الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                      في اشتراء سلعة غائبة قد رآها أو وصفت له فيريد أن ينقد فيها أو يبيعها من صاحبها قبل أن يستوفيها أو من غيره قلت : أرأيت إن اشتريت سلعة أو حيوانا قد رأيت ذلك قبل أن أشتريه أو اشتريت [ ص: 262 ] ذلك على صفة وهم في موضع بعيد مثل المدينة من مصر أو برقة من مصر أو من إفريقية أيصلح لي فيه النقد في قول مالك ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لا .

                                                                                                                                                                                      قلت : أفيجوز لي أن أبيع تلك السلعة من الذي باعنيها بأكثر أو بأقل أو بمثل ذلك وأنتقد أو لا أنتقد ؟ قال : قال لي مالك في الرجل يبتاع السلعة الغائبة التي لا يصلح النقد فيها من رجل وصفها له أو قد رآها ثم يقيله منها : إن ذلك لا يصلح ، قال مالك : وأراه من الدين بالدين لأن الدين قد ثبت على المبتاع إن كانت السلعة سليمة يوم وقعت الصفقة ، فإذا أقاله منها بدين قد وجب له عليه فكأنه باعه سلعة غائبة بدين عليه لا يقبضه مكانه فيصير الكالئ بالكالئ ، وكذلك فسر لي مالك ، والسلعة الغائبة التي سألتني عنها لا تصلح بأقل ولا بأكثر من صاحبها ولا بمثل لأنه يصير دينا بدين كما وصفت لك ، سحنون . وهذا على الحديث الذي جاء في السلعة إذا أدركتها الصفقة قائمة مجتمعة قال ابن القاسم : فأما إن باعها من غير صاحبها الذي اشتراها منه ولم ينقد فلا بأس به .

                                                                                                                                                                                      قال : وكذلك قال لي مالك ، وذلك أنه يبيع سلعة له غائبة فلا يصلح النقد فيها .

                                                                                                                                                                                      قال : وقال مالك : لو أن رجلا كان له على رجل دين فأخذ منه بدينه جارية مما تستبرأ أو مثلها يتواضع للحيضة لأنها من علية الرقيق فيتواضعانها للحيضة ، قال مالك : لا خير في ذلك ، وهذا يشبه الدين بالدين .

                                                                                                                                                                                      قال : فقلت لمالك : فإن اشترى رجل جارية فتواضعاها للحيضة فاستقاله صاحبها بربح يربحه إياه ، قال مالك : إن لم ينتقد الربح فلا بأس بذلك لأنه لا يدري أيحل له ذلك الربح أم لا لأنها إن كانت حاملا لم يحل له الربح لأنه لا يجب له فيها بيع ولا شراء فأرى أنه لا يجوز للمشتري أن يقبل من البائع ربحا ينتقده في الثمن لأنه لا يدري أيتم له البيع أم لا كما لا يجوز للبائع الأول أن يقبل من المشتري زيادة يقيله بها من الجارية وكذلك فسر لي مالك .

                                                                                                                                                                                      قال : وقال مالك : لا أرى بأسا أن يقيله منها برأس ماله لا زيادة فيها ولا نقصان قبل أن تخرج من الحيضة ، ولا أرى على صاحبها فيها استبراء .

                                                                                                                                                                                      قلت : ويبيعها من غير صاحبها بأقل أو أكثر ؟

                                                                                                                                                                                      قال : نعم لا بأس بذلك إذا لم ينتقدا الثمن ولم يأخذ ربحا فإذا خرجت من الحيضة قبضها مشتريها وإن دخلها نقص عمل فيها كما يعمل في مشتريها وهذا أحب قول مالك فيها إلي .

                                                                                                                                                                                      قلت : وكذلك إذا آجرت داري من رجل إلى شهرين بثوب موصوف في بيته ثم [ ص: 263 ] إني بعت ذلك الثوب منه قبل أن أقبضه منه بدراهم أو دنانير أو بثوبين مثله من صنفه أو بسكنى داره ؟قال : لا أرى به بأسا إذا علم أن الثوب قائم إذا وقعت الصفقة الثانية .

                                                                                                                                                                                      قلت : فإن اكتريت دارا لي بدابة بعينها موصوفة في موضع بعيد وقد رأيتها إلا أنها في موضع بعيد على أن يبتدئ بالسكنى الساعة ؟ قال : لا يصلح ذلك لأن الدابة الغائبة لا يصلح فيها النقد وإن كان ثمنها عرضا ، وكذلك قال لي مالك وغيره من أهل العلم فلما لم يصلح له فيه النقد لم يصلح لك أن تنقد في ثمنها سكنى دارك .

                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت إن اشتريت دابة وهي غائبة بسكنى داري هذه سنة على أن لا أدفع الدار حتى أقبض الدابة أيجوز هذا أم لا ؟ قال : نعم .

                                                                                                                                                                                      قلت : وهذا قول مالك ؟

                                                                                                                                                                                      قال : نعم .

                                                                                                                                                                                      قلت : ولا تراه من الدين بالدين ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لا لأن هذا بعينه وهو غائب ، وإنما الدين بالدين في قول مالك في المضمونين جميعا ولو كان أحدهما بعينه إلا أنه غائب في موضع لا يصلح فيه النقد والآخر مضمون إلى أجل لم يكن بذلك بأس ، ولا يصلح النقد فيها بشرط حتى يقبض السلعة الغائبة التي بعينها إلا أن يتطوع المشتري بالنقد من عنده من غير شرط كان بينهما لأن مالكا قال لي : لا بأس أن يبيع الرجل من الرجل السلعة الغائبة التي لا يجوز في مثلها النقد أو الثمر الغائب في رءوس النخل الذي لا يجوز في مثله النقد بدين إلى أجل ، ولم يقل لي مالك بذهب ولا بورق ولا بعرض ، والذهب والورق الذي لا شك فيه أنه قوله ، والعروض والحيوان أنه لا بأس به وهو أمر بين .

                                                                                                                                                                                      قلت : والثمر الغائب كيف هو عندك ؟

                                                                                                                                                                                      قال : قال لي مالك : وكان المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يبيع ثمار حوائطه وهو بالمدينة فيبيع ثماره كيلا التي بالصفراء وبخيبر بثمن إلى أجل كيلا فلم ير بذلك بأسا ولم يره أحد من الدين بالدين .

                                                                                                                                                                                      قال سحنون : وهذه حجة في بيع البرنامج ، وقد قال مالك : ولو كانت على مسيرة خمسة أيام أو ستة هذه الحوائط جاز لصاحبها أن يبيعها .

                                                                                                                                                                                      قال ابن القاسم : فإذا كانت الحوائط بعيدة منه مثل إفريقية من المدينة فهذا لا يصلح لأنه لا يبلغ حتى تجد التمرة فلا خير في هذا لأنه لا يعرف هذا من بيوع الناس ، وهذا مما لا ندركه ولا نعرفه .

                                                                                                                                                                                      قال : وقال لي مالك : لو كان هذا في الحيوان لم أر به بأسا إذا لم ينقد . [ ص: 264 ] قال : وقال لي مالك : ولو كان في الدور والأرضين ورقاب النخل لم يكن بذلك بأس وإن نقده .

                                                                                                                                                                                      قال ابن القاسم : وإنما الثمار تفسير مني وما ذكرت لك من بعد الثمار عن مشتريها إذا كانت بإفريقية وما أشبهها فلم أسمعه من مالك وإنما هو تفسير مني سحنون إلا أن يكون الثمر يابسا .

                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية