الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ( ومنها ) أن لا يكون مضروبا فيه فإن كان لا يقع ، ويقع المضروب ، وهذا قول أصحابنا الثلاثة .

                                                                                                                                وقال زفر هذا ليس بشرط ، ويقع المضروب والمضروب فيه ، وبيان ذلك فيمن قال لامرأته : أنت طالق واحدة في اثنتين أو قال واحدة في ثلاث أو اثنتين في اثنتين ; وجملة الجواب فيه أنه إن نوى به الظرف والوعاء لا يقع إلا المضروب ; لأن الطلاق لا يصلح [ ص: 161 ] ظرفا ، وإن نوى مع يقع المضروب والمضروب فيه بقدر ما يصح وقوعه بلا خلاف ، وإن نوى به الضرب والحساب ، ولم تكن له نية يقع المضروب لا المضروب فيه عند أصحابنا الثلاثة .

                                                                                                                                وعند زفر يقع المضروب والمضروب فيه بقدر ما يصح وقوعه ( وجه ) قوله أن الواحد في اثنتين اثنان على طريق الضرب والحساب والواحد في الثلاثة ثلاثة والاثنان في الاثنين أربعة ، وهذا يقتضي وقوع المضروب والمضروب فيه ; كما لو جمع بينهما بلفظ واحد فقال : أنت طالق اثنتين أو ثلاثا أو أربعا إلا أن العدد المجتمع له عبارتان : إحداهما الاثنان والثلاثة والأربعة ، والأخرى واحد في اثنين ، وواحد في ثلاثة واثنان في اثنين ( ولنا ) وجوه ثلاثة : أحدها أن الضرب إنما يتقدر فيما له مساحة .

                                                                                                                                فأما ما لا مساحة له ، فلا يتقدر فيه الضرب ; لأن تقدير ضرب الاثنين في الاثنين خطان يضم إليهما خطان آخران ، فمن هذا الوجه يقال الاثنان في الاثنين أربعة والطلاق لا يحتمل المساحة ، فإذا نوى في عدد الطلاق الضرب فقد أراد محالا فبطلت نيته .

                                                                                                                                والثاني أن الشيء لا يتعدد بالضرب ، وإنما يتكرر أجزاؤه فواحد في اثنين واحد له جزءان واثنان في اثنين اثنان له أربعة أجزاء ، وطلاق له جزء ، وطلاق له جزءان ، وثلاثة ، وأربعة ، وأكثر من ذلك سواء .

                                                                                                                                والثالث إنه جعل المضروب فيه ظرفا للمضروب والطلاق لا يصلح ظرفا إذ ظرف الشيء هو المحتوي عليه ، ولا يتصور احتواء الطلاق على شيء ; لأن الاحتواء من خواص الأجسام ، فلا يصلح ظرفا للمضروب ، فلا يقع ، وهذا لو قال لامرأته : أنت طالق في دخولك الدار ، أو قال لها : أنت طالق في حيضتك لا يقع للحال ; لأنه جعل الدخول والحيض ظرفا ، وإنهما لا يصلحان ظرفا لاستحالة تحقق معنى الظرف فيهما إلا أن ثمة يتعلق الطلاق بالدخول والحيض ، ويجعل في بمعنى مع لمناسبة ; لأن مع كلمة مقارنة والمظروف يقارن الظرف فصار كأنه قال : أنت طالق مع دخول الدار أو مع حيضك ، وههنا لو أراد بفي مع في قوله : في اثنين أو في ثلاث يقع الثلاث .

                                                                                                                                وكذا لو أراد بكلمة في حرف الواو ; لأن الواو للجمع والظرف يجامع المظروف من جميع الجهات فيجوز استعماله كله والظرف على إرادة المقارنة أو الاجتماع من جهة واحدة والله تعالى الموفق .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية