الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في وجوب الضمان إذا وقع عليه حائط وسبب الوجوب

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما شرائط الوجوب فمنها المطالبة بالنقض حتى لو سقط قبل المطالبة فعطب به شيء لا ضمان على صاحب الحائط ; لأن الضمان يجب بترك النقض المستحق ; لأن به يصير متعديا في التسبيب إلى الإتلاف ، ولا يثبت الاستحقاق بدون المطالبة ، وصورة المطالبة : هي أن يتقدم إليه واحد من عرض الناس فيقول له : إن حائطك هذا مائل أو مخوف فارفعه ، فإذا قال ذلك لزمه رفعه ; لأن هذا حق العامة ، فإذا قام به البعض صار خصما عن الباقين سواء كان الذي تقدم إليه مسلما أو ذميا حرا أو عبدا بعد إن كان أذن له مولاه بالخصومة فيه بالغا أو صبيا بعد إن كان عاقلا ، وقد أذن له وليه بالخصومة فيه ; لأن الطريق حق جميع أهل الدار ، فكان لكل واحد من أهل الدار حق المطالبة بإزالة سبب الضرر عنه إلا أنه لا بد من عقل الطالب وكونه مأذونا بالتصرف ; لأن كلام المجنون والمحجور عليه غير معتبر في الشرع ، فكان [ ص: 284 ] ملحقا بالعدم ، وينبغي أن يشهد على الطلب وتفسير الإشهاد ما ذكره محمد رحمه الله ، وهو أن يقول الرجل اشهدوا أني قد تقدمت إلى هذا الرجل في هدم حائطه ، هذا والإشهاد للتحرز عن الجحود والإنكار لجواز أن ينكر صاحب الحائط المطالبة بالنقض فتقع الحاجة إلى الإشهاد لإثبات الطلب عند القاضي لا لصحة الطلب فإن الطلب يصح بدون الإشهاد حتى لو اعترف صاحب الدار بالطلب يجب عليه الضمان ، وإن لم يشهد عليه .

وكذا إذا أنكر يجب عليه الضمان فيما بينه وبين الله - سبحانه وتعالى - ونظيره ما قلنا في الشفعة : أن الشرط فيها الطلب لا الإشهاد ، وإنما الإشهاد للحاجة إلى إثبات الطلب على تقدير الإنكار حتى لو أقر المشتري بالطلب يثبت حق الشفعة ، وإن لم يشهد على الطلب وكذا لو جحد الطلب يثبت الحق له فيما بينه وبين الله - تبارك وتعالى - وكذا الإشهاد في باب اللقطة على أصل أبي حنيفة - رحمه الله - من هذا القبيل وقد ذكرنا ذلك في كتاب اللقطة ، ولو طولب صاحب الحائط بالنقض فلم ينقض حتى سقط على الطريق فعثر بنقضه إنسان فعطب به ، فإن كان قد طولب بدفع النقض يضمن ; لأنه إذا طولب بالرفع لزمه الرفع فإذا لم يرفع صار متعديا فيضمن من تولد منه ، وإن كان لم يطالب برفعه لا ضمان عليه عند أبي يوسف وعند محمد : يضمن .

وجه قوله أنه لما طولب بالنقض فلم ينقض حتى سقط صار متعديا بترك النقض فحصل التلف بسبب هو متعد فيه فيضمن ; ولهذا ضمن إذا وقع على إنسان كذا إذا عطب بنقضه إنسان .

وجه قول أبي يوسف أن الحائط قد زال عن الموضع الذي طولب فيه لانتقاله عن محل الجناية ، وهو الهواء إلى محل آخر بغير صنع صاحبه فلا بد من مطالبة أخرى كمن وضع حجرا في الطريق فدحرجته الريح إلى موضع آخر فعطب به إنسان أنه لا ضمان على الواضع كذا ههنا بخلاف ما إذا سقط على إنسان ; لأنه لما زال عن محل المطالبة ، وهو الهواء الذي هو محل الجناية فلا يحتاج إلى مطالبة أخرى ، وإن كان الطريق غير نافذ - فالخصومة إلى واحد من أهل تلك السكة ; لأن الطريق حقهم ، فكان لكل واحد منهم ولاية التقدم إلى صاحب الحائط ، وإن كان ميلان الحائط إلى ملك رجل - فالمطالبة بالنقض والإشهاد إلى صاحب الملك ; لأنه هواء ملكه حقه ، وقد شغل الحائط حق صاحب الملك فكانت المطالبة بالتفريغ إليه ، فإن كان في الدار ساكن كالمستأجر والمستعير فالمطالبة والإشهاد إلى الساكن ، فيشترط طلب الساكن أو المالك ; لأن الساكن له حق المطالبة بإزالة ما يشغل الدار فكان له ولاية المطالبة بإزالة ما يشغل الهواء أيضا ، ولو طولب صاحب الحائط بالنقض فاستأجل الذي طالبه أو استأجل القاضي فأجله ، فإن كان ميلان الحائط إلى الطريق فالتأجيل باطل ، وإن كان ميلانه إلى دار رجل فأجله صاحب الدار أو أبرأه منه أو فعل ذلك ساكن الدار فذلك جائز ، ولا ضمان عليه فيما تلف بالحائط ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

ووجه الفرق بينهما أن الحق في الطريق لجماعة المسلمين فإذا طالب واحد منهم بالنقض فقد تعلق الضمان بالحائط لحق الجماعة ، فكان التأجيل والإبراء إسقاطا لحق الجماعة فلا يملك ذلك بخلاف ما إذا كان الميلان إلى دار إنسان ; لأن هناك الحق لصاحب الدار خاصة .

وكذلك الساكن فكان التأجيل والإبراء منه إسقاطا لحق نفسه فيملكه .

وكذلك لو وضع رجل في دار غيره حجرا أو حفر فيها بئرا أو بنى فيها بناء وأبرأه صاحب الدار منه كان بريئا ، ولا يلزمه ما عطب بشيء من ذلك سواء عطب به صاحب الدار أو داخل دخل ; لأن الحق له فيملك إسقاطه كأنه فعل ذلك بإذنه .

( ومنها ) أن يكون المطالب بالنقض ممن يلي النقض ; لأن المطالبة بالنقض ممن لا يلي النقض سفه ، فكان وجودها والعدم بمنزلة واحدة فلا تصح مطالبة المستودع والمستعير والمستأجر والمرتهن ; لأنه ليس لهم ولاية النقض فتصح مطالبة الراهن ; لأن له ولاية النقض لقيام الملك فينقض ويقضي الدين ، فيصير متعديا بترك النقض ، وتصح مطالبة الأب والوصي في هدم حائط الصغير لثبوت ولاية النقض لهما ، فإن لم ينقضا حتى سقط يجب الضمان على الصبي ; لأن التلف بترك النقض المستحق على الولي والوصي مضاف إلى الصبي لقيامهما مقام الصبي ، والصبي مؤاخذ بأفعاله ، فيضمن وتتحمل عنه عاقلته فيما تتحمل العاقلة ، ويكون في ماله فيما لا تتحمله العاقلة كالبالغ سواء ، وعلى هذا يخرج ما إذا كان الحائط المائل لجماعة فطولب بعضهم بالنقض فلم ينقض حتى سقط فعطب به شيء أن القياس [ ص: 285 ] أن لا يضمن أحد منهم شيئا ، وفي الاستحسان يضمن الذي طولب .

وجه القياس : أنه لم يوجد أحد منهم ترك النقض المستحق ( أما ) الذين لم يطالبوا بالنقض فظاهر ( وإما ) الذي طولب به فلأن أحد الشركاء لا يلي النقض بدون الباقين : وجه الاستحسان أن المطالب بالنقض ترك النقض مع القدرة عليه ; لأنه يمكنه أن يخاصم الشركاء ويطالبهم بالنقض إن كانوا حضورا ، وإن كانوا غيبا يمكنه أن يرفع الأمر إلى القاضي حتى يأمره القاضي بالنقض ; لأن فيه حقا لجماعة المسلمين ، والإمام يتولى ذلك لهم فيأمر الحاضر بنقض نصيبه ونصيب الغائبين ، فإذا لم يفعل - فقد صار متعديا بترك النقض المستحق ، فيضمن ما تولد منه لكن بقدر حصته من الحائط في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي قولهما : عليه ضمان النصف .

وجه قولهما أن أنصباء الشركاء الآخرين لم يجب بها ضمان ، فكانت كنصيب واحد ، كمن جرحه رجل ، وعقره سبع ، ونهشته حية ، فمات من ذلك كله أن على الجارح النصف ; لأن عقر السبع ونهش الحية لم يجب بهما ضمان ، فكانا كالشيء الواحد ، كذا هذا ، ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن التلف حصل بثقل الحائط ، وليس ذلك معنى مختلفا في نفسه فيضمن بمقدار نصيبه والله - تعالى - أعلم .

ومنها قيام ولاية النقض وقت السقوط ، ولا يكتفي بثبوتها وقت المطالبة ; لأنه إنما يصير متعديا بترك النقض عند السقوط كأنه أسقطه ، فإذا لم يبق له ولاية النقض عند السقوط - لم يصر متعديا بترك النقض فلا يجب الضمان عليه ، وعلى هذا يخرج ما إذا طولب بالنقض فلم ينقض حتى باع الدار التي فيها الحائط من إنسان وقبضه المشتري أو لم يقبضه ثم سقط على شيء ، فعطب به - أنه لا ضمان على البائع ; لانعدام ولاية النقض وقت السقوط بخروج الحائط عن ملكه ، ولا على المشتري أيضا لانعدام المطالبة في حقه فرق بين هذا وبين ما إذا شرع جناحا إلى الطريق ثم باع الدار مع الجناح ثم وقع على إنسان إنه يضمن البائع ، ووجه الفرق أن وجوب الضمان هناك على البائع قبيل البيع لكونه متعديا بإشراع الجناح ، والإشراع على حاله لم يتغير فلا يتغير ما تعلق به من الضمان ، ووجوب الضمان لكونه متعديا بترك النقض المستحق ، وذلك عند سقوط الحائط ، وقد بطل الاستحقاق بالبيع ، فلم يوجد التعدي عند السقوط بترك النقض ، فلا يجب الضمان ، وعلى هذا يخرج ما إذا طولب الأب بنقض حائط الصغير ، فلم ينقض حتى مات الأب أو بلغ الصبي ثم سقط الحائط إنه لا ضمان فيه ; لأن قيام الولاية وقت السقوط شرط ، وقد بطلت بالموت والبلوغ والله - تعالى - أعلم .

( ومنها ) : إمكان النقض بعد المطالبة ، وهو أن يكون سقوط الحائط بعد المطالبة بالنقض في مدة يمكنه نقضه فيها ; لأن الضمان يجب بترك النقض الواجب ، ولا وجوب بدون الإمكان حتى لو طولب بالنقض فلم يفرط في نقضه ، ولكنه ذهب يطلب من ينقضه ، فسقط الحائط ، فتلف به شيء - لا ضمان عليه ; لأنه إذا لم يتمكن من النقض لم يكن بترك النقض متعديا ، فبقي حق الغير حاصلا في يده بغير صنعه فلا يكون مضمونا عليه والله - سبحانه وتعالى - أعلم بالصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث