الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              ( ويقبل قوله قبل عزله : حكمت بكذا ) ، وإن قال : بعلمي لقدرته على الإنشاء حينئذ حتى لو قال : على سبيل الحكم نساء هذه القرية طوالق من أزواجهن قبل . وبحث الأذرعي أن محله في محصورات ، وإلا فهو كاذب مجازف وفي قاض مجتهد ولو في مذهب إمامه قال : ولا ريب عندي في عدم نفوذه من جاهل ، أو فاسق ، وقد أفتيت بوجوب بيان القاضي لمستنده إذا سئل عنه [ ص: 126 ] لاحتمال أن يظن ما ليس بمستند مستندا ، وأفتى غيره بأنه لو حكم بطلاق امرأة بشاهدين فقالا : إنما شهدنا بطلاق مقيد بصفة ولم توجد ، وقال : بل أطلقتما أنه يقبل قوله إن لم يتهم في ذلك لعلمه وديانته ( فإن كان في غير محل ولايته ) ، وهو خارج عمله لا مجلس حكمه خلافا لمن وهم فيه إلا أن يريد أن موليه قيد ولايته بذلك المجلس ( فكمعزول ) ؛ لأنه لا يملك إنشاء الحكم حينئذ فلا ينفذ إقراره به . وأخذ الزركشي من ظاهر كلامهم أنه إذا ولي ببلد لم يتناول مزارعها وبساتينها فلو زوج ، وهو بأحدهما من هي بالبلد أو عكسه لم يصح قيل : وفيه نظر . ا هـ .

                                                                                                                              والنظر واضح بل الذي يتجه أخذا مما مر قبيل فصل جن قاض أنه إن علمت عادة بتبعية ، أو عدمها حكم بها ، وإلا اتجه ما ذكره ؛ اقتصارا على ما نص له عليه وأفهم قوله كمعزول أنه لا ينفذ منه فيه تصرف استباحه بالولاية كإيجار وقف نظره للقاضي ، وبيع مال يتيم ، وتقرير في وظيفة ، وهو ظاهر كتزويج من ليست بولايته وظاهر هذا أنه لا يصح استخلافه قبل وصوله لمحل ولايته من يحكم بها [ ص: 127 ] فإفتاء بعضهم بصحته بعيد وقوله : الاستخلاف ليس حكما حتى يمتنع بل مجرد إذن فهو كمحرم وكل من يزوجه بعد التحلل ، أو أطلق يرد بأنه إذن استفاده بالولاية بمحل مخصوص فكيف يعتد منه به قبل وصوله إليه ؟ ويرد قياسه المذكور بأنه ليس قياس مسألتنا ؛ لأن المحرم ليس ممنوعا إلا من المباشرة بنفسه ، والقاضي قبل وصوله لمحل ولايته لم يتأهل لإذن ولا حكم وإنما قياسه أن يقيد تصرف الوكيل ببلد فليس له كما هو ظاهر كلامهم فيه التوكيل ، وإن جوزناه له بالإذن لغيره ، وهو في غيرها نعم إن اطردت العادة باستنابة المتولي قبل وصوله وعلم بها منيبه لم يبعد الجواز حينئذ .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : ويقبل قوله قبل عزله : حكمت بكذا إلخ ) في التكملة فرع إذا ذكر الحاكم أن فلانا وفلانا شهدا عندي بكذا وأنكر الشاهدان لم يلتفت إلى إنكارهما ، وكان القول قول الحاكم هذا في غير قاضي الضرورة م ر أقول : هل يشكل ذلك على قولنا بين السطور : ظاهره ولو قاضي ضرورة الحاكم ؟ غير أنه إن كان ذلك بعد الحكم بشهادتهما كان إنكارهما بمنزلة الرجوع في أنه لا يقبل ؛ لأنهم لم يعرفوا بذلك قاله ابن الصباغ في فتاويه ا هـ . ( قوله : وقد أفتيت بوجوب بيان القاضي إلخ ) أفتى بذلك أيضا شيخنا الشهاب الرملي . ( قوله أيضا : وقد أفتيت [ ص: 126 ] بوجوب بيان القاضي ) ، ولا بد في قاضي الضرورة من بيان مستنده إلخ م ر . ( قوله : وأفتى غيره بأنه لو حكم إلخ ) أفتى بذلك شيخنا الشهاب الرملي ولعله مراد الشارح بالغير . ( قوله : أنه يقبل قوله ) ظاهره ولو قاضي ضرورة م ر ثم قال : إلا قاضي الضرورة . ( قوله : وظاهر هذا أنه لا يصح استخلافه إلخ ) في الروض في آخر باب القضاء على الغائب وللقاضي أن يشهد في محل ولايته على كتاب حكم كتبه في غير محل ولايته لا عكسه . ا هـ . قال في شرحه : أي : ليس له أن يشهد في غير محل ولايته على كتاب حكم كتب في محل ولايته ، والحكم كالإشهاد بخلاف الكتابة لا بأس بها ومثلها الإذن إذا لم يتضمن حكما كأن أذن وهو في غير محل ولايته في الإفراج عن خصم محبوس في محلها بسؤال خصمه . ا هـ .

                                                                                                                              فقوله : إذا لم يتضمن حكما يفهم الامتناع فيما يتضمن حكما وهذا قد يدل على عدم صحة الاستخلاف المذكور على خلاف ما أفتى به شيخنا الشهاب الرملي ، إلا أن يكون المراد بتضمن الحكم أن الإذن نفسه يتضمنه لا أن المأذون فيه يتضمن ، ثم رأيت في التنبيه ما نصه ، ولا يحكم ، ولا يولي ولا يسمع البينة في غير عمله فإن فعل ذلك لم يعتد به . ا هـ . قال ابن النقيب في شرحه : لأنه لا ولاية له فيه فأشبه سائر الرعية فهل له أن يكتب إلى قاض آخر فيه خلاف قال الرافعي : والذي يستمر على أصل الشافعي جوازه وحكى الزبيلي قولين فيما إذا سمع البينة في غير عمله ووقف على عدالتهم في عمله وحكم بها بناء على أنه هل يحكم بعلمه أم لا ؟ قال ابن الرفعة : وفيه نظر ؛ لأنا نمنع كونها من القضاء بالعلم وإن سلم فأي معنى لفرض سماع عدالتهم في عمله ، بل قد يظهر أن مأخذ الخلاف أن الاعتبار في الشهود إذا زكوا بوقت الشهادة أم بوقت التزكية كما سبق في صلاة العيد إذا شهدوا بعد الزوال ، أو عدلوا بعد الغروب ، ولو سمع الشهادة في عمله ، والتعديل في غير عمله قال ابن القاص : يحكم به إن قلنا : يقضي بعلمه وقال أبو عاصم وغيره : القياس أنه لا يحكم به وهو ظاهر إطلاق الشيخين ا هـ كلام ابن النقيب ، ولا يخفى [ ص: 127 ] ظهور عبارة التنبيه المذكورة في خلاف ما أفتى به شيخنا أيضا . ( قوله : فإفتاء بعضهم ) هو شيخنا الشهاب الرملي . ( قوله : لأن المحرم ليس ممنوعا إلا من المباشرة بنفسه ) فيه نظر ، بل هو ممنوع من المباشرة بوكيله أيضا مادام الإحرام . وبهذا يظهر صحة القياس ويسقط الفرق . ( قوله : لم يتأهل لإذن ) هذا أول المسألة .



                                                                                                                              حاشية الشرواني

                                                                                                                              ( قوله : لقدرته ) إلى قوله إن لم يتهم في المغني وإلى قوله : وظاهر هذا في النهاية إلا قوله : إن لم يتهم إلى المتن وقوله : وأخذ الزركشي إلى وأفهم . ( قوله : حتى لو قال على سبيل الحكم إلخ ) بخلاف ما لو قاله على سبيل الإخبار فلا يقبل قوله كما صرح به البغوي وهو مقتضى كلام أصل الروضة وينبغي أن يكون محله كما قال شيخنا : ما لو أسنده إلى ما قبل ولايته . ا هـ . ( قوله : قبل ) أي : قوله بلا حجة . ا هـ . مغني ( قوله : وبحث الأذرعي إلخ ) عبارة النهاية ، ومحله كما بحثه الأذرعي إلخ . ( قوله : إن محله ) أي : محل ما قالوه من قبول قوله : . ا هـ . مغني . ( قوله : في محصورات ، وإلا فهو إلخ ) عبارة المغني في قرية أهلها محصورون ، أما في بلد كبير كبغداد فلا لأنا نقطع ببطلان قوله : وإلى ما قاله أي : الأذرعي يشير تعبير الشيخين بالقرية . ا هـ . ( قوله : من جاهل ) المراد بقرينة ما قبله من لم يبلغ رتبة الاجتهاد في المذهب . ( قوله : وقد أفتيت إلخ ) من مقول الأذرعي كما هو صريح المغني . ( قوله : وقد أفتيت إلخ ) عبارة المغني ولا بد في قاضي الضرورة من بيان مستنده فلو قال : حكمت بحجة أوجبت الحكم شرعا وامتنع من بيان ذلك لم يقبل حكمه كما أفتى به الوالد رحمه الله لاحتمال إلخ وأفتى أيضا بأنه لو حكم بطلاق امرأة بشاهدين إلخ . ( قوله : بوجوب بيان القاضي إلخ ) أي : ما لم ينه موليه عن طلب بيان مستنده كما قدمه قبيل قول المصنف : ويندب إلخ . ا هـ . ع ش [ ص: 126 ] قوله : لاحتمال إلخ ) كما هو كثير ، أو غالب في قضاة العصر . ا هـ . مغني . ( قوله : وأفتى غيره بأنه إلخ ) أفتى بذلك شيخنا الشهاب الرملي ولعله مراد الشارح . ا هـ . سم ( قوله : أنه يقبل إلخ ) جواب لو حكم إلخ فكان ينبغي إسقاط لفظة أنه كما فعله النهاية . ( قوله : أنه يقبل قوله : إلخ ) هذا في غير قاضي الضرورة م ر ا هـ سم . ( قوله : إن لم يتهم في ذلك إلخ ) أي : بخلاف ما إذا كان جاهلا ، أو فاسقا فلا يقبل نظير ما مر عن الأذرعي . ( قوله : وهو خارج ) إلى قوله : وأفهم في المغني إلا قوله : إلا أن يريد إلى المتن .

                                                                                                                              ( قوله : لا مجلس حكمه ) أي : المعد للحكم . ا هـ . مغني . ( قوله : قيد ولايته إلخ ) أي : فإن لم يقيدها بمجلس الحكم المعتاد نفذ حكمه في محل عمله كله ، وإن قيد لم ينفذ حكمه في غير مجلس الحكم كمسجد مثلا ، ومحل عمله ما نص موليه ، أو اعتيد أنه من توابع المحل الذي ولاه ليحكم فيه . ا هـ . ع ش . ( قوله : بأحدهما ) أي : المذكورين من المزارع ، والبساتين . ( قوله : قيل : وفيه نظر انتهى إلخ ) عبارة المغني وهذا إذا لم يكن عرف كما قدمناه ولو قال المعزول للأمين : أعطيتك المال أيام قضائي لتحفظه لفلان فقال الأمين : بل لفلان صدق المعزول وهل يغرم الأمين لمن عينه هو قدر ذلك ؟ فيه وجهان في تعليق القاضي أوجههما كما قال شيخنا : المنع ، فإن قال له الأمين : لم تعطني شيئا بل هو لفلان فالقول قول الأمين ؛ لأن الأصل عدم الإعطاء ، ويستثنى من إطلاق المصنف ما لو أذن الإمام للقاضي أن يحكم بين أهل ولايته حيثما كان فإنه يجوز له الحكم بينهم ولو كان في غير محل ولايته قال صاحب البيان : هذا الذي يقتضيه المذهب وقاله في الذخائر أيضا وحينئذ فيقبل قوله : على من هو من أهل بلده أنه حكم عليه بكذا . ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : حكم بها ) أي : بالعادة ثابت في بعض النسخ وعلى تقدير حذفه فالتقدير فالأمر واضح أو نحوه . ا هـ . سيد عمر . ( قوله : منه فيه ) أي : من القاضي في غير محل ولايته . ( قوله : وظاهر هذا ) أي : المتن . ( قوله : أنه لا يصح استخلافه إلخ ) خلافا للنهاية عبارته نعم لو استخلف وهو في غير محل ولايته من يحكم بها بعد وصوله لها صح كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى ؛ إذ الاستخلاف ليس بحكم حتى يمتنع إلخ قال ع ش قوله : نعم لو استخلف إلخ ومثله ما لو أرسل لمن يحكم عنه في محل ولايته إلى أن يحضر القاضي وقوله : بعد وصوله أي : القاضي . ا هـ . وقال الرشيدي قوله : بعد وصوله أي : الخليفة . ا هـ . وهو ظاهر . ( قوله : من يحكم بها ) ظاهره مطلقا أي : قبل وصول القاضي ، أو بعده فإفتاء بعضهم إلخ هو شيخنا الشهاب الرملي وفي الروض وللقاضي أن يشهد في محل ولايته على كتاب حكم كتبه في غير محل ولايته لا عكسه قال في شرحه : أي : ليس له [ ص: 127 ] أن يشهد في غير محل ولايته على كتاب حكم كتبه في محل ولايته ، والحكم كالإشهاد بخلاف الكتابة لا بأس بها ومثلها الإذن إذا لم يتضمن حكما كأن أذن وهو في غير محل ولايته في الإفراج عن خصم محبوس في محلها بسؤال خصمه .

                                                                                                                              ا هـ . فقوله : إذا لم يتضمن حكما يفهم الامتناع فيما يتضمن حكما وهذا قد يدل على عدم صحة الاستخلاف المذكور على خلاف ما أفتى به شيخنا الشهاب الرملي ، إلا أن يكون المراد بتضمن الحكم أن الإذن نفسه يتضمنه لا أن المأذون فيه يتضمنه ، ثم رأيت في التنبيه ما نصه ولا يحكم ولا يولي ولا يسمع البينة في غير عمله فإن فعل ذلك لم يعتد به . ا هـ . ولا يخفى ظهوره في خلافه ما أفتى به شيخنا أيضا . ا هـ . سم بحذف أقول : بل عبارة التنبيه المذكورة صريحة في خلافه وفي وفاق ما قاله الشارح ، والله أعلم . ( قوله : وقوله ) أي : قول البعض مستدلا على إفتائه بالصحة . ( قوله : استفاده ) أي : القاضي ذلك الإذن . ( قوله : ويرد إلى قوله : نعم إلخ ) رده النهاية بما نصه : ومنازعة بعضهم فيه بأنه إذن استفاده إلخ وأن القياس المذكور ليس بمسلم ؛ لأن المحرم ليس ممنوعا إلخ . ( قوله : قياسه ) أي : البعض . ( قوله : ليس ممنوعا إلا من المباشرة بنفسه إلخ ) فيه نظر بل هو ممنوع من المباشرة بوكيله أيضا ما دام الإحرام وبهذا يظهر صحة القياس ويسقط الفرق . وقوله : لم يتأهل إلخ هذا أول المسألة . ا هـ . سم .

                                                                                                                              ( قوله : وإنما قياسه أن يقيد إلخ ) مردودة بصحة القياس ؛ لأن عبارة المحرم في النكاح مختلة مطلقا بنفسه ، أو نائبه في زمن الإحرام وصح إذنه المذكور فكذلك القاضي يمتنع عليه الحكم في ذلك المكان الخارج عن محل ولايته وصح إذنه فيه فتأمل . ا هـ . ، ومر آنفا عن الروض ، والتنبيه ما يوافق ما قاله الشارح . ( قوله : فيه ) أي : الوكيل المذكور وكذا قوله : الآتي وهو إلخ . ( قوله : لغيره ) متعلق بالتوكيل . ا هـ . رشيدي .




                                                                                                                              الخدمات العلمية