكما لو سبق إلى موضع مباح . ا هـ . مغني ( قوله : بسبق المدعي ) أي : دون المدعى عليه . ا هـ . مغني ( قوله : وبحث البلقيني أنه لو جاء إلخ . ) ويرد بأن خصم الأول إذا حضر قبل دعوى الثاني قدم الأول لسبقه من غير معارض [ ص: 155 ] أو بعدها فتقديم الثاني هنا ليس إلا ؛ لأن تقديم الأول وقت دعوى الثاني غير ممكن إلا لبطلان حق الأول ، وهذه الصورة ليست مرادة للشيخين كما هو ظاهر . ا هـ . نهاية ( قوله : أما الكافر إلخ . ) أشار به إلى أن قول المصنف ، وإذا ازدحم خصوم إلخ . أي : مسلمون ، أو كفار . ا هـ .

ع ش ( قوله : فيقدم عليه المسلم المسبوق ) أي : ما لم يكثر المسلمون ، ويؤدي إلى الضرر كما تقدم له م ر فيقدم الكافر ابتداء . ا هـ . ع ش ( قوله : كالعروض ) أي : إن قلنا بسنيته . ا هـ . ع ش ( قوله : على ما يشترط إلخ . ) متعلق بالزيادة ( قوله : وأما فيه ) أي : في الفرض ، ولو كفاية ( قوله : فهو كالقاضي ) أي : وجب تقديم السابق ، وإلا فبالقرعة . ا هـ . نهاية قال ع ش قوله : وجب تقديم السابق أي : حيث تعين أخذا من تشبيهه بالقاضي ، وقوله : وإلا فبالقرعة ينبغي أن يأتي مثل هذا التفصيل في التاجر ، ونحوه من السوقة كذا نقل عن شيخنا الزيادي أقول وهو ظاهر إن لم يكن ثم غيره ، وتعين عليه البيع لاضطرار المشتري ، وإلا فينبغي أن الخيرة له ؛ لأن البيع من أصله ليس واجبا ، بل له أن يمتنع من بيع بعض المشترين ، ويبيع بعضا ، ويجري ما ذكر من تقديم الأسبق ، ثم القرعة بين المزدحمين على مباح ، ومنه ما جرت به العادة من الازدحام على الطواحين بالريف التي أباح أهلها الطحن بها لمن أراد ، وهذا في غير المالكين ، أما هم فيقدمون على غيرهم ؛ لأن غايته أن غيرهم مستعير منهم ، وإذا اجتمعوا أي : المالكون ، وتنازعوا فيمن يقدم فينبغي أن يقرع بينهم ، وإن جاءوا مرتبين لاشتراكهم في المنفعة . ا هـ . ع ش ( قوله : وكذا يقال في المفتي كما هو ظاهر ) عبارة أصل الروضة ، والمفتي ، والمدرس يقدمان عند الازدحام أيضا بالسبق ، أو بالقرعة ، ولو كان الذي يعلمه ليس من فروض الكفاية فالاختيار إليه في تقديم من شاء انتهت فما موقع قوله : كما هو ظاهر الموهم أنه بحث له ، ولعله لعدم استحضاره . ا هـ . سيد عمر ، وعبارة المغني ، والنهاية ، والازدحام على المفتي ، والمدرس كالازدحام على القاضي إن كان العلم فرضا ، ولو على الكفاية ، وإلا فالخيرة إلى المفتي ، والمدرس . ا هـ .

( قوله : فإن جهل السابق ) أو علم ، ونسي . ا هـ . ع ش ( قوله : إذ لا مرجح ) فإن آثر بعضهم بعضا جاز أسنى ومغني ( قوله : ومنه ) أي : من الإقراع ( قوله : والأولى لهم تقديم مريض إلخ . ) ومن له مريض بلا متعهد يتجه إلحاقه بالمريض . ا هـ . نهاية ، ويأتي عن المغني مثله ( قوله : إن كان مطلوبا ) أي : لا إن كان طالبا ؛ لأنه مجبور أي : والطالب مجبر . ا هـ . مغني ( قول المتن ، ويقدم مسافرون إلخ . ) عبارة المغني تنبيه لا يقدم القاضي بعض المدعين على بعض إلا في صورتين أشار للأولى منهما بقوله : ويقدم إلخ . وأشار للثانية بقوله : ونسوة ، وأفهم اقتصاره على المسافرين ، والنسوة الحصر فيهما ، وليس مرادا ، بل المريض كما سبق كذلك قال الزركشي وينبغي أن يلحق به من له مريض بلا متعهد . ا هـ . ( قوله : بأن يتضرر ، وإلخ . ) انظر ما متعلق الباء عبارة المغني ، والأسنى قوله : ويقدم ندبا مسافرون مستوفزون أي : متهيئون للسفر خائفون من انقطاعهم إن تأخروا على مقيمين لئلا يتضرروا بالتخلف . ا هـ . ( قوله : ونسوة كذلك على رجال ) أي : طلبا لسترهن . ا هـ . مغني ( قوله : كذلك ) إلى قوله : وله أن يعين في المغني إلا قوله : بأن كانوا إلى يقدم منهم ، وإلى قوله : وأول الأذرعي في النهاية إلا قوله : بأن كانوا إلى يقدم ، وقوله : والفرق إلى ويجاب ، وقوله : نعم إلى ، وللحاكم ، وقوله : وهذا ليس إلى المتن ، وقوله : فمن ثم إلى المتن ، وقوله : اشترط إلى قال جمع إلخ .

وما سأنبه عليه ( قوله : كذلك ) أي : مدعات ، أو مدعى عليهن ( قول المتن ، وإن تأخروا إلخ . ) أي : المسافرون ، والنسوة في المجيء إلى القاضي . ا هـ . مغني ( قوله : أي : النوعان ) تفسير لفاعل كل من الفعلين ( قوله : وغلب ) أي : في كل من الفعلين الذكور أي : المسافرون على النسوة ( قوله : بأن كانوا إلخ . ) عبارة النهاية ، فإن كثروا ، أو كان الجميع مسافرين ، أو نسوة فالتقديم بالسبق ، أو القرعة كما مر ، ولو تعارض إلخ . [ ص: 156 ] وعبارة المغني ، فإن كثروا ، بل أو ساووا كما في المهذب ، أو كان الجميع إلخ . ( قوله : لا مع أهل البلد كلهم ) إن لم يكن في عبارتهما ما يمنع من حمل أهل البلد فيها على الخصوم منهم فلا مانع من حملها على ذلك . ا هـ . سم ( قوله : على الأوجه ) عبارة المغني والأسنى ، ويقدم المسافر على المرأة المقيمة كما صرح به في الأنوار . ا هـ . ( قوله : وبحث الزركشي إلخ . ) عبارة النهاية ، وما بحثه الزركشي من إلحاق العجوز بالرجل ممنوع . ا هـ . ، وعبارة المغني ، وإطلاق المصنف النساء يقتضي أن لا فرق بين الشابة ، والعجوز ، وهو كذلك ، وإن قال الزركشي القياس إلحاق العجوز بالرجال لانتفاء المحذور . ا هـ . ( قول المتن وقارع ) أي : من خرجت قرعته . ا هـ . مغني ( قوله : إلا بدعوى واحدة ) أي : وإن اتحد المدعى عليه . ا هـ . مغني ( قوله : لئلا يزيد ضرر الباقين ) ؛ لأنه ربما استوعب المجلس بدعاويه فتسمع دعواه ، وينصرف ثم يحضر في مجلس آخر ، أو ينتظر فراغ دعوى الحاضرين ، ثم تسمع دعواه الثانية إن بقي ، وقت ، ولم يضجر . ا هـ . مغني ( قوله : إن لم تضر بغيره ) أي : بالمقيمين في الأولى ، وبالرجال في الثانية . ا هـ . مغني ( قوله : وإلا فبدعوى واحدة إلخ . ) وإذا قدمنا بواحدة فالظاهر أن المراد التقديم بالدعوى وجوابها ، وفصل الحكم فيها نعم إن تأخر الحكم لانتظار بينة ، أو تزكية ، أو نحوها سمع دعوى من بعده حتى يحضر هو بينة فيشتغل حينئذ بإتمام حكومته إذ لا وجه لتعطيل الخصوم ذكره الأذرعي ، وغيره ( تنبيه )

، ولو قال كل من الخصمين : أنا المدعي ، فإن كان قد سبق أحدهما إلى الدعوى لم تقطع دعواه ، بل على الآخر أن يجيب ، ثم يدعي إن شاء ، وإلا ادعى من بعث منهما العون خلف الآخر ، وكذا من أقام منهما بينة أنه أحضر الآخر ليدعي عليه ، وإن استووا أقرع بينهم فمن خرجت قرعته ادعى مغني ، وروض مع شرحه



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث